طرف الجبل الجليدي فقط

حجم الخط
0

يتبين ان السلطات في الضفة وفي غزة تعتقل صحافيين ونشطاء يعربون عن انتقاداتهم لها وتنكل بهم.
فما الجديد إذن؟ الجديد هو ان هذه الجملة لم يقلها ديماغوجي يميني بائس ما، بل نشر اول أمس في تقرير منظمة حقوق الانسان Human Rights Watch ـ المنظمة التي تسارع بشكل عام إلى ان تنتقد فقط خرق حقوق الانسان للفلسطينيين من جانب الجيش الإسرائيلي، حسب الموضة، بينما ركزت هذه المرة فقط على خرق حقوق الانسان للفلسطينيين في داخلهم، بشكل ليس له أي صلة بإسرائيل. لماذا الان بالذات؟ لأن الحديث يدور عن خرق فظ للالتزامات التي أخذتها على نفسها السلطة الفلسطينية مؤخرا، حين اقرت مواثيق دولية تحمي، ضمن امور اخرى، حرية التعبير. إذن يوجد هنا مع ذلك جديد معين.
الجديد هو أن منظمة حقوق الانسان هذه تتوقع من القيادة الفلسطينية بعضا من المسؤولية والثبات. انتم تعلنون كل الوقت بأنكم تريدون أن تكونوا جزءا من الأسرة الدولية المتنورة؟ جميل جدا، ولكن في جانب هذا الحق يوجد ايضا بضع واجبات.
ظاهرا، تغيير النهج هو أنباء سيئة لليسار وانباء طيبة لليمين، ولكن عند التفكير بسياق الطريق، ليس مؤكدا ان هذا كان حقا. فاليمين على أي حال يبتسم برضى، لأن هذا بالضبط ما قاله كل الوقت في ضوء وابل الادعاءات: ماذا تريدون منا، انظروا إلى الفلسطينيين أنفسهم. ولكن هذه وردة وفي شوكة ـ ففي اللحظة التي يكون فيها ضغط دولي على الطرفين للوصول إلى تسوية، ستجد إسرائيل صعوبة في مواصلة التملص. صحيح أن هذا حلم ينظر اليه، ولكن إذا كانت مطالب كثيرة من الطرف الاخر، ففي موعد ما ايضا ستضطر إسرائيل لأن تقدم التنازلات والمساومات.
وماذا بالنسبة لليسار؟ ظاهرا يتعارض التقرير مع الاجندة التي تبنتها أبواق اليسار في السنوات الأخيرة. اما عمليا فمع أن الاجندة ثابتة إلا انها لم تحقق أي نتائج. فكلما كان الضغط على إسرائيل اكثر حدة، هكذا ضاعت الصلة بين الاجندة المتصلبة والواقع. فقلق اليسار على حقوق الانسان للفلسطينيين وتطلعهم لإنهاء الاحتلال هما هدفان طيبان. ولكن من أجل ممارسة الضغط الشديد على إسرائيل كي تعمل على التسوية، انطلاقا من الافتراض بأنها هي المسؤولة الوحيدة، هجر اليسار مع الزمن الحقيقة.
والحقيقة هي أن القيادة الفلسطينية، بما في ذلك «م.ت.ف» «المعتدلة»، وحشية. فالتجاهل لتعفنها لم يحسن للتقدم نحو أي تسوية كما لم يحسن لوضع الفلسطينيين. فقد أحسن فقط للتلاعب الفاسد ـ حيث اتاح للقيادة الفلسطينية بأن تتملص المرة تلو الاخرى من التسوية مع إسرائيل وان تسكت المظالم اليومية التي تنزلها هي نفسها على الجمهور الفلسطيني.
هل يدور الحديث عن بداية ميل يضع حدا للازدواجية الاخلاقية المتطرفة لدى القيادة الفلسطينية؟ علينا جميعنا أن نأمل بذلك، يمينيين ويساريين على حد سواء: طالما يوجد تجاهل لهذه الازدواجية، فإننا نبقي فقط النزاع، واحدا لا يحقق هدفه حقا.
حسب التقرير، تعمل الحكومتان الفلسطينيتان على انفراد، ولكنهما تبنتا اساليب مشابهة من الاضطهاد، التخويف والتنكيل الجسدي بمن يتجرأ على انتقادهما. في غزة يعتقلون صحافيا نشر صورة امرأة تنقب في القمامة عن غذاء لها، وكلنا نعرف بأن هذا هو فقط مجرد طرف الجبل الجليدي. ولكن فجأة ثار مطلب منطقي جدا: الفلسطينيون قاتلوا كي يتلقوا الحماية التي تعطى للأعضاء في الاسرة الدولية، وعلى قيادتهم ان تأخذ هذه الالتزامات على محمل الجد. طوبى للمؤمنين.

معاريف 1/9/2016

طرف الجبل الجليدي فقط
تعمل الحكومتان الفلسطينيتان على انفراد ولكنهما تبنتا أساليب مشابهة من الاضطهاد لمعارضيهما
ليلاخ سيغان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية