بعد اعلان الاستقلال الإسرائيلي بعشرة أيام، في 24 أيار 1948، قال دافيد بن غوريون في جلسة «الهاغاناة»: «يجب تدمير مدينتي الرملة واللد على الفور… ويجب تنظيم كتيبة الياهو وتوجيهها ضد جنين من اجل غور الاردن… يجب تقديم التعزيزات لـ متلف الذي مهمته احتلال جنوب لبنان من خلال قصف مدينة صور ومدينة صيدا ومدينة بيروت… يجب تكليف يغئال ألون بقصف سوريا من الشرق ومن الشمال… يجب انشاء دولة مسيحية يكون الليطاني حدودها الجنوبية، ونقوم بعقد تحالف معها. وعندما نهزم الجيوش العربية ونقوم بقصف عمان، نقوم ايضا بتصفية الضفة الاخرى من النهر وعندها ستسقط سوريا. واذا تجرأت مصر على الحرب، سنقوم بقصف بور سعيد والاسكندرية والقاهرة».
نعم، هذا هو بن غوريون، وليس نابليون بونابارت. الذي وعد بـ «هكذا سننهي الحرب، ونصفي حساب أجدادنا مع مصر ومع آشور وآرام».
إن قسما من هذه الوعود قد تحقق بعد مدة. ففي عملية «حوريف» في كانون الاول 1948 احتلت إسرائيل اراضي مصرية وانسحبت فقط بعد تدخل سلاح الجو البريطاني. وفي عام 1967 كانت إسرائيل، كما هو معروف، في خطر وجودي. ولكن بعد ستة ايام اتسعت أراضيها بثلاثة اضعاف.
لماذا تبدو الأمور بشكل مختلف؟ حاييم مرغليوت كلافسكي، الذي هو شخصية مركزية في الحركة الصهيونية، كتب في سنة 1937: «تبين أننا مددنا يدنا للسلام، لكنها عادت إلينا، حيث أعلن الطرف الثاني عن رغبته في أخذها.
هذه اللعبة الخطيرة لا تساعد في رفع مستوى احترامنا في نظرهم على اعتبار أننا أناس نزيهون. والتهمة التي يتهموننا بها حينما نقوم باستخدام سياسة الوجهين، حيث إننا من جهة نتظاهر بأننا نريد الاتفاق، ومن الجهة الاخرى نريد كسب الوقت، وهذا ليس بعيدا عن الواقع» (هذه الاقوال جاءت في كتاب اهارون كوهين «إسرائيل والعالم العربي» من سنة 1964).
هذه هي الصهيونية لمن يشاهد من الجانب. واذا كان طموح الصهيونية هو اقامة بيت قومي لليهود، كان يمكن فعل ذلك مع أقل ضرر للفلسطينيين. ولكن الزعماء الأكثر نجاعة في الحركة الصهيونية فكروا بمفاهيم الامبراطوريات.
لقد حان الوقت لحساب النفس بشجاعة. فإذا كانت الصهيونية هي حركة قومية للتحرر، فقد تم تحقيق التحرر ولا يمكن الاستمرار في التحرير إلى الأبد. واذا كانت الصهيونية هي من اجل انقاذ الارض، فلم يعد للعرب مكان لمقبرة. واذا كانت الصهيونية هي حركة من اجل تجميع الشتات، فإنه من اجل الاستمرار بهذا المشروع يجب اقامة مشروع تهويد دولي.
الصهيونية وصلت إلى نهاية طريقها، في داخل إسرائيل وفي المنطقة ايضا. لا يمكن الاستمرار في التصرف بالعقلية الكولونيالية نحو المواطنين العرب في الدولة، ومصادرة دونم هنا ودونم هناك منهم. لقد أفلست الصهيونية في المنطقة ايضا. فمن حولنا تحدث حرب يأجوج ومأجوج ولا أحد هناك ينظر إلى دولة اليهود ولا حتى بنظرة كراهية واحدة. وفي الوقت الذي ستتحقق فيه جميع نبوءات الغضب ـ صعود الحركات الاصولية والفوضى في المنطقة ـ لا أحد هنا يفكر في إسرائيل. أو في حيفا أو يافا. وبنيامين نتنياهو فقط هو الذي يُذكر الفلسطينيين بـ «ماذا عن يافا؟».
بشار الأسد الذي يوجد من وراء الحدود لا يقوم باقحام إسرائيل في الحرب التي تحدث في بلاده. والقوات التي تقاتل ضده تتحدث عن إسرائيل. وداعش في سيناء يعمل ضد القوات المصرية وهو لا يُظهر اهتمامه بإسرائيل. في الحقيقة هذا عالم عربي وقح، يلعب وحده ولا يريد اشراك إسرائيل رغم أنها تستعد لذلك منذ جيل.
إن للصهيونية سمعة سيئة لدى العرب، ليس لأنها تؤيد اقامة البيت القومي لليهود، بل لأن «البيت القومي» هو الذريعة لتنفيذ خطط اقليمية اخرى. وبين هذا وذاك، البيت القومي لا يعني أي شيء.
قوموا بفحص هذا الامر بشكل شجاع.
هآرتس 1/9/2016