هناك ارتباك واضح في الاستراتيجيات الانتخابية للفاعلين ونحن على بعد بضعة أسابيع من انطلاق الحملة الانتخابية برسم الانتخابات التشريعية القادمة، وهناك اختلاف كبير في تقدير الأوزان النسبية للفاعلين وللتوقعات المنتظرة للنتائج.
يتعلق الأمر بتناقض واضح بين زعيمين سياسيين ينتميان لنفس الحزب.. قال محمد اليازغي الكاتب الأول الأسبق لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية قبل أيام: «إن حزب العدالة والتنمية سيفوز بالانتخابات القادمة وربما بالانتخابات التي تليها مرات ومرات، وذلك لأن استراتيجية عبد الإله بنكيران واضحة والتي يستفيد منها حزبه..».
جاء ذلك في سياق شهادة تقدم بها اليازغي خلال ندوة نظمتها الجمعية المغربية للعلوم السياسية ومنتدى المواطنة والمجلة المغربية للسياسات العمومية بكلية الحقوق بالرباط، شارك فيها كل من القادة التاريخيين للأحزاب السياسية وعدد من الباحثين في مجال علم السياسة. لكن قبل يومين خرج الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي الحالي إدريس لشكر في ندوة صحافية ليقول بأن حزبه سيحتل الرتبة الأولى في الانتخابات القادمة!!
حسب العديد من المراقبين، فإن المعطيات السياسية والمؤشرات الانتخابية لا تعطي للاتحاد الاشتراكي أي إمكانية للفوز بالانتخابات وذلك لعدة أسباب، منها ما هو ذاتي ومنها ما هو موضوعي، لكن أبرزها مرتبط بالانزياح الذي قام به عن خط النضال الديمقراطي واقترابه الكبير مع حزب الأصالة والمعاصرة المعروف بنشأته غير الطبيعية باعتباره تجسيدا بارزا لمنظومة التحكم في البلاد.
المكان الطبيعي للاتحاد هو إلى جانب القوى السياسية المناضلة من أجل الديمقراطية وبناء دولة القانون، ورغم بعض الاختيارات «المغامرة» للاتحاد في مراحل سابقة، فإن الحزب اصطف إلى جانب قوى التغيير الديمقراطي السلمي في البلاد..
في سنة 2008 حينما تم الإعلان عن تأسيس غير طبيعي لحزب الأصالة والمعاصرة، نحت حزب الاتحاد الاشتراكي مفهوم «الوافد الجديد»، وعبر عن رفضه للطريقة التي تم بها تأسيس هذا الحزب، مطالبا بجبهة وطنية لإنقاذ الديمقراطية في البلد..
أتذكر أن إدريس لشكر، عضو المكتب السياسي آنذاك، كان من المتحمسين لهذا الشعار وخاض حملة التنسيق مع قيادة العدالة والتنمية لبناء تحالفات محلية في عدد من المدن بعد الانتخابات الجماعية، التي عرفت حصول حزب الأصالة والمعاصرة على الرتبة الأولى بعد بضعة شهور من تأسيسه !
أثمرت هذه التحركات والمرونة الكبيرة، التي تعاملت بها قيادة العدالة والتنمية، بناء عدد من مكاتب المجالس الجماعية انعكست بشكل إيجابي على الحزبين..
أتذكر حينها أن بعض الشخصيات الاتحادية كانت تحذر قيادات العدالة والتنمية من المبالغة في الوثوق بهذا الشخص، وكانت تعتبر بأن تقاربه مع العدالة والتنمية هو بهدف تعزيز موقعه التفاوضي والابتزازي وبحثه المستمر عن لقب وزير بأي ثمن، حتى ولو كان بوساطة من رموز «الوافد الجديد» في زمن التحكم..
بداية الأزمة الحالية داخل الاتحاد ابتدأت بعد الطريقة التي دخل بها إدريس لشكر إلى الحكومة السابقة، مقابل التحول الجذري في استراتيجية بناء التحالف مع العدالة والتنمية، وتعمقت هذه الأزمة مع قرار رفض الحزب الدخول في حكومة الأستاذ عبد الإله بنكيران، طبعا هذا قرار سيادي للحزب، لكن هناك اختلافا كبيرا بين قرار المعارضة، الذي كان يدافع عنه بعض الاتحاديين من منطلقات ديمقراطية، وبين المعارضة كما قام بتصريفها إدريس لشكر فيما بعد..
لكن انفجار الأزمة ظهر في المؤتمر الوطني الأخير بعدما أكدت عدة مصادر من داخل الاتحاد وجود تأثير في استقلالية قرار المؤتمرين، ووجود توجيه لصالح الكاتب الأول الحالي..
وهنا لم تعد أزمة الاتحاد ذات طبيعة سياسية فقط، ولكن أصبحت أزمة ثقة وأزمة سلوكيات أخلاقية..
الدفاع عن استقلالية القرار الحزبي لدى عدد من الاتحاديين المختلفين مع القيادة الحالية لم يكن يعني الاتفاق بالضرورة مع العدالة والتنمية، بل كان يعني ممارسة معارضة حقيقية تشتغل على تقييم السياسات، معارضة منخرطة في مسار البناء الديمقراطي ولا تعمل على إضعاف الحكومة لفائدة التحكم..
للأسف خسر الاتحاد الكثير من لياقته الفكرية والسياسية، وأصبحت خياراته محدودة، وبات موقعه الانتخابي مرتهنا بمنظومة التحكم وهو ما دفع عددا من قياديّيه ومثقفيه للترويج لاستحالة العمل في إطار النهج السياسي الحالي للاتحاد، وبدأت بعض قياداته تُجاهر بأن النسخة الحالية للاتحاد أصبحت مرفوضة شعبيا ومجتمعيا..
شخصيا، أعتقد بأن هذا التصدع ليس في صالح الديمقراطية التي تحتاج إلى أحزاب قوية تتمتع بالاستقلالية اللازمة..
الاتحاد مطالب بوقفة جدية مع ذاته لتقييم أدائه السياسي واتخاذ ما يلزم من مراجعات وعلى رأسها فك الارتباط مع التحكم والعودة إلى الصف الوطني الديمقراطي كما أعن عن ذلك حزب الاستقلال بكل شجاعة.
٭ كاتب من المغرب
د. عبد العلي حامي الدين