في يومٍ ما
لم يكن عادياً
المقاهي والحانات
تقذف بصَخبِها إلى الشوارع
وتغطي على وشْوشات
العاشقين على المقاعد الخارجية
الساحاتُ تَضِجُّ بالناس
والألوانِ واختلاطِ الأصوات
وموسيقى الفَادُو
في ميدان صغير
وسط لشبونة
تزينه تماثيلُ برونزية
كان السياح بأقمصة شفيفة
تكشف نتوءات
أجسادهم الشبقية
يتدافعون أمام رجل
وحيد يجلس إلى طاولة
يضع رجلا على رجل
ويخفي جزءاً من وجهه
بقبعة تميل قليلا على جبهته
لم تتوقف طقطقة آلات التصوير
والرجل الغريب شارد
يرنو بنظرته إلى البعيد
وعلى شفتيه بسمة سئمة
كان المقعد بجواره خاليا
بتثاقل بدأ المساء
يُرْخي أضواءَه الشاحبة
لم يأتِ أحد
تململ الرجل
تنهَّد في خجل
ودخل الحانة
ولم يَعُدْ
عاد فقط ظِلُّه
في يده
كأس نبيذ أحمر
تَجَرَّعَ جرعةً وأخرى
وضع الكأس
على الطاولة الفارغة
نظر بتعاسة إلى الجميع
وانسحب لا يلتفت إلى وراء
غَمْغَمَ السياح وَهُمْ ينصرفون
وَهْمٌ أم حقيقةٌ أَمْ هما معاً
وصاحت فتاة في جنون
بِيسُووَّا* ..
بيسووَّا..
أنا أُوفِيلْيا حبيبتُك
هذا يوم لقائنا
«ألَمْ أعُدْ أرقكَ يافرناندو الصغير؟»
بَدَا الصياحُ سخيفاً
كان الظل يبتعد
ويختفي في الخواء
وعلى الطاولة الفارغة
ظِلَّان
متقابلان
كأسٌ فارغة
ورسالةُ فراق
تحكي
«فى يومٍ ما
طَرَقَ أحدُهمُ الباب
وهَرَعَت لفتحه خادمة»
فرناندو بيسووَّا
(1888-1935)
هو شاعر، وكاتب وناقد أدبي، ومترجم
وفيلسوف برتغالي، كان يكتب بعدة أسماء مستعارة ،ويوصف بأنه واحد من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وواحد من أعظم شعراء اللغة البرتغالية.
يوجد له نصب تذكاري في إحدى ساحات لشبونة وهو ينتظر عشيقته أوفيليا في مقعده المعتاد في مقهاه المفضلة «برازيليا» التي أصبحت مزاراً للسياح.
أوفيليا كيروس عشيقة بيسووَّا خلدها برسائل حب كان يعتبرها رسائل سخيفة، وآخر هذه الرسائل كتاب «في يوم ما طَرق أحدهم الباب وهرعت خادمة لفتحه» ويعد من أروع ما كتب.