الأدب الجزائري و«أعلاج» العثمانيين

حجم الخط
6

 

الحق أن معظم الكتاب الجزائريين أثناء هذا العهد [العثماني] كانوا يصفون الحكام العثمانيين بأنهم «أتراك» و«أعاجم». ذلك أن هؤلاء الحكام كانوا من خارج الجزائر، وكان أغلبهم لا يتكلم إلا التركية، وكانوا من أصول مختلفة (تركية ويونانية وألبانية وإيطالية الخ). ولذلك كانوا ينعتون أيضاً بـ«الأعلاج». وكانوا في معظم الأحيان جهلة لا يعرفون حتى القراءة والكتابة، كما كانوا مغامرين لا فائدة لهم من الحكم إلا جمع المال والتسلط، ثم إنهم كانوا لا يحكمون الجزائريين بيد من حديد ويسلبونهم أموالهم عن طريق الضرائب والرشى والهدايا ونحوها، بل إنهم تعدوا على حرمات الأوقاف وأموال العجزة واليتامى. وكانوا لا يسمحون للجزائري أن يقترب من النفوذ السياسي. وقد مكنوا طائفة اليهود في الاقتصاد، وكانوا يفضلون الأسيرة المسيحية على المرأة الجزائرية المسلمة، ثم إنهم لا يتكلمون لغة الجزائريين ولا يستعملونها في الإدارة إلا قليلاً، ولا يوظفون الجزائريين إلا في الوظائف الثانوية، ولا يساوون في تطبيق أحكام الشريعة بين المسلم الجزائري والمسلم العثماني، كما كانوا جفاة غلاظاً امتاز عهدهم بالعنف الدموي وقصر فتراتهم في الحكم، وبالفوضى وانتشار الرشوة والظلم والفساد.
وهذا هو الجانب الأسود من العهد العثماني. أما الجانب المضيء منه فهو أن العثمانيين قد أنقذوا بتدخلهم، في بداية القرن العشرين، المغرب الإسلامي من الاحتلال الأجنبي المؤكد. وقد كانوا في ذلك غزاة مجاهدين تحالفوا مع الجزائريين لصد العدوان الصليبي وحماية الثغور وإقامة حكم إسلامي ثابت وقوي ظل طيلة ثلاثة قرون شوكة في حلق العدو وقذى في عينه وصخرة تحطمت عليها كل محاولات الغزو الخارجي. وقد ظل عامل الجهاد هو العامل الموحد الأساسي بينهم وبين الجزائريين. ورغم أن معاملة الجزائريين لهم كانت على أساس الأخوة الإسلامية فإنهم قد جعلوا الحكم (تركياً) وليس (إسلامياً) فلم يشركوا الجزائريين معهم فيه، بل احتكروه لأنفسهم طيلة ذلك التاريخ، وجعلوا أنفسهم أوصياء على شعب يفوقهم عدداً وحضارة وشجاعة. وإذا كان للوجود العثماني مبررات دولية في القرن العاشر فإنه لم يبق له مبررات في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، لا سيما بعد تراجع المد الإسباني والبرتغالي.
وقد يتساءل المرء عن مصدر قوة العثمانيين في الجزائر رغم قلة عددهم. والواقع أن قوتهم الأولى كانت تكمن في تأييد الخلافة لهم، وذلك هو المصدر الروحي الذي اعتمدوا عليه في حكم الجزائريين. فهم كانوا حريصين على إبقاء هذا المصدر حتى حين تمردوا على السلطان وردوا مبعوثيه على أعقابهم لأن تأييده الروحي والمعنوي هو الذي كان يعطيهم الشرعية في نظر الجزائريين. والمصدر الثاني لقوتهم هو استجابتهم لداعي الجهاد كلما حانت فرصة، لا سيما في أوائل العهد، ومع الجهاد جاء الغزو البحري والثروة الاقتصادية سواء للخزينة العامة أو لجميع السكان.
أما الطبقات والفئات الاجتماعية التي رمت بثقلها وراء العثمانيين فهم معظم المرابطين ومهاجرو الأندلس وقبائل المخزن واليهود. فقد كان لهؤلاء مصالح حيوية في بقاء النظام العثماني. وكان المرتدون على الديانة المسيحية (الأعلاج) الذين تترّكوا يشكلون أيضاً قوة أخرى اعتمد عليها الحكم إلى جانب أتراك أناضوليا المغامرين الذين كانت قوتهم تكمن في قلة عددهم وتماسكهم.
