سياسة إقامة الأسوار والجدران والخنادق الفاصلة بين المغرب والجزائر آخذة في التطور إلى مستوى مثير ومقلق، وترتفع حمى التنافس بين الطرفين بشأن من سيبني الجدار الأكبر، ومن سيشيد السياج الأطول، ومن سيحفر الخندق الأعمق. لكن الجدار الحقيقي هو ذلك النفسي الذي يقيمه البلدان، وهو شبيه بالذي انتصب منذ قرون من الزمان بين الشرق والغرب.
وخلال الأسابيع الأخيرة، طفت إلى سطح الأحداث في العلاقات بين المغرب والجزائر، نقطة ضوء ضعيفة في بحر أو محيط التوتر، فقد طالب الملك محمد السادس في خطاب ثورة «الشعب والملك» يوم 20 أغسطس الجاري بتطوير العلاقات مع الجزائر.
كانت دعوة للمصالحة، وكان الرد الجزائري من الرئيس عبد العزيز بوتفليقة برسالة تهنئة أخوية. لكن الأمر في الواقع لم يتعد نهائيا دبلوماسية التهاني التي انتعشت إبان الحرب الباردة. وكانت رسائل موسكو لواشنطن بمناسبة قدوم رئيس جديد أو العيد الوطني مغرقة في التمني بالتقدم، ويحدث الأمر نفسه مع رسائل البيت الأبيض للكرملين، بينما في الواقع كان البلدان ينصبان مع كل رسالة تهنئة عشرات القنابل النووية الموجهة لضرب هذا البلد أو ذاك.
هذا ما يستمر في الحدوث بين المغرب والجزائر مع فارق هو أن الحرب الباردة انتهت بين موسكو وواشنطن سنة 1990، وتعود في حلة جديدة بعد نصف قرن من الهدنة، وأبرز عناوينها جزيرة القرم وأوكرانيا، بينما الحرب الباردة بين المغرب والجزائر تستمر مشتعلة وكأن هناك رغبة لدى البلدين لتحطيم رقم قياسي. نعم رقم قياسي في التوتر وسوء العلاقة الدولية بين الجيران، أمر لم ينتبه له بعد القائمون على كتاب غينيس، ومن يدري سينتبهون له ليمنحوا شهادة تصدر التوتر العالمي للمغرب والجزائر. وهكذا، فدبلوماسية التهاني بين البلدين تبقى حدثا شاذا أمام الواقع المر، الذي تفرضه السياسة، إذ يعزز المغرب من السور الذي شيده على مسافة تتجاوز المئة كلم من الشمال نحو الجنوب، وتبدع الجزائر في حفر خنادق فاصلة موازية للسور أو سياجات. ويبرر كل طرف هذه الإجراءات بمحاربة التهريب والهجرة غير الشرعية والإرهاب، وكل ما يجود به القاموس السياسي والأدبي من مصطلحات تتعلق بظواهر سلبية، ولن نتفاجأ
إذا ادعيا أن الأمر لمنع مرور انفلونزا الديناصورات بدل الطيور، فكل مبرر وارد أمام سريالية العلاقات الثنائية بين الطرفين.
لا يفكر البلدان في طريق بينهما ينطلق من طنجة إلى وجدة ثم وهران وحتى الحدود مع تونس. لا يستفيد البلدان من سياسة الاتحاد الأوروبي، المطل عليهما، التي ألغت الحدود ورفعت من الربط البري عبر الطرق السيارة والقطارات، بل جعل المثال والقدوة لهما: الحدود المغلقة بين كوريا الشمالية والجنوبية، علما بأن البلدين أقاما مصانع مشتركة على الحدود في محاولة للتخفيف من التوتر.
لم تعد تنفع تعابير مثل الأشقاء الأعداء في وصف العلاقة بين المغرب والجزائر لأن العداوة بين الأشقاء تنتهي عندما يحل مكروه أو فرح، لكن بين البلدين مستمرة، مثل ذلك الذي يريد أن يجد آخر رقم في منظومة الحساب ولا ينتهي بعدما بقي العمر كله وهو يردد الأرقام، عشرة ثم مئة وألف ومئة ألف ثم مليون ومليار ومائة مليار و…و…
اعتاد المهتمون بالعلاقات الثنائية بين المغرب والجزائر القول بأنها ستشهد
انفراجا عندما سيتم إيجاد حل لنزاع الصحراء الغربية، بحكم أنه السبب الرئيسي في هذا التوتر نظرا لإصرار المغرب على اعتبار الصحراء جزءا من أراضيه، وتأييد الجزائر لجبهة البوليساريو لتستقل بهذه المنطقة.
هذه الأطروحة وجيهة وواقعية لكنها تبقى قاصرة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن التوتر بين البلدين حدث قبل اندلاع نزاع الصحراء. وما يجري إنتاجه من ثقافة الكراهية بين الحكام وانتقلت إلى الشعبين مؤخرا، ويكفي الاطلاع على وسائل الإعلام والكتابات السياسية، قادر على تغييب التفاؤل واستحضار التشاؤم.
المتأمل للكراهية التي أصبحت عليها العلاقة بين المغرب والجزائر سيجد لها مثيلا في التاريخ، هي أشبه بالعلاقات بين الشرق والغرب، بين العالم المسيحي والإسلامي. وتوجد أسوار نفسية بين الشرق والغرب نتيجة الأحداث المأساوية للتاريخ من حروب واستعمار وغزو واستغلال.
لكن هنا يجب التعاطي مع وصف الشرق والغرب بنوع من النسبية أو صيغة المبالغة، فالواقع يكشف لنا أن الشرق متخلف سياسيا وتقنيا بينما الغرب متقدم سياسيا وعلميا، ولنتأمل مستوى الاختراعات والديمقراطية للمقارنة. نعم العلاقة بين المغرب والجزائر مثل الشرق والغرب لأنهما شيدا جدرانا من الكراهية، ولكن في العمق فهما يجسدان الشرق نظرا لتخلفهما في مختلف المجالات. ولنتأمل مستوى التـعــلـيم والصحة والديمقراطية وحرية التعبير، البلدان يقــبعان في أسفل سلم الترتيب العالمي، فهما لا يتنافسان فقط في بناء الأسوار والجدران الفاصلة، بل كذلك في البقاء ضمن دول التخلف والتأخر.
٭ كاتب مغربي من اسرة «القدس العربي»
د. حسين مجدوبي