كردستان العراق والخلافات الكردية ـ الكردية في سوريا

لم تقتصر مشاركة العراقيين في الصراع السوري على مكون دون آخر، ويشارك الشيعة في القتال منذ أواخر 2011 من خلال عشرات الميليشيات التي ترتبط بإيران بشكل ما لحماية المقدسات الشيعية من مقاتلي المعارضة السورية التي يغلب عليهم الانتماء السني، إضافة إلى حماية نظام الرئيس السوري بشار الأسد الحليف الأوثق لإيران في المنطقة.
ومع استمرار الصراع السوري، كان ثمة مقاتلون سُنّة انخرطوا في اتون الصراع عن طريق تنظيم «الدولة» الذي أسس فرعا له يحمل اسم جبهة النصرة لأهل الشام نهاية 2011، وأعلنت عن نفسها لأول في شباط /فبراير 2012 قبل ان تدب الخلافات بينها وبين تنظيم «الدولة» في نيسان/ابريل 2013. 
أما اكراد العراق فقد توزعت مشاركتهم بعشرات أو مئات المقاتلين في صفوف جبهة فتح الشام ذات المرجعية الفكرية المحسوبة على تنظيم القاعدة، وعشرات أو مئات آخرين يقاتلون في صفوف تنظيم «الدولة» في كل من العراق وسوريا، لكن المشاركة الأوسع كانت في صفوف التشكيلات الكردية في سوريا بدافع الانتماء القومي المشترك والهدف الذي يسعى له عامة الأكراد حول العالم لاقامة دولة كردستان الكبرى.
وتمثل «الهيئة الكردية العليا» الجهة السياسية الأكثر قبولا عند الأكراد السوريين، وتتألف من مجلسين رئيسين هما المجلس الوطني الكردي ومجلس غربي كردستان، وتشكلت عام 2012 بمــوجب اتفــاقية أربــيل للعــمل على تأسيس خطاب سياسي كردي موحد في سوريا.
ورعت حكومة إقليم كردستان أكثر من عشرة آلاف مقاتل كردي سوري تلقوا تدريبات على يد خبراء أجانب منذ تشكيل «بيشمركة روج آفا» من مقاتلين أكراد معظمهم من المنشقين عن الجيش السوري، وتعد هذه القوة جناحا عسكريا للحزب الديمقراطي الكردستاني السوري الذي يلعب الدور الأبرز في «المجلس الوطني الكردي» الذي يتخذ من أربيل مقرا له، وهو الممثَل في ائتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية.
وتقاتل بيشمركه «روج آفا» كل من قوات النظام وتنظيم الدولة وترتبط فكريا بالحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يقوده رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البارزاني. وتمثل الذراع العسكري للمجلس الوطني الكردي السوري، ولا تزال هذه القوة موجودة في إقليم كردستان العراق بعد قرار الإدارة الذاتية التي يقودها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري منعهم من العودة إلى سوريا. وحسب وسائل إعلام كردية، شاركت بيشمركه «روج آفا» في معارك خاضتها البشمركه العراقية في قضاء مخمور التابع لمحافظة نينوى قبل أسابيع.
وتعود أسباب رفض الإدارة الذاتية المنبثقة عن حزب الاتحاد الديمقراطي في سوريا عودة بيشمركه «روج آفا» من كردستان العراق إلى سوريا بسبب «ارتباطهم بالمشروع التركي الذي لا يخدم المشروع الكردي أو الديمقراطي في المنطقة الكردية في سوريا»، بحسب تصريحات منسوبة إلى ألدار خليل، مسؤول حركة «المجتمع الديمقراطي»، مشددًا على أن عودتهم «تشكل خطرًا على الوحدة الكردية»، على حد تعبيره.
لكن الائتلاف السوري يرى ضرورة «مشاركة قوات بيشمركه «روج آفا» في مواجهة النظام السوري وتنظيم «الدولة».
ويرى مراقبون، ان العلاقات الوثيقة بين حكومتي أربيل وانقرة أدخلت حكومة إقليم كردستان في حالة من الحرج للتوفيق بين موقفها المعلن من إقامة دولة كردية منفصلة عن العراق كحق من حقوق الشعب الكردي في تقرير مصيره، وموقفها الذي لا يزال يكتنفه الغموض من مطالب مماثلة لأكراد سوريا، حيث لم تتبن حكومة إقليم كردستان موقفا صريحا من إقامة إقليم كردي في شمال أو شمال شرقي سوريا، لكنها ضمنا «لا تعترض أو تقف ضده إذا كان ثمة اجماع من القوى الكردية السورية»، حسب تصريحات منسوبة لرئيس الاقليم. لكن محللين رأوا ان من بين أسباب عدم التصريح بموقف الإقليم انه قد يكون أخذ بالحسبان إمكانية قيام تركيا بتصعيد هجماتها العسكرية على معاقل الأكراد في شمال العراق، ومناطق كردية على الحدود مع سوريا لافشال الإقليم الكردي والمضي نحو إقامة منطقة عازلة على طول الشريط الحدودي منزوعة السلاح، وهو ما سعت إليه الحكومة التركية منذ العام الأول للثورة السورية.
الأصوات الكردية الداعية للانفصال عن سوريا قد لا تجد لها أرضية تمكننا من القول ان هناك رغبة كردية بالانفصال، وهو خلاف ما عليه الأمر في العراق حيث يعلن الأكراد رغبتهم في إقامة كيان كردي مستقل وفق بنود الدستور العراقي. وعلى ما يبدو، فإن رغبة أكراد سوريا في مرحلة الثورة لا تتعدى إدارة ذاتية لمناطق تضم غالبية سكانية كردية تتعايش إلى جانب العرقيات الأخرى بنظام حكم لا مركزي يتبع دمشق، أو اتحاد كونفدرالي مع العرب في دولة اتحادية واحدة.
وتلقى الرغبة الكردية في إدارة ذاتية تضمن لهم إدارة شؤونهم بأنفسهم في مناطقهم قبولا غربيا واسعا، في الوقت نفسه يرفض الغرب رفضا قاطعا أي تقسيم لسوريا أو إقامة دولة كردية مستقلة قد تكون جزءا من دولة كردستان الكبرى التي تضم اجزاء من العراق وإيران وتركيا. 
تعدد الرؤى الكردية السورية وموقفها من المعارضة والنظام عبرت عن حالة عامة سادت الساحة السياسية الكردية في بلدان أخرى مثل العراق، وانقسم الأكراد السوريين بين تأييد النظام والتحالف معه وهم النسبة الاقل، ومعارضته سياسيا في الغالب حيث لم يصطدم الأكراد مع النظام في جبهات مفتوحة على خريطة مناطق تواجدهم، باستثناء اشتباكات محدودة شبيهة بتلك التي حصلت قبل أسبوعين في مدينة الحسكة والتي انتهت بعد خمسة أيام باتفاق لوقف الأعمال القتالية بين الطرفين.
ومع الاجماع على قتال تنظيم «الدولة» مقابل الدعم الأمريكي، التقت أكبر القوى الكردية في جبهة قتال مشتركة في قضاء سنجار بالعراق ومدن عدة في سوريا، آخرها منبج، في إطار وحدة قومية كردية للقوى المقاتلة شارك فيها مئات أو آلاف الأكراد الأتراك.

كردستان العراق والخلافات الكردية ـ الكردية في سوريا

رائد الحامد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية