فاضل السباعي: الـ«سوشيال ميديا» زادت لغتي كثافةً

حجم الخط
0

دمشق -«القدس العربي» : في جعبة الأديب السوري فاضل السباعي، حكايات لم يروها بعد. الكتابة التي امتهنها في يومياته، تحولت إلى شغف آسر، يخفي وراءه حزنه على سوريا. الوطن الذي رأى فيه انكسار أحلامه. وعلى الرغم من اشتداد الزمن بقي السباعي، يجرب في حقول الكتابة والنشر، متمكناً من صياغة لغة خاصة به، ميزّته عن مجايليه من رواد القصة القصيرة والرواية.
ولد السباعي في حلب، عام 1929، واعتقل في الثمانينيات لفترة قصيرة خرج من بعدها أشد إصراراً على النضال بسلاحه الأمضى «الكلمة» التي تخيف المستبدين، فكتب عن الاعتقال والسجن وانتهاك الحريات واللاعدل وأوجاع الإنسان اليومية. أنهى دراسته في ثانوية المأمون، وتخرج في كلية الحقوق جامعة القاهرة. وعمل محامياً ومدرساً في ثانويات حلب، قبل أن ينتسب عام 1957 موظفاً في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل. وبعد انتقاله إلى دمشق عام 1966 عمل في المكتب المركزي للإحصاء، ثم مديراً للشؤون الثقافية في جامعة دمشق. وفي عام 1982 طلب إحالته إلى التقاعد من آخر وظائفه في الدولة (مدير في وزارة التعليم العالي) ليتفرغ للكتابة. بدأ بنظم الشعر، ثم تحول إلى القصة القصيرة يكتبها وينشرها في المجلات العربية منذ منتصف الخمسينيات. وكتب أيضاً المقالة والنقد. ترجمت بعض قصصه إلى الفرنسية والإنكليزية والألمانية والروسية ولغات أخرى. وهو عضو مؤسس في اتحاد الكتاب العرب عام 1969، ومقرر جمعية القصة والرواية في الاتحاد، وأسس «دار إشبيليا» للنشر والتوزيع في دمشق ونشر فيها العديد من الكتب.
«القدس العربي» التقت السباعي، وأجرت حواراً خاصاً معه وهنا نصه:
■ منذ أول قصة كتبتَها في الخمسينيات، نلاحظ أن الكتابة عن أوجاع البسطاء ونصرة الإنسان المظلوم هما محور اهتمامك، لماذا هذا الإصرار؟
□ في طفولتي المبكّرة وأنا ابن عشر، في بيتنا في زقاق الزهراوي، رأيت الظلم حين تزوج أبي ثانية على أمي التي كانت قد منحت الأسرة ستة أطفال مثل الأقمار، فبلغ عدد أبناء «أبو السعود السباعي» تسعة عشر من بنين وبنات. وما أظنّ أحدا يتوقع «عدلا» أو صفاءَ عيش يُخيّمان على أسرة تديرها «جدّةٌ» يتعيّن على الجميع أن يُطيعوها، مع غياب «الثقافة الأسرية نشأت. وما كان لليلة التي جاء فيها أبي بالخالة أن يغيب من ذاكرتي، فكتبت بعد أربعين سنة من الحادثة، قصتي «صغير على الهمّ» في كتابي «الألم على نار هادئة».
هل كان قد انبثق، في نفس الطفل الذي كنتُه، حنينٌ إلى العدل والنزاهة والانصاف؟ وهل انضاف إلى ذلك دراستي للقانون، التي بيّنتْ لي ما للإنسان من حقوق وما يترتّب عليه من واجبات؟ ربما.

تجربة الاعتقال

■ اعتقلت في الثمانينات بسبب كتاباتك الأدبية، فكتبت عن ذلك بدقة، ما كان سبب اعتقالك الحقيقي؟ وكيف أثرت هذه التجربة في نتاجك؟
□ اعتقلت لأنني اجتمعت بطلاب كلية الآداب في جامعة حلب، مساء الاثنين الثاني والعشرين من شهر كانون الأول/ ديسمبر عام 1980، في «لقاء» على أحد مدرّجاتها، أتلقى منهم الأسئلة وأجيب عنها. وفي الختام قرأت عليهم قصة ضئيلة البراءة. اقتادوني يومها إلى زنزانة منفردة في معتقل «باب مصلّى» في دمشق، نمتُ على البلاط ونحن في عزّ الشتاء، بطانيّة تحتي وملتحفًا بأخرى، وكانتا في غاية القذارة، بعد الإفراج عني قلت، في إحدى الإذاعات الناطقة بالعربية: «فكأنهم يريدون لسجين الرأي أن يموت من القهر والبرد والجراثيم!».
وقد خرجت من الاعتقال أحمل في صدري فكرة قصة، كتبتها، وحفظتها في أوراقي، إلى أن آن لي – بعد اثني عشر عاما – أن أنشرها في كتاب عنوانه «بدر الزمان»، ترجم للإسبانية.
■ آمنتَ بالكلمة والإبداع كسلاح، وجاء الربيع العربي واشتعلت الثورات. إلى أي حد ما زالت الكلمة مؤثرة؟
□ عندما تصبح الكلمة خبز الكاتب اليومي، فإنها إذن الوسيلة التي يُعبّر بها عن احترامه للإنسان وتوجّهه نحو الحرية. وأعتقد أني مارست ذلك منذ البداية: احترام الإنسان بالاستجابة لأوجاع المتعَبين تطلُّعًا لحياة أفضل، والدفاعً عن المضطهدين في كل المعمورة. وما حلّ الربيع في الأوطان العربية إلا لتراكم الظلم والظلام، وقد كان الظُّالمون يُحكِمون قبضاتهم على شعوبهم. ومرة أخرى لا علينا إن حققنا اليوم الأحلام أو حصدنا الخيبات. فإنّا نكون بنهوضنا قد أكّدنا أننا أحياء، وأننا في تطلّعنا أحرار، إذا أخفقنا هذه المرة فسوف ننجح في مرة أخرى. نعم، قد نخسر حياتنا اليوم، ولكننا نكون قد أورثنا الأمل للجيل القادم.
■ كيف تفسّر للجلاد تلك الوحشية التي يمارسها على أبناء وطنه؟
□ ليس من تفسير إلا أنه جاهل وغبيّ إلى حدّ فقدان إنسانيته، ومرتهَنٌ لرؤساء قد أطلقوا يده في تعذيب الناس حتى الموت.
■ في كتاباتك اختلف أسلوبك بين القصّ الواقعي أحيانا واستخدامك الأسلوب الغرائبي من الاستعانة بالحيوانات لتنطقها، وبالنبات أيضا، وتقوّل بطلَك في القصة ما لا يستطيع الكاتب أن يعبّر عنه على أرض الواقع.. هل هذا «تحايل» يُمليه حرص الكاتب على حماية نفسه؟
□ هذا الأسلوب متّبع في العالم، وأخصّ في تراثنا، ابتداء من «ابن المقفّع» صاحب «كليلة ودمنة» (الذي دَفع في زمن العباسيين حياته ثمنًا لما قال في قصص كتابه فكان أول «شهيد رأي» في الإسلام!)، ولا أقول إنّ آخرهم «فرنسيس المراش» الحلبي صاحب كتاب «غابة الحقّ» (الذي لم يتنبّه العثمانيون إلى ما في هذه القصة من معان انتقادية، فنجا الكاتب وبقي الكتاب). التجأت إلى الخيال المُغْرِب، أحلّق فيه بعيدا، بأسلوب «الفانتازيا». تقرئين، فتظنّين أنّ الكاتب يحلُم، وبعد قليل تقولين: لا إنه يقول الحقيقة الواقعة، ثمّ يحلم، ويقول الحقيقة… إلى أن تنتهي من القراءة، فتقولين: لقد كان الكاتب يحلم، ولكنه قال الحقيقة كلّها! وهو الأسلوب الذي اتخذتُه في مجموعتي «حزن حتى الموت» ثمّ في بعض كتبي التالية. نعم، أنطقت الحيوان، اليمام وجوارحَ الغابة وكواسرها في قصتي المطوّلة «بدر الزمان»، وتحدّثت بلسان الشحرور «غندور» والقط «عنتر» في قصة «الشحرور القادم من الغابة»… مثلما «شخَصَنتُ» النباتَ، من ثمار «الكبّاد» (الأُتْرُج)، إلى شُجيرة «العسليّة» (العَراتليّة) و»زهر الهوا»، وجعلتها تفكر، وتشعر، وتتبادل الأحاديث، وتحزن، وتثور! وآخر ما هنالك قصة سمّيتها «أغنية الياسمين»، ستظهرقريباً في مجلة «العربي الصغير»!

التاريخ الأندلسي

■ كتبت الرواية والقصة القصيرة والمقالة والدراسة الأدبية والتاريخية.. أي نوع من هذه الأنواع الأدبية أقرب إليك؟
□ كلها أبنائي وبناتي، بدأت بالقصة القصيرة وأنا طالب في مرحلة الدراسة الثانوية، وعيناي ترنوان إلى الرواية. وكتبت المقالة أقول فيها شيئا عابرا أو مهمّا! والدراسة الأدبية أعبّر فيها عن آرائي في القيم الأدبية التي تراودني. ومنذ أربعة عقود من الزمن جذبتني الدراسة التاريخية، وكذلك الأبحاث المعمّقة في التراث الطبي العربي التي قّدّمتُها في المؤتمرات القُطرية والندوات الدولية.
وكان لمقاربتي التاريخ الأندلسي في نفسي سحرٌ خاص، فالعرب دخلوا شبه الجزيرة الإيبيرية (إسبانيا والبرتغال اليوم) فاتحين، ناشرين حضارة، وليسوا غزاة ناهبين للثروات كحال الاستعمار أمس واليوم.
وللعلم إنّ ما أودّ أن أسمّيه «الأمة الأندلسية» كان قوامها أبناء البلاد الأصليين الذين دخلوا الإسلام واستعربوا، فضلا عن العرب الفاتحين والمغاربة، وهؤلاء جميعا دافعوا عن وطنهم الأندلس، في مواجهة من يسري في عروقهم الدم الإسباني. وممّا عندي في الإعداد اليوم – وأنا في العقد الثامن من العمر – دراسات وبحوث أندلسية أعمل على جمعها في سِفْر قد يأتي في مجلدين، في الأدب وفي التاريخ وتاريخ الطب الأندلسي.
■ كنت تنوي كتابة سيرة حياتك في كتاب مستعيناً بالمذكرات اليومية.. أين أصبح هذا المشروع؟
□ من ناحيتي كنت أحاول كتابة سيرتي وتصرفني كلما هممت الشواغل. إلى أن وجدتني في صيف عام 2005، أتناول القلم وأبدأ. كتبت صفحات، أظنّ أنها مشرقة، عن طفولتي، وما أَحبَّ عهد الطفولة عند الإنسان! سردت الحوادث، من مجيء جدّي «سليم المفتي السباعي» من حمص عام 1915، إلى حلب أيام «النفير العام» الذي أُعلن في بداية حرب «السفر برلك»، إلى يوم مولدي، والسنوات الخمس الأولى من عمري. سمّيت هذا الفصل – عشقًا مني للمكان – «زقاق الزهراوي». وما زلت عازما على استئناف كتابة سيرتي، وأنا ألامس حيطان التسعين!

وسائل التواصل الاجتماعي

■ وما رأيك في شبكة التواصل الاجتماعي؟
□ أراها قد سهّلت التواصل بين أبناء البشرية في كلّ مكان في العالم، ومن ناحية شغلتني حتى أوشكت أن تصرفني عن مهمّتي الأولى الكتابة والدراسة والبحث، إلا أنها جذبتني لأن أبتدع لونا في الكتابة جديدا، تغريدات أكتبها، أسميّها «خواطر»، على مدار اليوم.
وأعترف، أيضا، بأنّ لغتي ازدادت، في ظلّ وسيلة التواصل الجديدة هذه، كثافةً ورهافةً ورونقاً. وهي أعجزت الأنظمة الشمولية عن تحجيم الفكر والرأي والأقوال، فأخذ كثير من المواطنين حريتهم،
حتى رؤوس الأنامل.
■ ماذا تقول عن ذكرياتك في حلب مدينتك التي ولدت ونشأت فيها وقد نزفت كثيراً خلال السنوات الأخيرة؟
□ في حلب ولدت من أبي الذي ولد في حمص وجاءها طفلا ابن ثمان، سكن أهلي في حيّ «ورا الجامع»، في بيت على الطراز العربي في «زقاق الزهراوي»، كان قد سكنه «عامل حلب» (حاكمها، واليها) زمن الأمويين «عمر بن عبد العزيز» قبل أن يصبح خليفة. ولأنك، تحوّمين في سؤالك حول الذكريات، فإنّ ذلك يقتضيني أن أحدثك بأنّ إلى جوار بيتنا يربض «الجامع الأموي الكبير»، الذي كان بناه عامل حلب اللاحق سليمان بن عبد الملك حين كان أخوه الخليفة الوليد يبني الجامع الأموي في دمشق. ويتاخم الجامعَ في حلب «سوق المدينة» الأشهر، المسقوفة أسواقه، يبلغ طولها – متوازية ومتقاطعة – سبعة أكيال، وفيها كان لأبي محله التجاري.
في تلك الأماكن، قضيت طفولتي. وإلى «قلعة حلب» الباذخة، كنت أذهب إليها وأترابي من أبناء الحارة أيام الربيع، نتسلق جسدها ونجلس على العشب الأخضر، نأكل بلذة رغيف «الزيت والزعتر»، وبعد أن سكنت دمشق كنت لا أتأخر عن المشي حول القلعة، قبل أن أدلف إلى سوق المدينة وأبدأ رحلتي: مع ذكريات الطفولة، وأناشيد التاريخ!
نعم، سوق المدينة أحرق، وأبواب الجامع دُكّت بالمدافع، والمئذنة الباذخة لُغمت وفُجرت… لكنها ستُعمَّر، وتعود أبهى ممّا كانت. تخريبها اليوم يُؤذِن بعمار جديد.
■ هذه الثورات التي تطلب تغييرا سياسيا واجتماعيا وبلا شك سيتبعها تغيير ثقافي، ما هي أهم أسس وملامح الثقافة الجديدة المقبلة برأيك؟
ـ أتخيّل شعار العهد الجديد: دع الأزهار تتفتح، ما كانت الصين أعلنته في الستينيات ثمّ انغلقت دونه. حرية ثقافية، حرية اقتصادية، والقانون يحمي الجميع ويراقبهم من العبث والاستغلال. محاسبة عادلة لكلّ من ارتكب ويرتكب الخطأ. لا مكان للتعصّب والتزمّت. يتوقف قهر المرأة، وتملأ البسمات وجوه الأطفال. الريف يأخذ حقه من الرعاية. ضمان اجتماعي وصحي للمواطنين.

فاضل السباعي: الـ«سوشيال ميديا» زادت لغتي كثافةً
لا يزال يكتب على مشارف التسعين عاماً وفي جعبته حكايات لم يروها
ماري إسكندر عيسى

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية