في داريا «جداريات» لن تموت

حجم الخط
0

إدلب – أحمد ظاظا : كان كلما هدأ قصف الطيران الحربي على مدينة داريا، قبل تركها فارغة للنظام وشبيحته، يهرع أبو مالك مسرعاً وسط ركام مدينته المدمرة. حاملاً علب الألوان وبعضاً من الرسومات، غير مبالٍ باحتمال عودة مفاجئة بأي برميل مباغت أو حتى قذيفة عشوائية. يمزج الألوان بكامل حواسه، ثم يحررها على أحد الجدران المهدمة، حتى يروي للعالم أجمع حكاية طفلٍ يتيم، أو والدٍ مفجوع، عبر لوحة فنية أشبه بالخيال.
يصبحُ الرسم أشبه بالجنون، في حضرة الموت والحصار الذي فرضته يومها، قوات النظام السوري على داريا منذ أكثر من أربعة أعوام. حزين هو أبو مالك، لكنه يعرف أنه ترك أثراً في مكانه المفضل في العالم أجمع. بقعة خرج منها باكياً. يقول إن البداية كانت حين اقترح عليه مجد وهو أحد العاملين في المركز الإعلامي، فكرة الرسم على الجدران «فشرعنا بالرسم بهدف زرع الأمل والتأكيد على استمرار الحياة، وبعد فترة قصيرة قررنا نقل معاناتنا للعالم أجمع من خلال رسوماتنا. تشاركنا حبَّ الرسم سوياً، إلى أن فجعني بفراقه وفقدانه لحياته منذ خمسة أشهر، وذلك خلال قيامه بتصوير إحدى الدبابات التابعة للنظام».
أصرُّ أبو مالك ابن الخمسة والعشرين عاماً على إكمال ما بدأ به، وحيداً ومن دون شركاء. شرع برسم اللوحة في المنزل على ورق، وحدد الوقت اللازم لإنجازها في الخارج، ثم انطلق في رحلة جديدة ليؤكد على أن ثمة بشراً ما زالوا يحلمون ويتحدون الموت، ينثر ألوانه على جدران داريا كي تبوح بالأمل والألم معاً، معبرة عن مأساة ثمانية آلاف مدني حُرموا، في حصارهم يومها من أبسط مقومات الحياة تحت رحمة حصار جائر، وأكثر من ثلاثة آلاف طفل باتوا في طي النسيان.
يؤكد ابو مالك، الذي يستذكر ايام الحصار القاسية، أنه لم يسبق له أن تعلم الرسم، «هوايتي المحببة وأردت أن أمارسها في المكان الذي أحب، الأدوات التي أستخدمتها بسيطة للغاية وأحياناً كنت أعاني من شحٍّ في المواد، لكن بعض شبان المدينة من الإعلاميين كانوا يساعدوني على تأمينها من محال الدهان التي هجرها مالكوها إلى مناطق أخرى، ثم نقوم بإرسال ثمنها لهم حيث يتواجدون».
ما بين عشق داريا والولع بالرسم، اختزلَ أبو مالك حياته، ففي أحيان كثيرة، وبعد أن كان ينتهي من الرباط على الجبهة، يتجه مسرعاً للرسم على أنقاض المدينة، التي رحل عنها مكسوراً. يستذكرُ بحسرةٍ أوقاتاً لا تُنسى كان قد أمضاها برفقة صديقه مجد، وحتى يخلّد ذكراه في داريا التي توقف كل شيء فيها إلا الموت والرسم، واليوم باتت انقاضاً مدمرة، قررَ ابتداعَ لوحة فنية أخرى، عبّرت عن ألم المدينة عقب فقدانها فرداً آخراً من أبنائها الذين صمدوا فيها حتى آخر رمق كانت اللوحة تحكي عن قمرٍ يبكي فوق حطام المدينة التي ودعت واحداً من أبنائها الطيبين.
في رحلة تشبثهم بالحياة، وجدُ بعض أهالي داريا في الـ»غرافيتي» مهرباً من واقعهم المأساوي، وإن كان ذلك للحظاتٍ فقط، فطابع السخرية الذي يغلب على بعض اللوحات، يستحضر ابتسامة طالما غابت عن وجوههم المتعبة، وهو ما يشيرُ إليه، أيهم أحدُ شبان المدينة الإعلاميين، مشيراً إلى ان «رسائل الرسومات كانت من أجل نقل معاناة الأهالي، والتذكير بقضايا المعتقلين والأطفال، وتعدتها إلى محاولة إدخال ولو قليل من التفاؤل إلى قلوبهم. كثيراً ما تنسيني قوةُ الألوان رماديةَ المشهد الحاصل في المدينة وأنا أسيرُ بين الأنقاض، وعندما أقرأ عبارة ساخرة على إحداها، فإنها تحلّق بي ثوانٍ قليلة بعيداً عن شبح الجوع الذي يخيّمُ علينا».
لم تسلم جدران داريا من قصف الطيران الحربي التابع للنظام السوري، لذا وفي كل مرة تسنح فيها الفرصة لأبو مالك، كان يعاود رسمها من جديد، رغم تعرضه للإصابة في كتفه و صدره أواخر العام الفائت، ما جعله يتنفس من معدته حتى اليوم، دون أن يمنعه ذلك من التصميم على خلق المستقبل من قلب الدمار، مشيراً إلى أن ما شهدته المدينة من قصف عنيف بالبراميل المتفجرة ومحاولات اقتحام عدة، يحولُ بينه وبين الرسم على الجدران في أحيان كثيرة.
غادر ابو مالك مدينته، مخلفاً وراءه وجوهاً والواناً لن يستطيع اي شبيح ان يزيل قوة اصرار اهلها وروحها الثائرة، فهي وان كانت مجرد رسوم، الا أنها وثقت نضال شعب اسمه أهالي داريا «الأبطال».

في داريا «جداريات» لن تموت

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية