تطبيع الطبلة والمزمار في تونس

منتشيا بتصفيق الحاضرين وتشجيعهم رفع محسن الشريف يده عاليا وهتف بقوة «يحيا بن علي … يحيا بن علي…»! قبل أن يكرر الجملة ذاتها ويزيد لحظات بعد أن همس شخص في اذنه ببعض الكلمات غير المسموعة «ويحيا بيبي نتنياهو أيضا».
لكن المطرب التونسي الذي استمر في أعقاب تلك الهتافات الحماسية بالغناء في حفل ساهر أقامه اسرائيليون من اصول تونسية في مستعمرة إيلات على البحر الأحمر وحضره مغنون آخرون من تونس، كان منكود الحظ على ما يبدو. فلأسباب ظلت مجهولة حتى الان سرب البعض على موقع فيسبوك مقطع فيديو صور ظهوره في حفل ايلات المشؤوم لتنقلب حياته بعد ذلك رأسا على عقب، ويتحول بين عشية وضحاها من مغن معروف نسبيا في بعض الأوساط المحلية ومطلوب في الاعراس والحفلات العامة، إلى شخص منبوذ ومشبوه في اكثر من بلد، تلاحقه تهم الخيانة والعمالة للعدو التاريخي لامة بأكملها.
لقد حصل ذلك قبل نحو ست سنوات من الان، أي صيف السنة الاخيرة التي شهدت تفجر الاحتجاجات في المحافظات الداخلية وتحولها إلى انتفاضة عارمة زلزلت اركان نظام بن علي واجبرته مطلع العام الموالي على الهروب من بلد حكمه لاكثر من عشرين عاما. وظل التساؤل الذي خامر الكثير من التونسيين حينها هو، ما إذا كان ما أقدم عليه المطرب المغمور نزوة فردية وعملا طائشا ومعزولا حصل تحت تأثير حالة السكر التي كان عليها، كما تردد؟ أو من النهم والجشع للمال مثلما فسر البعض؟ أم انه لم يكن في واقع الأمر سوى حلقة اضافية وجديدة من حلقات تطبيع ثقافي ونفسي مستمر، بدأ بشكل سلس وخفي قبل سنوات واقدمت عليه السلطات ودفعت نحوه عن سابق قصد واضمار وتخطيط؟ لقد بقي مبرر تلك الحركة غامضا ولم يعرف أصلا كيف أمكن للشريف أن يزج بنفسه وبنظام بلده البوليسي سيئ السمعة في مغامرة جعلته يعيش مأزقا حقيقيا جلب له موجة عارمة وغير مسبوقة من الغضب والاستياء وصلت حد المطالبة بسحب الجنسية التونسية منه وفتح على النظام بالمقابل باب انتقادات وإدانات واسعة كان في غنى عنها وعن تداعياتها القريبة والبعيدة. هل تم الأمر صدفة وبدون ضوء أخضر أو اشارة مباشرة او غير مباشرة من اعلى هرم الحكم؟ وهل كان ذلك التصرف عملا عاقلا ومدروسا ودليلا على ذكاء خارق للجهة التي خططت للتوقيت والشكل والمكان؟ أم كان ببساطة سقطة اخلاقية وسياسية مريعة من سقطات زمن الاستبداد فضحت غباء المطرب وغباء وسخف من أملى عليه وقاده أو غطى وتستر على فعلته الصادمة والمستفزة؟
ما نقل اياما قليلة بعد اختفاء المطرب وتواريه عن الانظار بعد انتشار مقطع الفيديو كان اشبه بفصل سخيف من فصول كوميديا رديئة وسوداء من الدرجة الثالثة، فقد قيل في بعض المواقع الاعلامية انه اعلن في سياق دفاعه عن نفسه من تهم العمالة والخيانة التي لاحقته انه لم يكن يعرف ابدا من يكون بنيامين نتنياهو الذي قامت الدنيا ولم تقعد بسبب هتافه بحياته في ذلك الحفل. فهو لم يسمع به على الاطلاق ولم تبلغه حينها معلومات او انباء عن جرائمه المريعة بحق الفلسطينيين. وربما لو اخطره احد مسبقا ببعض التفاصيل الدقيقة التي تكشف حقيقته وحقيقة افعاله لدعا عليه بالموت الزؤام بدل الهتاف له بطول العمر.
