باريس ـ «القدس العربي»: الأمريكي فنسنت كرابانزانو أستاذ بارز عالمياً في ميدان الأنثروبولوجيا الثقافية والأدب المقارن، وصاحب مقام رفيع في ميدانه. وأعماله المنشورة ليست دراسات ميدانية بالغة العمق وهامة الخلاصات، فحسب؛ بل هي، في كلّ عمل تقريباً، بمثابة بوّابة لسجالات بنّاءة، وفاتحة نقاشات واسعة، حول الكثير من المســائل الإشـكالية في هذا الحقل.
في كتابه الممتاز «خدمة الكلمة: النزعة الحَرْفية في أمريكا، من منبر الوعظ إلى منصّة القضاء»، الذي كان قد صدر سنة 2011، واستُقبل بعواصف متلاطمة صاخبة، غاضبة أو راضية أو مندهشة؛ ناقش طرائق، وكذلك مؤسسات وعواقب، التأويل الديني لموادّ الدستور الأمريكي. «هذه الأمّة تحمل التوراة بيد، والدستور بيد أخرى» يساجل كرابانزانو؛ وحين تطبّق حرفياً موادّ القانون الذي وضعه البشر (الدستور)، فإنها إنما تفعل ذلك ضمن حال من الخضوع المذهل للنصّ الذي ينتسب إلى المقدّس (التوراة)، من جهة أولى؛ وللتأويل الميتافيزيقي لمعظم الظواهر الدنيوية، من جهة ثانية. وهكذا فإنّ منبر الوعظ يمكن أن يغادر الكنيسة لكي يستقرّ على منصّة القاضي في المحكمة، وليس غريباً أن يقول أحد قضاة المحكمة العليا (أي تلك التي لا يعلو على رأيها رأي قانوني أو تشريعي) إنّ موادّ الدستور الأمريكي هي «إلهام من الربّ»!. وليس غريباً، استطراداً، أن يتصدّر رجل مثل دونالد ترامب لائحة مرشحي الرئاسة عن الحزب الجمهوري.
قبلئذ، كان كرابانزانو قد أثار ضجّة في صفّ الأنثروبولوجيا البنيوية حين أصدر «الحمادشة: دراسة في طبّ النفس الإثني في المغرب»، 1973؛ و«تهامي: صورة مغربيّ»، 1980. كما أثار ضجّة أخرى في مناهج التحليل الأنثروبولوجي لنظام الفصل العنصري، الأبارتيد، في كتابه «انتظار: البيض في جنوب أفريقيا»، 1985؛ وأعقبه بـ«الحركيون: الجرح الذي لا يندمل»، 2011، الذي تناول الركائز الأنثروبولوجية للمواطنين الجزائريين الذين اختاروا الوقوف إلى جانب الاستعمار الفرنسي، ضدّ استقلال الجزائر.
في كتابه الأخير، «استخلاصات»، يروي كرابانزانو سيرة ذاتية وفكرية معاً، ويتوقف عند سلسلة محطات فارقة في حياته، ذات صلة بالأماكن والأزمنة والجامعات والبحوث الميدانية والمعارك الفكرية؛ والنجاحات والإخفاقات في غمرة هذه المسيرة، التي بدأت منذ ولادته في نيويورك سنة 1939، وتواصلت على امتداد أربعة عقود من العمل والتدريس والاستقصاء في ميدان الأنثرولولوجيا والأدب المقارن. ومنذ مقدّمة الكتاب، يقرّ بأننا «لا نعرف أنفسنا إلا من خلال أعين الآخر ـ وصوته، ورائحته، وملمسه. إننا، على الفور وعلى نحو لا مفرّ منه، متورطون مع الآخر. ولكنّ السؤال هو كيف نعرف ما يراه الآخر فينا؟».
والحال أنه يكفي القفز من المقدّمة إلى لائحة المراجع في صفحات الكتاب الأخيرة، لكي يدرك القارئ طبيعة التربية الفكرية والأدبية والمنهجية التي قادت كرابانزانو إلى خياراته: من القديس أوغسطين وهيغل ونيتشه وإميل دوركهايم وسيغموند فرويد ومارتن هيدغر وجاك لاكان وميشيل فوكو، إلى رولان بارت وميشيل بوتور وموريس بلانشو، دون إغفال جين أوستن وناثنييل هوثورن وشارل بودلير وراينر ماريا ريلكه وتوماس مان وأندريه جيد وت. س. إليوت.
ولسوف يمرّ هؤلاء، وسواهم كثيرون، خلال المفاصل الكبرى التي مرّت في حياة المؤلف: طفولته، في مستشفى أمراض عقلية، حيث كان والده يعمل؛ وفاة والده المبكرة، داخل المستشفى؛ دراسته في سويسرا ثمّ هارفارد، خلال الستينيات؛ قصص الحبّ، والدراسة، والترحال، والأبحاث الميدانية. والتفاصيل في هذا كلّه ليست أقلّ من سجلّ حافل بالشك العميق في الظواهر، وتفادي اليقين المتسرع، والانفتاح على الأنثروبولوجيا الثقافية للآخر (المغرب، قبائل الهنود الحمر، السود في أفريقيا الجنوبية…).
ومن حيث الصفة الأسلوبية لهذه السيرة، لا يخفي كرابانزانو أنه، مثل كلّ كتّاب المذكرات، بحث عن «الصورة الأكبر»، أي التنقيب عن سبب وجودي يسبغ المعنى على أطوار الحياة وفصولها. وهو في هذا لا يُلزم نفسه بإطار زمني دقيق، أو حتى متعاقب أو متسلسل؛ بقدر ما يستدعي الوقائع كيفما اتفق أنها تراوده، أو على الأقلّ من خلال انسيابها داخل هذه الحكاية أو تلك. وهو حريص، بشكل خاص، على ربط أمكنة الماضي بحاضرها عنده، أو حيثما توجّب أن تضيء السياقات أكثر؛ ومن هنا فإنّ أسلوبه يقترب، كثيراً أحياناً، من السرد المفتوح والطليق، المتحرر من أية ضرورات ذات صلة بخلفيات ما يسرد.
وإذْ يقرّ بأن استعادة الذكريات، خاصة من منظورات ذاتية، بعضها رومانتيكي محض، قد تشذّ بالسرد إلى زوايا أخرى لا تندرج تماماً في مخطط العمل؛ فإنّ كرابانزانو لا يتردد، مع ذلك، في الإقبال على حالات الشذوذ السردي تلك، بل لعله يتلذذ بالإغراق فيها أحياناً. والأرجح أنّ القارىء، خاصة ذاك الذي لا يمتلك معرفة كافية بالأنثروبولوجيا، سوف يستطيب هذا الخيار، وقد يرى فيه تعويضاً عن ميل المؤلف إلى استخدام مفاهيم ومصطلحات أكاديمية تُثقل على سيولة القراءة لدى غير المختصين.
والحال أنّ بعض عناوين فصول الكتاب (على سبيل المثال: «ذبح الأرنب»، «معرفة ما لا تعرفه»، «متى سألت نفسي مَن أكون لأول مرة؟»، «شعائر العبور، شعائر العودة»، «اشتغال النوستالجيا»، «صدى عالم يردد الصدى»…)؛ تذكّر كثيراً بكتاب كرابانزانو الطليعي «معضلة هرميس ورغبة هاملت: حول إبستمولوجيا التأويل»، 1993. هنا محاولة لتعريف النفس البشرية في إفصاحها الفردي والجَمْعي، والتساؤل ـ بأدوات نقدية صارمة، وغير مألوفة في الواقع ـ عن التالي: كيف تقوم العلوم الإنسانية، ولا سيما الأنثروبولوجيا والتحليل النفسي، بانتقاء حقول دراستها على نحو يرسّخ المعضلة أكثر من الاشتغال على حلّها، مما يصنع حالة من «العمى الثقافي» بدل شقّ أقنية التلاقي والتفاعل بين الحقول والثقافات؟
كتابه الهامّ، الأسبق، كان «معضلة هرمس ورغبة هاملت: حول إبستمولوجيا التأويل»، 1993؛ وحاول فيه تعريف النفس في إفصاحها الفردي والجَمْعي لكي يسائل، بأدوات نقدية صارمة، كيفية لجوء العلوم الإنسانية ـ الأنثروبولوجيا والتحليل النفسي، خاصة ـ إلى انتقاء حقول دراستها على نحو يرسخ المعضلة أكثر من الاشتغال على حلها، ويصنع حالة من «العمى الثقافي» بدل شقّ أقنية التلاقي والتفاعل بين الحقول والثقافات.
موضوعاته لهذه التعرية، النقدية الشجاعة، واسعة ومركبة: الكرنفال الروماني، صراع الديكة في جزيرة بالي، الختان، الحلم، سكنى الأرواح في المغرب، التعميم في التحليل النفسي، تنميط «أليس في بلاد العجائب»، تنميط شخصية إيما قياساً على طبائعها في رواية جين أوستن، طُرُز إعادة تمثيل هرمس (مبعوث الآلهة المكلف بتضليل البشر وقيادتهم إلى مملكة هيدز في العالم السفلي، وراعي اللصوص…) في النصّ الإبداعي المعاصر، والمثال الدلالي وراء قيام هاملت بتقديم إلزينور كبقعة مكاني محدودة هي في الآن ذاته التمثيل الأقصى على عفونة الدانمرك… وسوى ذلك من الموضوعات التي مكّنت كرابانزانو من بلوغ مقاربة نقدية مترابطة للأواليات الداخلية (والحفية، في نماذج عديدة) لطغيان التأويل في العلوم الإنسانية والدراسات الأدبية.
وفي العموم فإنّ مقاربة كرابانازانو للنفس البشرية تظلّ جدلية، وهو معني بالتحولات التي يتطور بموجبها الوعي الذاتي والممارسات الخطابية الكفيلة بالإفصاع عن مجاهيل تلك النفس، في مستويات تخصّ القوى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي «تجوهر» النفس. وهو يقترح لسانيات إيديولوجية مقابل «لسانيات الماوراء»، أو «الميتا ـ لسانيات»، ويبحث عن الحامل المركزي للثقافة والتراث والدين والهوية الوطنية، دون أن يقف عند احتمال إعطاء الاولوية للمنطوق أو المكتوب (دريدا وتايلور)، أو الممارسات الدالة الخاصة مثل «الشعر» مقابل «النثر»(ياكبسون، كيتاي، غولدتسيش)؛ وإلا لتوجب الوقوف أيضاً عند تلك الكليشيهات الخالدة القائلة بأن الفرنسية هي لغة الحب، والإيطالية لغة العواطف، والإسبانية لغة الشرف، والألمانية لغة الفلسفة، والروسية لغة الروح…!
وفي البرهة الاستثنائية الفاصلة بين جمود الثورة وصعود أو تأهب القوى المحافظة، تكون أولى واجبات الأنثروبولوجي أن يفاوض ببسالة لكي لا يتهدم السياق؛ فكيف إذا كان يشارك في عملية التهديم… هو ذاته؟