وقد يقول قائل: ما دام الأمر كذلك فلماذا لم يثر الجزائريون ويعلنوا الاستقلال؟ والواقع أن هذا السؤال طالما راودني ولم يكن الجواب عليه أمراً سهلاً. فقد توصلنا بالبحث إلى أن عدد العثمانيين كان قليلاً جداً بالنسبة لعدد الجزائريين بحيث لم يتجاوز في أي وقت من الأوقات الإثني عشر ألفاً. ثم أن معظمهم كانوا في العاصمة أو في عواصم الأقاليم وفي محطات معينة. وأنت تقرأ في أخبار هذا العهد أن الباشا فلاناً قد أرسل نحو المئة يولداش للمساعدة في القضاء على إحدى الانتفاضات المحلية، كما وقع الأمر أثناء انتفاضة سباو سنة 1157. وكثيراً ما قرأنا أن كرسي الباشوية (أو الحكم) كان يخلو فيأتي أحدهم ويدخل القصر بسيف أو عصا أو بجماعة من الجنود ويعلن نفسه بأنه هو الباشا فيأتي الديوان والعلماء والأشراف والأعيان لمبايعته. فلماذا إذن لم يحاول الجزائريون، أمام هذه السهولة في الاستيلاء على الحكم، أن يتولوا أمرهم بأنفسهم؟
ويبدو أن ذلك يعود إلى عدة عوامل. أولاً الفكرة الراسخة في عقول الناس بواسطة الفئات التي ذكرناها سابقاً من آل عثمان الذين هيأهم القدر والعناية الإلهية لحكم المسلمين وأن المتمرد عليهم سيقع لا محالة فريسة في أيدي المسيحيين.
والثاني تأييد الفئات المذكورة (مهاجرو الأندلس والأشراف ومعظم المرابطين والأعلاج) للحكم القائم ما داموا مستفيدين منه. وقد عرف الحكام العثمانيون كيف يكتسبون هذه الفئات المؤثرة في المجتمع إلى جانبهم عن طريق الإطراء والنفوذ والهدايا والإعفاء من الضرائب ونحو ذلك.
والثالث عدم معاملة آل عثمان للجزائريين معاملة واحدة، فهناك الجزائريون المخزنيون المتحالفون معهم، وهناك المستقلون أو شبه ذلك، وهناك الرعايا الذين كانوا محل اضطهاد شديد.
والرابع غياب الفكرة الوطنية بمفهومها الحاضر بين الجزائريين. فالعلاقات الإسلامية كانت أقوى من العلاقات الجغرافية السياسية. وكان تقسيم الجزائر في العهد السابق للعثمانيين إلى قسم زياني وآخر حفصي لم يساعد أيضاً على ظهور مفهوم الوحدة الجغرافية السياسية بين الجزائريين في العهد العثماني.
والخامس أن الروح القبلية كانت ما تزال بارزة عند معظم السكان خارج المدن.
كل هذه العوامل، وغيرها، قد جعلت أغلبية الجزائريين يعيشون على مضض وضعهم الثانوي خلال هذا العهد، رغم أنه قد يبدو لنا وضعاً غير طبيعي وغير منطقي. ومع ذلك فقد كان الجزائريون يثورون على هذا الحكم كما تشير النماذج التي أتينا عليها في الفصل الثاني من الجزء الأول. كما أن الدلائل كانت تدل على أنهم كانوا سيثورون لا محالة ثورة وطنية متحدة ضد الحكم العثماني لولا تدخل الفرنسيين سنة 1246 هـ (1830).
وتظهر سلبية الوجود العثماني في الجزائر في الميدان الثقافي على الخصوص. فالعثمانيون قد دافعوا في البداية عن الدين الإسلامي وشجعوا تيار التصوف في البلاد وأوقفوا بعض الأوقاف على المؤسسات الدينية وساهموا في بناء الزوايا والمساجد والكتاتيب، فكأن نظرتهم إلى الدين في داخل البلاد كانت نظرة تعبدية محضة. وهي نظرة لم تستفد منها الثقافة على كل حال. فهم لم يؤسسوا جامعة كالقرويين أو الأزهر أو الزيتونة تبث العلم وتخرج العلماء والكتاب وتحفظ اللغة وتربي العقل. ثم إنهم لم يكونوا يتكلمون لغة البلاد ولا يتذوقون أدبها ولا يقرأون كتبها ولا يتصلون بعلمائها اتصالاً عاطفياً وعقلياً كما فعل مثلاً سلاطين المغرب أو بايات تونس بعد تأسيس العائلة الحسينية.
فلا غرابة إذن أن لا يشجع العثمانيون العلماء والشعراء على الإنتاج في عصر كان فيه الإنتاج الادبي والتاريخي والعلمي محصوراً في بلاطات الحكام. وهم لم يعقدوا المجالس العلمية والمناظرات كما كان يفعل قبلهم أمراء بني زيان وبني حفص وغيرهم. وهي المجالس والمناظرات التي كانت تشحذ المواهب ويتنافس فيها العلماء وتبرز القضايا الفكرية والخلافات المذهبية. ثم أن حرمان الجزائر من جامعة أو معهد للتعليم العالي قد جعل معظم علمائها يتكونون خارج بلادهم، وكثير منهم كانوا لا يعودون أصلاً وإذا كانت الحكمة تقول (الناس على دين ملوكهم) فإنها في الجزائر العثمانية تصبح (ثقافة العلماء على قدر ثقافة الحكام) وذلك أن أغلب العلماء كانوا يكتفون بالقليل من العلم لأنه لا أحد سيطالبهم بتجويده ولا بالمزيد منه.
من «تاريخ الجزائر الثقافي» ـ الجزء الأول 1500 ـ 1830. الطبعة الأولى، 1998

