تعتبر الحملة العسكرية التركية «درع الفرات» التي بدأت في 24 آب/أغسطس الماضي وجها جديدا في الحرب السورية. وجاءت بعد مقاومة أنقرة إرسال «بساطير على الأرض» في المراحل الأولى للثورة السورية والذي قاد لاحقا لمواجهتها تهديدا مزدوجا من خلال توسع مناطق سيطرة حزب العمال الكردستاني «بي كي كي» في شمال سوريا وتزايد هجمات تنظيم «الدولة» خاصة على المناطق القريبة من الحدود التركية- السورية. ولهذا السبب كانت تركيا تنتظر اللحظة المناسبة للقيام بعملية عسكرية تدفع الخطر المزدوج عليها وتؤمن المناطق الحدودية وتدعم القوى السورية المتعاونة معها. في وقت تحاول فيه الحكومة تأمين الجبهة الداخلية في أعقاب الإنقلاب الفاشل في 15 تموز/يوليو والتي اتهمت حركة فتح الله غولن المقيم في بنسلفانيا- الولايات المتحدة بتدبيرها. ولعل الإنقلاب كان عاملا من العوامل التي سرعت العملية العسكرية التي كشف مسؤول عسكري تركي أنها طور الإعداد منذ أكثر من عام إلا أن العناصر الإنقلابية عرقلت تنفيذها بشكل أحرج أنقرة أمام حليفتها الولايات المتحدة التي طالما حثت المسؤولين الأتراك على المشاركة بفعالية في ضرب تنظيم «الدولة». وكانت تركيا قبل المحاولة الإنقلابية الفاشلة تجري إعادة تقييم لملف العلاقات الخارجية، وأنهت المواجهة العدائية مع روسيا بسبب إسقاط الطائرة الروسية في تشرين الثاني/نوفمبرالماضي وأتمت عملية تطبيع العلاقة مع إسرائيل ووثقت علاقاتها مع إيران وأرسل رئيس وزرائها بن علي يلدريم رسائل حول التعامل مع نظام بشار الأسد.
ومن هنا فالتحركات الدبلوماسية التركية كانت محاولة لإنقاذ موقفها البادي الضعف في المسألة السورية وهي التي تحملت الكثير منها، فقد استقبلت ملايين اللاجئين السوريين وقدمت الدعم للجماعات السورية المعتدلة. وفي ضوء العلاقة الأمريكية- الكردية الوثيقة وغض الولايات المتحدة الطرف عن توسع الأكراد ومحاولتهم ربط الجيوب الكردية في شرق الفرات بتلك التي في غربه، ورفضهم الإنسحاب من بلدة منبج التي تم طرد تنظيم «الدولة» منها رغم تأكيد الأمريكيين للأتراك أنهم لن يبقوا فيها بل وبدأوا يضربون المناطق القريبة من تركيا وتقدموا نحو جرابلس فلم تعد أنقرة قادرة على تجاهل الوضع كما يقول ديفيد إغناطيوس في «واشنطن بوست» (30/8/2016) وقال إن تركيا تجاهلت الغارات الجوية الأمريكية من قاعدة إنجرليك الجوية لدعم قوات حماية الشعب التابعة لحزب الإتحاد الديمقراطي، وسكتت على مضض على دخول الأكراد إلى منبج إلا أنها لم تستطع السكوت على محاولاتهم ضرب المناطق الحدودية. ومن هنا جاءت العملية العسكرية الجديدة التي تعتبر أول تدخل تركي مباشر، فلطالما دعت الحكومة التركية للتفاوض حول إقامة منطقة آمنة تمتد على طول 98 كيلومترا و45 كيلومترا عرضا بين أعزاز وجرابلس. ولم يتحقق المشروع بسبب التغيرات المستمرة في ميزان القوى والتدخل العسكري الروسي وتكثيف إيران مشاركتها العسكرية في سوريا. وكذلك بسبب الخلافات حول الدولة أو الدول التي ستقوم بنشر قوات لحماية المنطقة.
ويرى البروفسور بولنت أراس الباحث في العلاقات الدولية بجامعة «سبانتشي» في اسطنبول أن المؤسسة العسكرية قبل الإنقلاب مارست حذرا من مجريات الساحة السورية وحاولت عدم الإنجرار لما قالت إنه «مستنقع الشرق الأوسط» وكانت تفضل مصالحة مع نظام الأسد وحلفائه لمنع ظهور كيان كردي على طول الحدود التركية.
وفي المقابل كانت المؤسسة البيروقراطية المؤيدة للغرب مستعدة للمشاركة في عملية عسكرية مع القوات الأمريكية تلعب فيها قوات الجيش السوري الحر دورا قياديا وبمشاركة تركية في الحد الأدنى. ويرى أراس في مقاله الذي نشرته مجلة «ناشونال إنترست» (31/8/2016) أن التعاون العسكري الأمريكي- الكردي وتزايد المشاعر المعادية للولايات المتحدة بعد المحاولة الإنقلابية الفاشلة بات المجال لتعاون عسكري أمريكي- تركي محدود خاصة بعد المحاولة الفاشلة. ومن هنا شعرت تركيا أنها بحاجة لإعادة علاقاتها مع القوى المضادة للغرب والقوى السورية المعارضة، خاصة روسيا وإيران والنظام السوري وإن بطريقة غير مباشرة حيث أكدت أنقرة على أهمية الحفاظ على وحدة التراب السوري، والقضاء على خطر تنظيم «الدولة» والجماعات الكردية- حزب الإتحاد الديمقراطي و»بي كي كي». وعليه جاءت زيارة الرئيس رجب طيب أردوغان في 9 آب/أغسطس لموسكو محاولة كبيرة لإعادة تقويم علاقات تركيا وتأكيد دروها بالمسألة السورية. وتهدف الحملة الدبلوماسية التركية إلى تخفيف الضغوط عن الجبهة الأمنية الداخلية في المدى القصير وحماية أهدافها الجيواستراتيجية في سوريا والتأكيد على دور مستمر لها هناك. ولا يعني تقارب تركيا مع كل من إيران وروسيا تحولا عن العلاقة ما بين تركيا والولايات المتحدة بقدر ما هي انعطافة واقعية أملتها التغيرات المستمرة على الأرض بشكل سمح لأنقرة البحث عن طرق للتعايش مع القوى المعادية للغرب.
ولأن العملية جاءت بعد سقوط منبج والعملية الإرهابية في غازي عينتاب والتي قتل فيها أكثر من 50 مدنيا، فقد قدم الجيش العملية في سوريا باعتبارها دفاعا عن النفس أمام إرهاب تنظيم «الدولة» وتجاوز الأكراد الخط الأحمر بتوسيع مناطق سيطرتهم. ويقول أراس إن بداية خروج قوات الحماية من منبج حقق أهداف الحملة التركية على المدى القصير. وعليه يمكن لتركيا العمل على إنشاء منطقة آمنة أو كما يطلق عليها «المنطقة الخالية من تنظيم الدولة» على طول أعزاز- جرابلس بشكل يؤكد على عدم تأثر تركيا من عمليات النزوح الجماعي التي ستتبع سقوط الرقة والموصل. وعلى الرغم من النجاحات التي حققتها العملية التركية إلا أنها قد تواجه خطرين. الأول يتعلق بالحرب ضد الجماعات المتطرفة. فلطالما تجنبت تركيا لعب دور قيادي في الحرب ضد الجهاديين، وهي الحرب التي استنفدت جهود الولايات المتحدة. ومن هنا فدخول تركيا على الخط الأول لن يجعلها هدفا لتنظيم «الدولة» وحده بل ولكل الجماعات التي خرجت من عباءة تنظيم القاعدة. أما الخطر الثاني فيتعلق بالأكراد الذين سيجدون أنفسهم أمام منعطف جديد يمنع من قبولهم كلاعب معترف به في الساحة السورية- العراقية. ولا غرابة أن هدف «درع الفرات» هو منع ظهور معبر حدودي كردي على حدود تركيا. ولا ريب أن كل سيناريو له تداعياته على الداخل التركي وخارجه، خاصة في حالة مواجهات تركية- كردية تخلف ضحايا وتترك أثرا على السياسة في البلاد. كما أن استمرار الهجمات الإرهابية قد يضعف حسب أراس من وضعية الإسلام السياسي في تركيا ويؤثر بالتالي على شعبية حزب العدالة والتنمية الحاكم. وعليه يرى أن الحل الأمثل في مثل هذا الوضع هو عملية دبلوماسية تجمع كل الأطــراف الإقليمية والدولية على طاولة واحدة.
وفي الوقت الحالي يبدو التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة منشغلا بالقضاء على تنظيم الدولة ويتعامل مع رحيل الأسد أو بقائه كقضية لاحقة. ومن هنا فقد تقبل روسيا وإيران نوعا من التسوية التي تضمن مصالحهما سواء بالأسد أو بدونه. وما يجمع هذه الأطراف المتحاربة هو العداء لتنظيم الدولة وإخراجه من الرقة والموصل. وما يمنع اتفاقها مرتبط في جزء منه بالإستراتيجية الأمريكية في سوريا. فهي كما يرى إغناطيوس قائمة على خطوط متصدعة من ناحية تحالفها العسكري مع الأكراد وتشجيعهم على التوسع وإن بطريقة تكتيكية ولأنها حليف تقليدي لتركيا. ولهذا أدت سياستها للإقتتال بين الحلفاء بالضرورة على عمليات استعادة مدينة الرقة. ورغم تأكيده على الأكراد وأنهم ضحايا القوى الكبرى التي استخدمتهم عندما احتاجتهم وتخلت عنهم عندما اشتكت دول الجوار منهم إلا أنه يدعو لرؤية قوية لمرحلة ما بعد تنظيم «الدولة». والإشراف على مبادرة لاستئناف المحادثات بين تركيا وحزب العمال الكردستاني «بي كي كي». ويقول إن على الولايات المتحدة أن تكون واضحة في التأكيد على ان الحل الدائم في العراق وسوريا لن يتحقق بدون فدرالية تعطي السنة والشيعة والعرب، الأكراد والتركمان شعورا بالملكية والسيطرة. ومن هنا فالحاجة تستدعي قبل الدفع باتجاه طرد تنظيم «الدولة» من الرقة التفكير بما سيحدث بعد.
وعلى العموم فدخول الأتراك إلى سوريا لن يؤدي لتغيير المعادلة في الحرب القائمة منذ أكثر من خمسة أعوام ولكنه حسب ديفيد غاردنر في «فايننشال تايمز» (31/8/2016) سيؤثر بالتأكيد على الحلم الكردي بالدولة. ويرى أن مشاعر الأمل التي سادت الأكراد في كل مكان بالحصول على دولة من حطام الشرق الأوسط يتبدد الآن واللحظة التاريخية التي ولدت من فك المقاتلين الأكراد بدعم أمريكي حصار تنظيم «الدولة» على كوباني تنزلق من أيديهم. وهذا تحول في المصير بعدما توسع أكراد سوريا على حساب النظام وتنظيم «الدولة» الذي تراجع من مناطقه الواسعة. أما أكراد العراق فقد أعطاهم انهيار الدولة المركزية فيه بعد الغزو الأمريكي عام 2003 فرصة لبناء كيان له من رسوم الدولة الكثير. وفي جنوب- شرق تركيا استغل حزب العمال الكردستاني فرصة الهدنة وأقام منطقة حكم ذاتي. ومع بداية حملة تنظيم الدولة ضد المدن التركية اتهمت الحكومة التركية حزب العمال وحزب الشعوب الديمقراطي بالتواطؤ مع الإرهاب. وفي الصيف الماضي انهارت الهدنة واستؤنف القتال وكان حزب العمال الكردستاني متهورا في محاولة فرضه حكما على المدن في جنوب- شرق تركيا وحزبهم الشقيق- حزب الاتحاد الديمقراطي الذي فرض منطقة حكم ذاتي في شمال سوريا. ويشير الكاتب أن قادة حزب العمال الذين تركزوا في كردستان العراق استغلوا الهدنة وقاموا بتدريب المقاتلين على أساليب حروب مدن جديدة والتي اجتاحت مناطق جنوب- شرق البلاد. ويرى أن حظ الأكراد بدا صاعدا عندما اسقط الطيران التركي طائرة روسية في تشرين الثاني/نوفمبر. وحصل حزب الاتحاد الديمقراطي على رعاية بوتين الذي كان يريد معاقبة تركيا.
إلا أن «بي كي كي» وحزب الاتحاد الديمقراطي وصلا نقطة حرجة بعدما بدأ النزاع السوري بالتغير. فقد استفز الأكراد السوريون تركيا عندما تحركوا غرب الفرات وضربوا تنظيم «الدولة» في شمال- غرب سوريا وفي الوقت نفسه حاولوا وصل المناطق الشرقية بالجيب الكردي الغربي، عفرين. وعادت العلاقات التركية الروسية لطبيعتها وشنت تركيا عملية عسكرية بمساعدة من الولايات المتحدة ضد قوات تنظيم «الدولة» في جرابلس وطلبت واشنطن من الأكراد التحرك نحو شرق الفرات. كل هذه التطورات لن تساعد الحلم الكردي. وربما تغيرت الظروف وأن الدويلة الكردية في شمال- شرق سوريا باتت حقيقة ولا يمكن للولايات المتحدة التخلي عن الأكراد في الحرب ضد الجهاديين، إلا أن في التاريخ دروسا، فالملا مصطفى البارزاني، الزعيم الكردي لم يكن يعتقد ان قوة عظمى مثل أمريكا يمكنها خيانة شعب صغير مثل الأكراد ولم يكن محقا في اعتقاده.
إبراهيم درويش