حكومة الشباب والنساء والوحدة الوطنية في تونس

حجم الخط
11

أدّت حكومة رئيس الوزراء التونسي الجديد يوسف الشاهد اليمين الدستورية بعد نيلها ثقة نواب البرلمان بأغلبية جيدة إضافة إلى تمتّعها بقدرة على تمثيل مروحة واسعة من الأحزاب والمكوّنات الفاعلة في البلاد فهي تضم وزراء من حزب «نداء تونس» الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء، و»حركة النهضة»، و»آفاق تونس»، و»الحزب الجمهوري»، وحزب «المبادرة»، و»حركة الشعب»، وحزب «المسار الديمقراطي الاجتماعي» إضافة إلى مستقلين، كما أنها تحظى بدعم ثلاث منظمات كبرى: الاتحاد التونسي للشغل، واتحاد الصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، واتحاد الفلاحة والصيد البحري.
يعتبر الشاهد أصغر رئيس وزراء يتنكّب مسؤولية هذا المنصب في تونس (41 عاما) بما يعكس اتجاها تونسيّاً للتعاطي مع العصر بحيويّة ومدارك الشباب وطاقاتهم المتفاعلة مع قضايا العصر، كما تضم الوزارة ستّ وزيرات من أصل 26 وزيرا (أي ما يعادل ربع عدد الوزراء)، إضافة إلى وزيرتي دولة (من أصل 14) استلمن حقائب وزارية هامّة بينها المالية والطاقة والصحة والشباب، وهو أمر يعتبر سابقة حميدة تحتسب لتونس، المعروفة بتقدّمها في مجال الدفاع عن حقوق المرأة، ولنخبتها التي تدرك بالتأكيد الأثر الإيجابي المهم لقضية تمكين المرأة في السياسات العالمية، وللاستفادة من خبراتها وإمكانيّاتها التي لا يزال استثمارها محدوداً لأسباب تاريخية واجتماعية واقتصادية معقدة.
تبدو تشكيلة حكومة الوحدة الوطنية التونسية الجديدة كأنها إجابات على مسائل أثارت جدلا ضمن النخب التونسية، فتكليف رئيس الوزراء الشاب يستجيب للنقاشات الممضّة التي أثيرت حول الرئيس الباجي قائد السبسي الطاعن في السنّ (والذي فاز بنسبة عالية من أصوات كبار السن) وعن الهوّة بين الأجيال، والتمثيل الواسع للأحزاب يبدو ردّاً على اتهامات للحزبين الكبيرين، «نداء تونس» و»النهضة»، بتقاسم السلطة (وقبلها اتهام النهضة أيام وزارة الترويكا بكونها جاءت بحزبين ديكوريين)، كما أن الوجود الوازن للنساء في الحكومة الجديدة يردّ على قضية احتكار الذكور للسلطات التنفيذية وتسليم النساء مناصب شكليّة (ناهيك عن الاتهام الخالد للبلدان الإسلامية باضطهاد النساء) الخ…
إن في الاستجابة لهذه القضايا جميعها ما يدلّ على مرونة ورغبة لدى الأحزاب الكبيرة في التجاوب مع الجمهور العامّ، وهي فضيلة تحسب لها، والأفضل من ذلك أن يسمح قادة هذه الأحزاب (وبالأخص «نداء تونس» و»النهضة») لهذه الحكومة بأن تخوض تجربتها الخاصة وأن تكون لديها «فترة سماح» طويلة من ضغوط وتدخّلات الكبار بحيث تتمكن من نيل حصّتها من الإنجاز، فتنجو مما تعرّضت له الوزارات السبع السابقة من إشكالات أفرغت الطاقة الثورية الكبيرة التي دخلت فيها البلاد بعد هروب الزعيم السابق زين العابدين بن علي في صراعات أيديولوجية عقيمة وتدخّلات دولية وإقليمية خبيثة.
جاء تشكيل الحكومة الجديدة مع عمليّة جديدة أمس أودت بحياة ثلاثة جنود لتعيد التذكير بخطر الإرهاب وعلاقته الوثيقة بالفساد «الذي تغوّل في أجهزة الدولة» على حد قول رئيس الوزراء المنتهية ولايته الحبيب الصيد، وهما قضيتان موجودتان على رأس أجندة الحكومة الجديدة، إضافة إلى ضرورة معالجة الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها البلاد.
مهمّ جدّاً، لتونس وللعرب، أن النخب التونسية حافظت على مسارها الديمقراطي، رغم تعرّجاته الصعبة واختناقاته «المرورية»، وأنها تحاول التفاعل الإيجابي مع مطالب التوانسة المشروعة التي اختطّت مسار الثورات العربية واستمرّت في سيرورتها الخاصّة رغم محاولات حثيثة لشدّها إلى خطّ الاستئصال العسكريّ والحرب الأهلية.

حكومة الشباب والنساء والوحدة الوطنية في تونس

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية