ثلاثة تطورات هامة تجري في الآونة الاخيرة في الحرب الفظيعة في سوريا، وسيكون هناك تأثير حقيقي لها على مستقبل الشرق الاوسط: 1.التدخل المتعاظم لروسيا (بما في ذلك الاستخدام قصير المدى للأراضي الإيرانية)؛ 2. نجاح قوات التحالف في تقليص الأراضي التي تحت سيطرة داعش (تنظيم الدولة الإسلامية)؛ 3. دخول قوات تركية كبيرة للقتال في سوريا، علنا ضد داعش وعمليا ضد الأكراد في شمال سوريا.
بطبيعة الحال، فإن هذه الاحداث عسيرة على الفهم، واصعب من ذلك هو تقدير التطورات بعيدة المدى النابعة منها. ومع ذلك، يمكن منذ الان رسم بعض منها، بشكل حذر. هكذا، مثلا، الرئيس السوري، بشار الأسد، نجا على ما يبدو وسيبقى في منصبه لزمن طويل آخر. وكانت نقطة الانعطافة الخطوة التي بادر اليها الرئيس التركي، رجب طيب اردوغان، لشراء ود روسيا (بما في ذلك الاعتذار).
لما كانت تصفية الحكم الذاتي الكردي هامة للأتراك اكثر من الاطاحة بالأسد، فقد ألغى اردوغان طلبه الاستقالة الفورية للرئيس السوري، كي يتمكن من التعاون مع الروس، المؤيدين للأسد. في الواقع الجديد، لم تتبق أي جهة ذات نفوذ تطالب بتنحية الأسد، ويبدو ان الولايات المتحدة ستبتلع هذا الضفدع ايضا ـ فليس لديها ورقة حقيقة في المفاوضات التي تجريها مع روسيا على مستقبل سوريا. الرابح الأكبر، كما أسلفنا هو الأسد، سيبقى في مكانه طالما لم يصف جسديا.
من زاوية النظر التركية يدور الحديث عن صحوة سريعة. لقد اثبت اردوغان مرة اخرى بأنه يعرف كيف يتخذ قرارات صعبة وفقا لاحتياجاته الاستراتيجية. فقد عمل سريعا وبلا تردد، لأنه فهم بأن التهديد الاخطر على وحدة بلاده هو نجاح كردي في خلق نوع من الدولة على طول الحدود القديمة بين سوريا وتركيا. وبالتأكيد إذا ما ارتبط الأكراد باخوانهم في العراق وحركة التنظيم السري الكردي في تركيا (حيث يوجد 10 ـ 15 مليون كردي من اصل نحو 20 مليون بالاجمال).
يركز اردوغان جدا على تصفية الحلم الكردي، وعليه فبالتوازي مع ارجاء روسيا يسهم ايضا في القتال ضد داعش، كي يتلقى شرعية أمريكية (الولايات المتحدة تتحفظ من القتال ضد الأكراد). وهكذا، عمليا، فإن تركيا هي ايضا الرابح الأكبر من التطورات الاخيرة، رغم الهزة التي في محاولة الانقلاب، والتي خرج منها اردوغان أقوى من أي وقت مضى. بشكل عام، إلى جانب المبادرة الحالية ضد الأكراد وداعش، يعزز الرئيس التركي مكانته الداخلية والخارجية معا، حيث إنه لن يتضرر حتى من بقاء الأسد كون هذا يعد خسارة شخصية وليس استراتيجية، ولهذا فإنها ليست ذت مغزى.
من هم الخاسرون الأكبر من سلسلة الاحداث هذه؟ الأكراد. فقد فقدوا الفرصة للتقدم في استقلالهم (من الصعب التوقع متى سينالون فرصة اخرى)، كونهم لم يتمكنوا من الاتحاد وعرض جبهة متراصة من حدود إيران وحتى منطقة حلب. لم يعلقوا آمالا كبيرة جدا على الولايات المتحدة، التي خيبت املهم في لحظة الاختبار. ليس معروفا ما وعد به الأمريكيون الأكراد، ولكن يبدو أن الاخيرين بقوا شبه وحدهم يتحملون عبء الحرب ضد داعش، في سوريا وفي اجزاء مختلفة من العراق، على مدى فترة طويلة.
لا شك أن تأييد الولايات المتحدة للأتراك، هذه الايام بالذات، ضد التطلعات الكردية (رغم التحفظ اياه من قتال الأتراك ضد الأكراد) سيسجل في غير صالح البيت الابيض في ارجاء الشرق الاوسط. مرة اخرى يبدو ان الولايات المتحدة خانت اصدقائها. يحتمل أن لا يكون هذا وصفا صحيحا للحقائق، ولكنه على الأقل هو الانطباع المتراكم.
الحلف الروسي ـ الإيراني
على مدى كل هذه الخطوات، فإن من ضعف هو المحور العربي ـ السني، الذي تقوده السعودية ـ فهو لم ينجح حتى الآن في تحقيق أي من أهدافه. وكنتيجة لذلك فإن إيران هي التي تتعزز، حين تربح اكثر من كل دولة اخرى من بقاء الأسد في الحكم، وهو الذي ترعاه.
الأسد في دمشق هو جزء هام في المحور الشيعي الذي عملت إيران على اقامته في مربع طهران ـ بغداد ـ دمشق ـ بيروت. في طرف هذا المحور تواصل إيران الامساك واستخدام حزب الله كيد طويلة لها. ومع ذلك فإن التنظيم الإرهابي يدفع ثمنا باهظا على ذلك، بالخسائر، بالجرحى وبفقدان شرعيته كحامٍ للبنان (وحتى كحامٍ للشيعة في لبنان). من المهم لإيران اكثر الحفاظ على الأسد من التخفيف عن نصرالله، بسبب التفضيل الواضح للمصلحة بعيدة المدى على الضغوط التكتيكية في داخل العائلة.
مؤشر آخر على التحسن في مكانة إيران هو منظومة العلاقات المتطورة لها مع روسيا، والتي يدها في المجال الجوي طالت. لا توجد أي صدفة في الموعد القريب الذي بين الاتفاق النووي الإيراني وانتشار القوات الروسية في سوريا وتعميق التعاون بين موسكو وطهران في القتال إلى جانب الأسد، ولا حتى ايضا في توريد السلاح الروسي المتطور لإيران.
عمليا، كان الاتفاق مع إيران مدخلا لتغيير العلاقات بين الدولتين، والتي باستثناء المجال النووي، لا يوجد عليها أي قيد. وهي ستواصل التطور في جوهرها، حتى إذا كان بسبب عدم الراحة الإيرانية توقف النشاط الجوي الروسي من الاراضي الإيرانية.
ومع هذا التعاون ايضا تجد الولايات المتحدة صعوبة في التصدي له، الوضع الذي يفزع الدول العربية السنة، كونه يعزز قوة إيران.
المدى البعيد
تتضح نتيجة كل هذه الخطوات في مستويين. الاول، في المستوى الدولي، حيث اصبحت الولايات المتحدة كمن ليس لها نفوذ على مصير سوريا، لدرجة انها تتبين كقوة عظمى لا تعرف (او لا تريد) كيف تحقق قوتها في المنطقة. وهي تركز على القتال ضد داعش وبقدر معين تنجح في ذلك، ولكن فضلا عن ذلك نفوذها في المنطقة آخذ في الضيق. ومقارنة بها، فإن روسيا تكسب المزيد من النفوذ، باستثمار غير كبير، ولا سيما بسبب الانعطافة التركية، إذ واضح انه بدونها لن يقوم أي شيء حقيقي في سوريا.
على المستوى الشرق أوسطي، فإن المحور الشيعي يتعزز، تركيا منشغلة في شؤونها وفي كل الاحوال تشعر بأنها أقرب إلى الاخوان المسلمين منها إلى المحور العربي السني (الذي عناصره الهامة هي السعودية ودول الخليج) والذي كما أسلفنا فشل حتى الان.
في سوريا نفسها الهدوء بعيد، وان كان انضمام تركيا إلى المحور الإيراني ـ الروسي يمكنه أن يؤدي في المدى البعيد إلى اضعاف الثوار لدرجة تآكل قدرتهم امام الجهد الشيعي ـ الروسي.
هذا ليس تطورا قريبا، ولكن هذه هي نتيجة محتملة للوضع الجديد. في هذه الاثناء لا حاجة لأن تغير إسرائيل سياستها الحذرة في سوريا، ولكن في ضوء ما يجري في المنطقة، ينبغي لتعزز قوة المحور الشيعي أن يكون في مركز الاهتمام الاستخباري والاستعدادات الإسرائيلية.
يعقوب عميدرور
إسرائيل اليوم 4/9/2016
صحف عبرية