في حقب متباينة متباعدة أو متقاربة قبل الإسلام – إحدى تلك الحقب يُرجح مثلاً احتمال وقوعها بين القرنين الخامس والسادس أو بداية السابع، الميلاديين إقتتل العرب في ما بينهم وكانوا قبائل من المشركين والنصارى واليهود. وكم تسلت قوى الكون قرونئذٍ (كما يحدث اليوم وما أشبه الليلة بالبارحة، وربما أن التاريخ يعيد نفسه في صور مختلفة) بتناحر العرب كما يوصفون ‘بالأغبياء’، على بئر ماء أو على جمال سائبة، كما كانت – على سبيل المثال لا الحصر – حربا ‘البسوس’ و’داحس والغبراء’ (ويجادل آخرون بأنه لم يكن غباءً، وإنما طبيعة الصراعات من أجل البقاء كانت تتخذ في الغالب ذلك المنحى، وأن في التاريخ الأوروبي والأمريكي وغيره صراعات أشد من تلك، ولأسباب أتفه من تلك).
وبعد الإسلام (قبل أن يقتتل العرب بزمن طويل سنَّة وشيعة في لبنان في أتون الحرب الأهلية المجنونة، بدءاً من 1975، وقبل أن يقتتلوا الآن سنة وشيعة ومنذ اكثر من سنتين في سورية، وقبل أن يقتتل الســـنة مع السنة إبان غزو العراق صدام حسين السني للكويت ذات الأغلبية السنية، وغيرها من اقتتال سني – سني مثــــَّله الفلسطينيون في البقاع اللبناني بداية الثمانينات، وفي غزة ،2005 ومثَّله اللبنانيون أثناء الحرب الأهلية، واقتتالات شيعــية شيعية أو سنية شيعية أو سنية سنية، أمثلتها تكاد تغطي الجغرافية العربية كلها).
اقتتل العرب في مواقع ‘الجمل و’صفين’ و’كربلاء’ تقريبا بعد منتصف القرن السابع للميلاد بقليل، وبعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بزهاء أربعة عقود – طويلاً قبل أن يتبلور المذهب الشيعي، وإلى حد ما جزء من مذهب أهل السنة والجماعة، في إطاريهما السياسيين الأيديولوجيين، أو حتى في الإطار الديني.
اختلف المؤرخون ومنهم الدكتور حسين مؤنس، وهو مفكر ومؤرخ مصري سني معاصر معني بدراسة المد الشيعي، حول من كان مع هذا الفريق العربي ومن كان مع ذاك الفريق العربي في تلك المعارك. منهم من قال إن ‘الزرادشتيين’، وهم على الأغلب مجوس فرس كان مع الفــــريق الذي سيصبح في ما بعد شيعيا مسيسا، وكان مع هذا الفريق أجناس أخرى عربية وغير عربية كذلك، مثل (الخوارج)، وكما سيتبين لاحقا هم أيضا بينهم زرادشتيون. والزرادشتية عقيدة مجوسية ـ فارسية، كما سبقت الإشارة، كان أتباعها يغارون من دعوة الإسلام لأنها تدعو إلى التوحيد، وهم كانوا يقولون إن عقيدتهم هي أول ديانة دعت إلى التوحيد، وهذا أحد أهم العوامل التي جعلتهم يشاركون ‘الخوارج العرب’ تمردهم على الإسلام.
الجدير بالذكر هنا أن الديانة الزرادشتية نسبة لمؤسسها زرادشت ديانة قديمة، تعتبر أقدم الديانات التوحيدية المعروفة في العالم، تأسست منذ أكثر من 3000 سنة، في ما يعرف اليوم بدولة إيران على تعاليم زرادشت، ويعتقد معتنقوها بوجود إله واحد أزلي هو ‘أهورا مزدا’ بمعنى ‘الاله الحكيم’ وهو خالق الكون ويمثل الخير ولا يأتي منه الشر أبدا، ويعتقد الزرادشتيون كذلك أن زرادشت نبي الله، إضافة إلى ذلك هناك عدة مساعدين للاله ‘أهورا مزدا’ وعددهم ستة مساعدين، ويعرفون بـ (أميشا سبنتاس) بمعنى ‘الخالدين المقدسين’. هذه الديانة لم تنقرض بل لا تزال موجودة بأقليات صغيرة حتى الآن في إيران وغيرها من الدول العربية والإسلامية، مثل باكستان. وثمة من يفترض أن كثيراً من اعتقادات الشيعة اليوم بمختلف أطيافهم العلوية والنصيرية والقرمطية (نسبة إلى حسين قرمط في القرن الحادي عشر الميلادي ومن المؤرخين من ينسب شيعة القطيف السعوديين إليه) وغيرها تدين في جذورها وممارساتها الحالية (للزرادشتية)، وهذا ربما ما يفسر اختلافاتها الكثيرة مع أهل السنة والجماعة، من حيث العبادة وموقفها العدائي المفترض (على الأقل) من أهل السنة والجماعة، والاضطهاد الشيعي الإيراني للسنة في داخل إيران والتضييق على بناء مساجد لهم على طريقة أهل السنة والجماعة مثلاً. ونشير هنا الى أن العلامة المرجع الشيعي الأعلى محمد حسين فضل الله يرحمه الله، الذي يتمتع باحترام السنة قد انتقد كثيراً من ممارسات وسلوكيات الشيعة.
المعروف بداهةً أنه حتى وفاة رسول الله محمد (صلى الله عليه وسلم) كان جميع المسلمين سنة على طريقة أهل السنة والجماعة، التي أسسها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مع استثناءٍ بسيط على وجه الاحتمال وهم الخوارج، الذين لم تتحدد ملامح عقيدتهم إلا في أيام الخلافة الراشدة وفي بدايتها، أي في خلافة أبي بكر (رضي الله عنه) وهم من قبائل عربية شتى. ومن المؤرخين من قال بوجود زرادشتيين بينهم، وأنهم هم المحرضون الأساسيون، إلا أن بوادر الخوارج الأولى بدأت ربما عندما طعن (عبدالله ذوالخويصرة التميمي) بقسمة رسول الله ‘صلى الله عليه وسلم’ بقوله وبئس القول : ‘هذه قِسمة ما أُريد بها وجه الله’. وقال أيضاً: ‘إعدل يا رسول الله’ فرد عليه الرسول (صلى الله عليه وعلى آله وسلم ) ‘ويلك، إن لم أعدل فمن يعدل؟’.
ثمّ قال فيه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : ‘يخرج من ضئضئ هذا (أي عبدالله ذوالخويصرة التميمي) قومٌ تحقِّرون صلاتكم إلى صلاتهم وصيامكم إلى صيامهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية… ( أنظر كامل القصّة في البخاري ومسلم).
إذن يُرجح أن (الزرادشتيين) دقوا إسفينا بين المسلمين الذين كانوا جميــــعا على طريقة أهل السنة والجماعة وخلقوا ظاهرة (الخوارج) وجلهم من قبائل العرب ونتيجة لذلك ربما نشأ المذهب الشيعي لضرب وحدة الإسلام والانتقام من أهل السنة والجماعة لدعوتها للتوحيد، وهم رأوا في ذلك تهديدا لديانتهم التي يعتقدون أنها الأقدم في الدعوة إلى التوحيد.
‘ أستاذ جامعي وكاتب قطري