شيخ المؤرخين الجزائريين
اتسمت مؤلفات المؤرخ الجزائري (1930 ـ 2013) بالكثافة والتفصيل والاتساع؛ إذْ احتوى عمله الأهمّ، «تاريخ الجزائر الثقافي»، على 9 مجلدات؛ وعمله الآخر، «أبحاث في تاريخ الجزائر»، توزع على 5 مجلدات؛ وأما في «الحركة الوطنية الجزائرية»، فقد اكتفى بأربعة مجلدات!
لم يكن غريباً، والحل هذه، أن يلقّب سعد الله بـ«شيخ المؤرخين الجزائريين»، هو الذي درس في الجزائر والقاهرة ومنيسوتا (التي حصل منها على جائزة الدكتوراه)؛ كما حقق عدداً كبيراً من المخطوطات الهامة، بينها «حكاية العشاق في الحب والاشتياق»، للأمير مصطفى بن إبراهيم باشا؛ و«رحلة ابن حمادوش الجزائري»، لعبد الرزاق بن حمادوش الجزائري؛ و«منشور الهداية في كشف حال من ادعى العلم والولاية»، لعبد الكريم الفكون؛ و«مختارات من الشعر العربي»، جمع المفتي أحمد بن عمار؛ و«تاريخ العدواني»، لمحمد بن عمر العدواني؛ و«رسالة الغريب إلى الحبيب»، لأحمد بن أبي عصيدة البجائي؛ و«أعيان من المشارقة والمغاربة»، تاريخ عبد الحميد بك.
لكن سعد الله كان أديباً أيضاً، وله وله في الشعر والدراسات النقدية: «الزمن الأخضر»، و«سعفة خضراء»، و«تجارب في الأدب الجزائري الحديث»، و«تجارب في الأدب والرحلة»، و«في الجدل الثقافي»، و«هموم حضارية». ويؤثر عنه أنه تحاشى الكتابة عن الثورة الجزائرية، لسببين: الحرص على عدم الانجرار إلى الوصف الذاتي، باعتباره كان مشاركاً في تلك الثورة؛ والابتعاد عن الانحيازات الحزبية، بين هذا الخطّ أو ذاك في التعريف بتاريخ الثورة.

الأدب الجزائري و«أعلاج» العثمانيين

أبو القاسم سعد الله

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية