بعد اكثر من سنة على الاتفاق النووي بين القوى العظمى وإيران يبدو ان بعضا من تحليلاتنا التي رافقت التوقيع عليه وبعضا من التوقعات التي دارت حوله لم تنج من براثن الزمن، على الأقل الزمن القصير الذي انقضى. فقد اخطأ من افترضوا ان إيران ستفعل كل ما في وسعها كي تتمص من التطبيق الدقيق لبنود الاتفاق، واخطأ من اعتقد بأن الاتفاق سيعزز القوى الديمقراطية ويضعف المحافظين. اخطأ من توقع أن إيران بعد الاتفاق ستصعد إلى مسار الحوار مع الولايات المتحدة، واخطأ من توقع أن تغرق إيران بالاستثمارات الاوروبية.
عمليا، عززت إيران علاقاتها ليس مع الولايات المتحدة واوروبا، بل مع روسيا وسوريا. عمق المحافظون سيطرتهم في الدولة وحملة الاضطهاد والتطهير للمعارضين تلقت زخما متجددا. لا تزال الشركات الغربية بعيدة جدا عن الاستثمار في الاقتصاد الإيراني، ليس فقط بسبب صعوبة الحصول على تمويل وضمانات بل وايضا بسبب المخاطر غير المحدودة التي تتميز بها الاستثمارات في مثل هذه الدولة. لقد استغرق شركة طيران «بريتش ايرويز» سنة لفتح خط إلى طهران. وأخريات حاليا ليست في الطابور.
وبالتالي فإن الواقع يفتح ثغرة لرؤية الاتفاق من زاوية مختلفة. لإيران، حسب هذه الزاوية، زالت في 2003 الشهية ـ ونفد المال ـ لمواصلة التطوير المخطط له للمشروع العسكري النووي. عمليا، تنازلت عنه، ولكنها لم تتنازل عن مظهر التطلع لأن تبدو في الغرب كقوة عظمى نووية. وعلى مدى نحو عقد، حتى 2013، خدم هذا المظهر إيران بشكل لا بأس به. فنفوذها في العالم لإسلامي ازداد، وبدأت الأمم تتعاطى معها باحترام محفوظ لرئيس عصابة مزود بسلاح متطور. وقد تناسب الغموض والتبجح ايضا مع طبيعة الرئيس احمدي نجاد، الشخصية ذات رؤى وعقد المؤامرات.
ولكن جدوى سياسة الغموض النووي بدأت تتبدد في السنتين اللتين سبقتا التوقع على الاتفاق. فالاستثمارات في تطوير وشراء تكنولوجيا نووية زائدة أثقلت أكثر فأكثر على الاقتصاد الإيراني، وأقل فأقل بات ممكنا تبريرها بمبررات التقدم العلمي المحلي. لقد صرخت إسرائيل، وشدد الغرب العقوبات ومس بعصفور روح الاقتصاد، وبتصدير النفط الذي انخفضت اسعاره على أي حال. وعندما ارتفعت كلفة العقوبات واصبح الذخر عبئا شرعت إيران بمبادرة المفاوضات مع الولايات المتحدة. ومثلما في السوق الفارسي، اعتزمت القيادة الإيرانية أن تبيع بثمن باهظ بضاعة لم تكن على الاطلاق في حوزتها. بضاعة اسمها «التسلح المستقبلي بسلاح نووي.
لقد كان الرهان مجديا. ففي المفاوضات «تنازل» الإيرانيون عن مخططات لم يكن لها احتمال في أن تخرج من حيز القوة إلى حيز الفعل، وبالمقابل، حظوا بالغاء العقوبات، بعناق عموم عالمي وبالاساس بهدوء من الضغوط وحرية عمل داخلي وخارجي شبه مطلقة. ومن اللحظة التي جف فيه الحبر على الاتفاقات، الامر الوحيد الذي انتبه اليه سياسيو الغرب عدد اجهزة الطرد المركزي الفاخرة وكمية اليورانيوم المخصص المدمرة. إذا كان هذا على ما يرام، فإن نظام الرعب للحرس الثوري على ما يرام.
وبعصا سحرية كف الغرب عن الاهتمام بالمساعدة التي قدمتها إيران لقاتل الجماهير الأسد.
وصرف متصدرو الرأي العام في العواصم الغربية انظارهم عن خرق حقوق الانسان في طهران، عن الاعتقالات والحبوسات، عن دوس مؤشرات حرية التعبير والرأي. ومؤخرا تبين حتى ان مسؤولين إيرانيين نجحوا في أن يبتزوا من إدارة اوباما دفع كفارة (مقابل تحرير مواطني الولايات المتحدة الذين احتجزوا في السجون) بمئات ملايين الدولارات، نقدا. مباشرة إلى جيوب المسؤولين انفسهم.
ان رفع العقوبات الدولية ـ قسم من العقوبات الأمريكية بقي على حاله ـ لم يغير الصورة العامة القاتمة للاقتصاد الإيراني. فالعوائق الاساس امام تطوره بقيت كما هي: رقابة حكومية على فروع الاقتصاد الاساس، غياب الحماية للملكية الخاصة، دفعات الدعم الحكومي بحجوم هائلة، تخلف تكنولوجي يعود لعشرات السنين وسيطرة الحرس الثوري سيء الصيت والسمعة على ثلث الاقتصاد على الاقل.
الحكم في طهران بعيد اليوم جدا عن تبني النموذج الصيني ـ مثلما كان ساري المفعول من 1985 حتى 2015 ـ باقتصاد رأسمالي نامٍ وعالمي إلى جانب حريات ثقافية وحكم مستقر لحزب واحد عديم الايديولوجيا. هذا بالتأكيد ليس النموذج المفضل في نظر آيات الله، مع او بدون المغامرة النووية.
يديعوت4/9/2016