عاد موضوع الإسلام ومدى تلاؤمه مع قيم الجمهورية الفرنسية إلى الواجهة خلال الأسبوعين الأخيرين، ليتصدر عناوين الصحف والمجلات وشاشات التلفزيون، وذلك بعد أن أعلن نحو ثلاثين من رؤساء البلديات الفرنسية، في طليعتهم رئيس بلدية نيس السياحية، منع ارتداء لباس البحر الإسلامي أو ما يعرف بـ«البوركيني» على الشواطئ العامة، ما أثار حفيظة مجموعة من المنظمات الحقوقية والمجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، ناهيك أن هذا الجدل حول الإسلام والعلمانية أجج المنافسة بين مرشحي اليمين للرئاسة، بل إنه كان محل انقسام داخل اليسار الحاكم. وقد ساهم كل ذلك بدفع الحكومة الاشتراكية إلى إطلاق مؤسسة جديدة تحمل اسم مؤسسة «إسلام فرنسا» بهدف «ترسيخ الدين الإسلامي في قيم الجمهورية الفرنسية العلمانية».
«البوركيني « وقيم الجمهورية
فبعد أن أثار نشر صور لامرأة محجبة على شاطئ البحر، في مدينة نيس جنوب شرق فرنسا، محاطة برجال من الشرطة والذين أجبروها على نزع قميصها، احتجاجات كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي وجدد الجدل بشأن منع «البوركيني» بعد ذلك رفض مجلس الدولة الفرنسي، أعلى سلطة قضائية إدارية في البلاد، قرار حظر «البوركيني» معتبرا أنه «يهدد الحريات التي تضمنها القوانين الفرنسية». وأكد المجلس أنه «في غياب مخاطر على النظام العام، فإن التأثر ومظاهر القلق الناجمة عن الاعتداءات الإرهابية الأخيرة، خصوصا اعتداءات نيس في منتصف شهر تموز/يوليو الماضي، التي راح ضحيتها 86 قتيلا، لا تكفي لتبرير إجراء حظر البوركيني قانونيا». غير أنه رغم هذا القرار، فقد أعلن بعض رؤساء البلديات تمسكهم بقرار حظر «البوركيني» على شواطئ بلدياتهم العامة ومواصلة تحرير محاضر للنساء اللاتي يرتدينه، طالما لم يلغ قرارها رسميا من قبل المحاكم الإدارية. وقد مثل أربعة من رؤساء هذه البلديات المتمسكة بحظر «البوركيني» في مدنهم أمام القضاء الفرنسي، حيث رفعت اللجنة الفرنسية المناهضة «للإسلاموفوبيا» دعوى قضائية ضد رؤساء بلديات نيس وروكبرون وكاب مارتان وفريجوس بجنوب شرق البلاد، لتعليق قراراتها بحظر «البوركيني».
ترسيخ الإسلام في قيم العلمانية
في خضم الجدل الذي أشعله موضوع «البوركيني» أطلقت الحكومة الفرنسية بداية الأسبوع نقاشات مع ممثلين عن الديانة الإسلامية بهدف إقامة علاقة تهدئة مع المسلمين الفرنسيين، وتمخض عن هذه النقاشات إعلان وزير الداخلية الفرنسي عن تشكيل مؤسستين في الأسابيع المقبلة، سيتم تمويلهما فرنسيا. وأرادت السلطات الفرنسية إعادة إطلاق فكرة إنشاء مؤسسة «إسلام فرنسا» التي ولدت في عام 2005، إلا أنها لم تتمكن من العمل بسبب الخلافات الشديدة بين أعضائها. وتهدف الحكومة الاشتراكية الحاكمة من وراء إنشاء هذه المؤسسة العلمانية والجمعية الثقافية التي ستلحق بها، إلى إيجاد التمويل الفرنسي للمشاريع الإسلامية في فرنسا، خصوصا وأن الأموال القادمة من الخارج تبقى غير واضحة المصدر.
وسيترأس هذه المؤسسة وزير الداخلية الاشتراكي الأسبق جان بير شوفنمان، البالغ من العمر 77 عاما، والذي يعد واحدا من أكبر المدافعين عن العلمانية في فرنسا. وقد أثار اختيار هذه الشخصية غير المسلمة لرئاسة هذه الهيئة الخاصة بالمسلمين، تحفظات الكثير من الشخصيات المسلمة في فرنسا، وبل وحتى بعض المراقبين والمتخصصين من غير المسلمين، حيث اعتبر حكيم الكرواي الذي يقدم نفسه على أنه مسلم علماني، وشارك في النقاشات مع وزير الداخلية الفرنسي، أن أقل ما يمكن أن يقال عن اختيار شوفنمان لرئاسة مؤسسة إسلام فرنسا بأنه قرار «أخرق»، فيما رأى وهيب أبو واصل الإعلامي في إذاعة «مونت كارلو» الدولية أن القرار «طبيعي جدا، ما دامت المؤسسة موجودة في بلد علماني».