بدا الأمر مثلما فسره الشريف مجرد سوء فهم عادي ونوعا من الخلط غير المقصود وليس زلة كبرى وجرما فظيعا وخطيرا، كما روج لذلك حساد المطرب وخصومه ممن كانوا يترصدونه لاجل الاطاحة به ووضع حد لمسيرته الفنية الواعدة. أما السلطات فكل ما فعلته ساعتها هو أنها ظلت حريصة على الوفاء لاسلوبها المعتاد في مثل تلك الحالات وهو الصمت المطبق، ومحاولة التنصل من كل مسؤولية أو علاقة بالموضوع، مع ترك الباب مواربا ومفتوحا امام المتحدثين غير الرسميين باسمها في منابر الاعلام المحلي والدولي حتى يكرروا ويعيدوا في كنف الانضباط التام وبدون الخروج عن النص المعروف، تلك الاسطوانة المشروخة والمعروفة للموقف الرسمي الداعم والمساند بقوة وصرامة للقضية الفلسطينية، التي كان بن علي يقول عنها في المناسبات والخطابات الموسمية إنها قبل وبعد كل شيء قضيته الشخصية. لقد كان النظام يعيش اوقاتا صعبة رغم حالة الهدوء النسبي التي كانت تخيم على تونس، ولم يكن بمقدوره المجازفة بتوضيح الصورة أو كشف حقيقة كتيبة المطربين التونسيين التي تسللت تحت جنح الظلام إلى مستعمرة ايلات لتقذف المستوطنين الاسرائيليين انغاما طربية حتى باصدار بيان صحافي او التلويح بفتح تحقيق قضائي في الواقعة. وربما نصح المستشارون المقربون من دائرة القرار حينها بأن يطوى ملف فضيحة الحفل والهتاف بحياة نتنياهو في اسرع وقت، حتى لا تفلت الامور وتخرج عن السيطرة في حال ما اذا تواصل الضغط وتحول إلى المطالبة بكشف كل الروابط والعلاقات الغامضة التي تردد اكثر من مرة انها تربط تونس بالكيان الاسرائيلي.
لكن الخشية والتوجس الاكبر كان من ردة فعل الجالية اليهودية المحلية صاحبة النفوذ، التي اعتاد بعض افرادها ممن حصلوا على الجنسية الاسرائيلية على القدوم إلى تونس في مايو من كل عام لزيارة معبد الغريبة في جزيرة جربة جنوب البلاد. ففي ظل تعتيم تام حول طبيعة الادوار المزدوجة للاسرائيليين من اصول تونسية وغموض روابطهم بوطنهم الام وبالكيان المحتل الذي فضلوا الانتماء له، كان منطق السلطات يميل إلى تغليب هويتهم الدينية كيهود على وضعهم المدني والاجتماعي والسياسي كاسرائيليين يتبنون العقيدة الصهيونية وهو ما جعل أي حديث عن التطبيع يصطدم دوما بالتبرير الرسمي بأن المعنيين هم مواطنون يحملون جنسية البلد وينتمون له مثل باقي التونسيين، وبالتالي فانه لم يكن مقبولا او ممكننا وفق ذلك المنطق أن يدان حضور مواطن تونسي لحفل اقامه تونسيون حتى لو حصل ذلك في بلد محتل. هل كان النظام يحصن نفسه من نزاعات اثنية ودينية داخلية؟ أم يرسل اشارات خارجية للدلالة على انفتاحه وتسامحه وقبوله تعايشا محتملا مع الاحتلال الاسرائيلي في صورة توصل الفلسطينيين يوما ما إلى حل مرضي ومقبول لقضيتهم مثلما كان يلمح بعض المسؤوليين؟
في كل الاحوال كانت الحسابات والتوازنات الداخلية والاقليمية قد تخطت كل المبادئ والشعارات ورمت بها عرض الحائط. وحتى حين ظن بعض التونسيين أن ذلك المنطق صار جزءا من ماضي الاستبداد، وأنه صار بالامكان أن تقلب المعادلة في عصر الديمقراطية ويصبح التطبيع مع الكيان الاسرائيلي جريمة تستحق العقاب، سقط السياسيون في جدل عقيم حول ما اذا كان الطريق إلى ذلك يتم عبر نص دستوري أم لا؟ لتنصرف الانظار بعدها إلى اولويات البلد ومطالبه العاجلة والملحة في الخبز اولا واخيرا بدل الكرامة والحرية التي طالب بها بعض ابنائه قبل اكثر من خمس سنوات من الان.
لقد ازداد التونسيون بعدا عن القضية العربية الاولى وصارت المسافة التي تفصلهم عن فلسطين اكثر بعدا واتساعا من السابق، وبدأ الجهل والنسيان يكتسح الاجيال الشابة ولم يعد ممكنا أن يسمع الكثير منهم أو يستشعر في زحمة الحديث عن «داعش» والارهاب وشبح الافلاس الاقتصادي اي خطر للتطبيع مع الكيان الاسرائيلي مادام الفارق في نظرهم بين المحتل الغاصب وصاحب الحق لم يعد واضحا أو مؤثرا في تحديد المواقف المبنية فقط على المصلحة الوطنية والشخصية.
وهنا كانت كلمات مغن تونسي اخر اكثر شهرة من محسن الشريف مليئة بالدلالات على اختلاط الادوار وعلى أن عصر «اعرف عدوك» قد ولى وصار ذكرى قديمة. فقد قال صابر الرباعي بعد الضجة التي احدثتها قبل ايام صورته مع جندي اسرائيلي انه كان يظن الشخص الذي ظهرمعه جنديا فلسطينيا وان المعني «تقدم وطلب أن يلتقط صورة معرفا بنفسه باللغة العربية وانه من الطائفة الدرزية» وهو ما جعله يوافق على اخذ الصورة معه «بحسن نية وبشكل عفوي» على حد وصفه. وهو ما يعني أن التعرف إلى العدو الاسرائيلي لم يعد ممكنا مادام ذلك العدو لا يختلف شكلا ولسانا ومظهرا عن الاخ والصديق الفلسطيني.
أما النتيجة الحتمية التي لم يقلها الرباعي وقالتها بدلا عنه مغنية مغمورة على احدى المحطات الاذاعية المحلية لكل ذلك فهي انه» لا علاقة للفنان بالصراعات السياسية، ومن الطبيعي أن يلتقط الفنان صورا مع الاسرائيليين مثلما يفعل مع الفلسطينيين، وان يغني في اسرائيل مثلما يغني في تونس أو في اي بلد اخر في العالم». ولاجل ذلك لا يبدو مستغربا او مستبعدا أن يكرم قريبا مطرب الهتاف الشهير بحياة نتنياهو ويمنح اعلى الاوسمة الثقافية وارفعها نظير كفاحه المرير وجهده الخارق في الدعوة للتعايش السلمي بين تونس والكيان الاسرائيلي، مادامت الطبلة والمزمار قد صارت الطريق الالتفافي الاقرب والاسرع لتحقيق تطبيع حاربت اجيال حتى لا يدخل من باب الدولة الرسمي فباغتها في الاخير وتسرب من شباك الفن الشعبي المفتوح باستمرارعلى كل السقطات والكوارث.
كاتب وصحافي من تونس

تطبيع الطبلة والمزمار في تونس

نزار بولحية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية