واشنطن ـ «القدس العربي»: قالت وزارة الدفاع الأمريكية ان الهدوء النسبي يسود منطقة شمال شرق سوريا في حين تصر تركيا على عدم وجود اتفاق مع الولايات المتحدة لوقف الهجوم على الجماعات الكردية السورية المدعومة من واشنطن بسبب مشاركتها في حملة مكافحة تنظيم «الدولة» ولم تظهر دلائل جدية في أنقرة تشير إلى استجابة إيجابية لمناشدات الولايات المتحدة بوقف الاشتباكات مع الميليشيات الكردية.
وأكد السكرتير الصحافي للبنتاغون بيتر كوك انه يمكن ملاحظة الهدوء في شمال سوريا وهذا أمر جيد بعد اعلان هيئة الأركان العامة التركية اصابة ثلاثة جنود أتراك وتضرر دبابة بنيران الصواريخ بالقرب من بلدة جرابلس الحدودية السورية، وهي المنطقة نفسها التي قتل فيها رقيب تركي واصيب ثلاثة جنود في هــجــوم صـــاروخي ممــاثل اثر تدمير دبابة خلال عطلة نهاية الاسبوع.
ولم ترد تقارير فورية عن اشتباكات الأربعاء الماضي بين القوات التركية ووحدات حماية الشعب الكردية التي تدعمها الولايات المتحدة، ولكن وكالات الأنباء أشارت إلى أن الطائرات التركية شنت غارات جوية قرب جرابلس كما أطلقت المدفعية التركية النيران على أهداف تقع في غرب البلدة الحدودية. وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ان من أهداف الهجوم التركي في جرابلس والمناطق الأخرى في سوريا هو تطهير المنطقة من تنظيم «الدولة» والوحدات الكردية، وعلى الرغم من ذلك ، قال كوك في مؤتمر صحافي في البنتاغون ان الوزارة لم تر اشتباكات منذ نهاية الأسبوع الماضي بين قوات الحماية الكردية والقوات التركية التي عبرت الحدود إلى سوريا يوم 24 آب/اغسطس الماضي مع مقاتلين من الجيش السوري الحر وهي جماعة متمردة أخرى تدعمها الولايات المتحدة.
ووحدات الشعب الكردية هي الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي الذي تعتبره تركيا مرتبطا مع حزب العمال الكردستاني قائد حركة التمرد المستمر منذ عقود في جنوب شرق تركيا، وقد اعتبرت وزارة الخارجية الأمريكية حزب العمال الكردستاني منظمة إرهابية، وكما قال كوك فان الوضع معقد للغاية ما يؤكد صعوبة محاولات الولايات المتحدة في ابعاد حليفتها في الناتو تركيا عن مهاجمة القوات الكردية التي تعول عليها واشنطن كقوة رئيسية في محاربة تنظيم «الدولة» وخاصة في المناطق القريبة من الرقة.
وأوضح ان الولايات المتحدة تتفهم القلق التركي والمخاوف المشروعة لأنقرة حول الأهداف النهائية لوحدات حماية الشعب الكردية داخل القوى الديمقراطية السورية مشيرا إلى ان واشنطن تعمل، أيضا، مع الشركاء في سوريا الذين تم تدريبهم وتقديم الاستشارات لهم من قبل 300 من القوات الأمريكية الخاصة التي بدورها تعمل في مناطق خاضعة لسيطرة الوحدات الكردية.
وأوضحت إدارة الرئيس الأمريكي باراك اوباما ان وحدات الشعب الكردية وافقت على الانتقال إلى الشرق من نهر الفرات لتلبية أحد مطالب أنقرة، ولكن بعض عناصر القوى الديمقراطية السورية ما تزال في منطقة منبج جنوب جرابلس لعمليات التطهير، ودعا قادة الدفاع بمن فيهم الجنرال جوزيف فوتيل قائد القيادة المركزية الأمريكية تركيا والوحدات الكردية لوقف قتال بعضها البعض والتركيز بدلا من ذلك على محاربة تنظيم «الدولة». وقال ان الولايات المتحدة تعتمد على تركيا والقوى الديمقراطية للمساعدة في قتال تنظيم «الدولة» مشيرا إلى أهمية الطرفين في القتال.
ولم تخدع التطمينات الأمريكية المتكررة تركيا حيث لم تظهر أنقرة مؤشرات على استعدادها للتوصل إلى تسوية مع وحدات الشعب الكردية، حيث قال المتحدث باسم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ان البلاد ستواصل مهاجمة هذه الوحدات، وأوضح العديد من المحللين ان عملية «درع الفرات» لم تكن تهدف فقط إلى استئصال تنظيم «الدولة» من مناطق سوريا على الحدود مع تركيا بل كان الهدف الأول لتركيا هو ارسال رسالة قوية لحزب الاتحاد الديمقراطي ان تركيا لن تسمح له بالتحرك لإنشاء دولة تركيا وانها ستتخذ كل التدابير الممكنة لعدم السماح بنحت دولة كردية من أراضيها.
وبالنسبة للولايات المتحدة فإن الإجراءات التركية تهدد دور جنود فرقة العمليات الخاصة الأمريكية في سوريا في المناطق الخاضعة للوحدات الكردية، كما انها ستؤدي إلى تأجيل آخر للهجوم الكبير المقرر منذ فترة طويلة لاستعادة الرقة التي تعتبر العاصمة الفعلية لتنظيم «الدولة» وقد أربكت هذه الإجراءات بالفعل القيادة العسكرية والسياسية في الولايات المتحدة حيث قدمت القوات الأمريكية دعما جويا للأتراك عند الهجوم على بلدة جرابلس ولكن تم سحب الدعم بسرعة وفقا لإعلانات سريعة من وزارة الخارجية والبيت الأبيض ووزارة الدفاع مع الإشارة إلى أن الإجراءات التركية غير مقبولة.
ويسود قلق في واشنطن من ان الاحتكاك مع تركيا يمكن ان يؤثر على العمليات الجوية الأمريكية المنطلقة من قاعدة انجرليك التركية في جنوب شرق تركيا، وهي عمليات حيوية لجهود الولايات المتحدة لتقديم الدعم الجوي للجماعات المتمردة المدعومة من واشنطن داخل سوريا في مكافحة تنظيم «الدولة». كما أثار الاقتتال التركي – الكردي موضوع احتمال مقتل أحد جنود حلف شمال الأطلسي بواسطة سلاح أمريكي زودته الولايات المتحدة للميليشيات الكردية.
في نهاية المطاف، ليست هناك إشارات تدل على قلق في الولايات المتحدة من مشاريع الأكراد، ولكن القضية وجودية بالنسبة إلى الأتراك، ومن الواضح ان الولايات المتحدة ستواصل محاولاتها مع تركيا لتأجيل خلافاتها وشكوكها الواقعية مع الأكراد حتى يتم القضاء على تنظيم «الدولة» حيث سيلتقي الرئيس الأمريكي باراك أوباما مع نظيره التركي على هامش القمة الاقتصادية في الصين، كما سيلتقي وزير الدفاع الأمريكي أشتون كارتر مع وزير الدفاع التركي فكري اسيك في أوروبا بعد أيام قليلة، وقد أعرب العديد من المسؤولين الأمريكيين عن احباطهم من الإجراءات التركية وقالوا انها غير مقبولة ومصدر قلق عميق، ولا تدعمها الولايات المتحدة ولكنهم لم يطالبوا الأكراد باتخاذ تدابير قد تساعد على تخفيف التوتر باستثناء مطالبة القوات الكردية بالتراجع خلف نهر الفرات.
رائد صالحة