لماذا توقفت عن مطالبة الفلسطينيين بالاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية؟ أساسا لأن هذا تلاعب بالعينين. فأنا على وعي بأن الكثيرين في إسرائيل ينشغلون بهذه المطالبة ـ من بنيامين نتنياهو وبوغي يعلون وحتى آري شفيط وزميلي في الصحيفة بن ـ درور يميني. أما أنا فلم أعد انشغل بها، لأنه بعد كل هذا القدر الكثير من السنين يخيل لي أن هذه لا تغير في الأمر من شيء.
لا حاجة لإقناعي بفكرة الدولة اليهودية. فبدونها لا تكون صهيونية. ليست كلمة الديمقراطية هي التي مرت كالخيط الثاني في وثيقة الاستقلال بل فكرة الوطن القومي للشعب اليهودي. اما الديمقراطية فجاءت بعد ذلك. وقيمها اصبحت مقدسة لاننا نحن، اليهود، لا نعرف كيف نتدبر أمرنا الواحد مع الاخر، فقط مع هويتنا القومية والدينية.
في نظرة إلى الوراء لا يهم من اخترع مطلب الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية او لماذا فعل هذا.
في السطر الأخير هذه المطالبة هي شرط أولي أساسي لم يؤمن باتفاقات السلام. وهنا يكمن تحفظي من مطالبة الفلسطينيين بأن يعترفوا بنا: فأنا لا اؤمن باتفاق محتمل. ليس انطلاقا من روح النبوءة ولا بسبب الوعد من الكتب المقدسة بل انطلاقا من تحليل بارد للوضع في منطقتنا.
وانطلاقا من هذه النظرة إياها أصبحت شكاكا بالنسبة للقدرة على التوقيع مع الفلسطينيين على أي اتفاق يصمد. وهنا من المناسب الاعتراف: لم يسبق لي ان كنت متفائلا بالنسبة للفلسطينيين، غير اني لم أعد الآن متشائما. كباحث أو كمراقب أنظر إلى الجثة التي بردت منذ زمن بعيد بينما يتحدث المؤبنون عن مزاياها كإنسان حي ونشط.
هنا يأتي القسم الذي يشغل بالي في المطالبة من تلك الجثة التي تسمى «الاتفاق مع الفلسطينيين»: بينما يطالب هؤلاء بالاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية، فإننا نحن أنفسنا نتملص من الاعتراف بها كذلك. فتعريف إسرائيل كدولة يهودية هو عملة تنتقل إلى التاجر، غير انها تنتقل في كيس مغلق ولا يوجد من يتجرأ على اخراجها وفحصها.
القانون الاساس «الدولة القومية للشعب اليهودي» لا يجاز في كنيست إسرائيل رغم أنه توجد هنا في هذه الأيام حكومة يمينية ووطنية. فبعد جدالات سياسية واعلانات ولاءات لا حصر لها ـ حتى اللجان حول الموضوع اختفت ـ ولا احد يجتهد، ولا حتى تظاهرا، ليري بأنه ينشغل بهذا القانون الهام.
لماذا هذا جيد؟ سألوني في الماضي. وبالفعل، من أجل التعريف والاجابة على الاسئلة التي نتجرأ على الانشغال بها. إعطاء جواب لماذا يوجد قانون العودة، لماذا نحن نعارض جمع شمل عائلات اللاجئين (وليس فقط لأسباب أمنية)، ولماذا هناك حاجة لمؤسسات وطنية تعنى بحيازة اراضي الشعب اليهودي ولماذا الكنيست والمحاكم تدار بالعبرية فقط (فيما انه ظاهرا توجد هنا لغتان رسميتان). كل هذه الأسئلة يفترض أن تكون مستوضحة في اطار دستور، وعندما لا يكون دستوريا فليكن في اطار قانون أساس.
وليس هذا فقط، بل أيضا مسألة ما هي مسؤولية الدولة اليهودية أو دولة اليهود تجاه الشتات في العالم؟ لما كانت الاحزاب الاصولية تنبذ الاصلاحيين والمحافظين ـ ممن ينتمي اليهم معظم يهود الولايات المتحدة ـ لا مفر من ان تقرر الدولة مكان هذه التيارات. فلا يمكن الاعتماد على مساهمتهم في «الإعلام» واقصاؤهم «من الحياة نفسها».
وماذا بالنسبة للسبت ـ كيف يفترض أن يبدو في المجال العام؟ في إسرائيل يوجد المزيد فالمزيد من المصالح التجارية، التجمعات التجارية بل والمواصلات العامة التي تعمل في السبت. والازمة الوهمية حول الاشغال في القطار في تل أبيب تجسد فقط العبث الذي في التفرغ الديني: ذاك الذي يغمض عينيه امام المظالم والخطايا، ولكن يحشد الجهد السياسي للقيام بجولة عندما يكون هناك حدث موضعي ما مغطى إعلاميا.
لماذا لا نسأل أنفسنا مرة واحدة وإلى الابد ماذا يعني «السبت وطابعه» (برأيي يجيب على ذلك ميثاق غبيزون ـ ميدان) بدلا من الاستناد إلى «الوضع الراهن» غير الواضح لأحد؟
ممن حقا أحتاج إلى الاعتراف بدولة يهودية ـ من الفلسطينيين أم من حكومة إسرائيل؟ ممَ يخاف اولئك الذين يؤمنون باتفاقات السلام واولئك الذين مثلي ممن لا يؤمنون بها؟ ان المطالبة بالاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية محظور ان تختفي، حتى إذا كانت مطلوبة منا نحن أنفسنا فقط.
يديعوت 30/8/2016