أما جان بير شوفنمان نفسه والذي كان ممهدا في عام 1999 لإنشاء المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية والذي بات مشلولا في الظرف الحالي بسبب الخلافات داخله، فقد اعتبر أنه بـ«صفته وزيرا سابقا للداخلية، فلم يكن في وسعه رفض المساهمة في هذه الهيئة التي تخدم المصلحة العامة»، فيما رأى وزير الداخلية برنار كازنوف أن تولي شوفنمان، الذي وصفه بالجمهوري الكبير لرئاسة مؤسسة إسلام فرنسا لدى تأسيسها، في شهر تشرين الثاني/نوفمبر، والتي ستضم العديد من المسلمين، «له أبعاد رمزية» بخصوص الجمهورية ومسلمي فرنسا.
بالتوازي مع مؤسسة «إسلام فرنسا»، سيتم إطلاق جمعية تتولى تمويل تعليم الفقه للكوادر المسلمين وتشييد المساجد، وذلك عبر مساهمات طوعية يتم التفاوض بشأنها.
«البوركيني» في قلب الحملات الانتخابية
وقد وجدت الطبقة السياسية، خاصة قيادات اليمين التقليدي في حزب الجمهوريين المعارض، الذين دخلوا في الحملات الانتخابية ساعين إلى نيل ترشيح حزبهم لخوض الانتخابات الرئاسية المزمع إجراءها في شهر أيار/مايو المقبل، ضالتهم في هذا الجدل الحاصل حول الإسلام والعلمانية، حيث تحتدم المنافسة بين نيكولا ساركوزي الرئيس السابق وآلان جوبيه رئيس الحكومة الأسبق وعمدة مدينة بوردو. وقد أعرب جوبيه عن معارضته إقرار قانون يحظر ارتداء «البوركيني» ورغبته في العمل مع الجميع بدلا من الدخول في مزايدات وقدم نفسه على أنه مرشح الاعتدال وأنه الرجل المناسب لقيادة فرنسا في هذه المرحلة، في الوقت الذي تتعرض فيه لاعتداءات إرهابية ويتزايد الجدل حول علاقة العلمانية بالإسلام. وقال جوبيه «إن فرنسا متنوعة، وأن الفرنسيين يتحدرون من أصول مختلفة ولا ينتمون إلى دين واحد، وهذا الأمر يجب احترامه». في مقابل ذلك أخذ ساركوزي يصعد من لهجته، فبات خطابه مشابها لخطاب اليمين المتطرف بزعامة مارين لوبان، في محاولة منه لاستقطاب أصوات أنصارها، لهذا شدد على ضرورة حظر «البوركيني» وطالب بمنع الحجاب في الجامعات وإلغاء لمّ الشمل لدى المهاجرين.
وحتى داخل الحكومة الاشتراكية الحاكمة تضاربت التصريحات في بعض الأحيان حول موضوع الإسلام والعلمانية، وبالتحديد فيما يتعلق بموضوع ارتداء «البوركيني» على الشواطئ العامة، حيث انتقدت وزيرة التربية نجاة فالو بلقاسم إجراءات منعه، على الرغم من تأكيدها بأنها ضد هذا اللباس، مشددة على انه يجب عدم ربط الإرهاب وتنظيم «الدولة» بارتداء النساء «البوركيني». وهي تصريحات رد عليها رئيس الحكومة مانويل فالس، الذي اعتبر أنها تفسير خاطئ لما يجري. وقال إن منع «البوركيني» يتم باسم النظام العام ولا يشكل انحرافا، في حين عارض وزير الداخلية برنار كازنوف فكرة سنّ قانون لحظر ارتداء هذه الملابس، كما تطالب بذلك أحزاب اليمين، وخصوصا الرئيس السابق ساركوزي. أما وزير الخارجية الفرنسي جان مارك إيرولت فقد أعرب عن «قلقه» تجاه الجدل حول «البوركيني» معتبرا أن ذلك يسيء لصورة فرنسا، وهو فعلا ما حصل عندما سخرت الصحافة العالمية، بالتحديد الأمريكية والبريطانية، من موضوع منع السيدات من ارتداء ما يردن، في إشارة إلى «البوركيني» ما دام في إطار القانون، خصوصا في بلد يقال عنه إنه «مهد العلمانية».
آدم جابرا