علال الحجام (1949) شاعر مغربي معاصر، ينتمي من حيث التحقيب الشعري إلى جيل السبعينيات في الشعر المغربي. من بيته الأول في مكناسة إلى مغتربه الأمريكي، ما زال هذا الشاعر منقطعاً إلى قصيدته يكتبها بتوهُّج وانقطاع نادرين.
ابتداءً من ديوانه «الحلم في نهاية الحداد» (1975)، ومروراً بـ»توقعات العاشق» (1981) و»احتمالات» (1998) و»في الساعة العاشقة مساء» (2001) و»من يعيد لعينيك كحل الندى؟»، وليس انتهاءً بـ»ما لم ينقشه الوشم على الشفق»، يمكن للقارئ أن يتبين معنى أن تتجاوز القصيدة نفسها باستمرار على صعد كثيرة، لغوية وثيماتية وإيقاعية.
يزاوج علال الحجام بين ممارسة الكتابة الشعرية والبحث الأكاديمي، ولا ينفصل ذلك عن تفكيره. في هذا الحوار، يتحدث علال الحجام بصدق، وفي نبرةٍ مركبة يتقاطع فيها الثراء والتروّي بالاحتجاج على واقع غير طبيعي، عن جيل السبعينيات، والعلاقة بين الشعري والسياسي، وتحوُّلات التجربة والسيرة الذاتية في الشعر.
■ أنت من شعراء جيل السبعينيات في الشعر المغربي، الذين راهنوا على خلق أفق حداثي يتجاوزون به مرحلة التأسيس. ماذا بقي من هذا الجيل راهنًا؟
□ أودّ في البداية أن أؤكد أن (جيل السبعينيات) بين قوسين عانى من ظلم كبير وما زال يعاني من هذا الظلم الذي لحقه من طرف (الأجيال) اللاحقة، وحينما يتأمّل المرء أساس هذا الهجوم يجده يقوم أساسا على تهمة الانغماس في السياسي، وكأن الشعراء الذين بدأوا يكتبون في السبعينيات لم يهتموا إلا بالسياسي، أو أن موضوع هذا الشعر الوحيد كان هو السياسة فقط، ما يعني أن شعراء (الأجيال) التالية ضربوا الذكر صفحاً عن طاعون السّياسة. وهذا أمر لا يستقيم منطقيّاً، لأن هذا الموضوع كان ومازال حاضرا في الإبداع على اختلاف أجناسه. ومع أنني أستغرب استبعاد الشاعر عواصف السياسي والتنصُّل من الإحساس بكثير من الأحداث والوقائع المؤثرة من هذا القبيل، وأظنّ أن ما يجب تحكيمه ليس هو حضور السياسي أو الواقعي ضرورة أو عدم حضوره، وإنما حضور الشعري أو غيابه، وهو المعيار الذي يجب الاحتكام إليه.
مستويات شعرية متعددة
في البدء كانت الكلمة، وكان الشعر تتويجاً لابتهالات قريبة من النبوءات والسحر والجنون والرسائل المقدسة، فلم يكن ترفاً، ولا وسيلة للبحث عن أمجاد وهمية، كان رحلة جميلة وممتعة في المجهول، لا يعنيها سؤال الخلود… أما الحداثة فكثبان متحركة على الرحالة الوعي بحركيّتها، لأنها تتميز بنسبية فائقة وليست قيمة أبدية ثابتة، ذلك أن ما يُعَدُّ حديثاً اليوم قد يصبح قديما بعد عقد أو عقدين من الزمان، وما تفتأ بعض القيم الحداثية التي خبا نجمها تستعيد رواءها وبريقها بعد فترة قصيرة أو طويلة، من هنا تكون نسبية الحداثة فيبدو بعض القيم الحداثية التي خلفها لنا الماضي أكثر حداثة مما ينتجُه العصر الأحدث، ويكون من الصعب الحكم على كل قديم زمنيّاً بالقدم، وكل حديث زمنيّاً بالحداثة.
ماذا بقي من مُجايليّ؟ أظن أن ثمة قيماً شعرية باقية من الجحود تجاهلها، ونقاشاً حول الشعر تجاوز حدود النميمة، وثقافة شعرية مهدت لهذا السيل الشعري الهادر في بلادنا، وما كان لها أن تتأسس لولا تضحيات أصحابها وكدّهم وإصرارهم على رفع صوت الشعر المغربي عاليا، في حقبة زمنية كان فيها صوتُ الشاعر يرعب سلطة جاهلة تعادي الإبداع. إن من بقي مثل من قضى نحبه من مُجايليّ استطاع أن يتجدد مُتخلّصاً من السقوط والانتظار، عابراً إلى الشهادة والاستشهاد، ومنهما إلى الأورفية ورمزية الماء والتراب والخصب وبهاء التشكيل. لنتذكر أن جيل السبعينيات لم يرفع شعار قتل الأب الرمزي، بل استمر في عملية تأسيس النص الشعري المغربي الحديث التي بدأها الرعيل السابق، وأخذ ينفتح على عوالم جديدة كان من الصعب استشرافها في السابق، واستطاع أن ينصت أكثر إلى التجارب الجديدة في العالم العربي وفي الغرب، مُمهّداً الطريق للتجريب على مستويات متعددة سمحت بتقاطع النص الشعري مع المكونات الدرامية والتشكيلية والسينمائية.
■ كغيرك من مُجايليك تأثرت بالمدِّ اليساري وكتبت ما في حكم الأيديولوجيا، لكن سرعان ما استقللت بأسلوبك الشعري الذي يزاوج بين القديم والحديث. كيف انتبهت مُبكِّرًا – إذا استعرنا عنوان ديوانك الأول- إلى «الحلم في نهاية الحداد»؟
□ أعتقد أن «جيل السبعينيات» هو جيل التضحيات الكبرى في الشعر المغربي، لأنه تلقى الصفعات من السابقين واللاحقين على السواء. هناك مع الأسف من لا يزال يحاول لحدّ الساعة ترسيخ الاعتقاد بأن الشّعر السّبعيني كان مجرد بوق دعائي يُسوّغ أيديولوجيا ما بعيداً عن أي شاغل جمالي، إلا أن النصوص تُكذّب هذا الادعاء، وأنا أظن أن الأمر لا يتعلق بانتماء إلى اليمين أو اليسار، وإنما يتعلق بوعي حاد، لذا، أظنُّ أنه لا يمكن فصل هذا التأثير وتشكُّل الوعي السياسي عن المناخ الذي كان سائداً في الجامعة المغربية في بداية السبعينيات، فقد كان مناخاً يسوده حوار متقدّم جدّاً يجعل الطالب مهما كانت مشاربه وكيفما كان انتماؤُه يُدرك أن ثمّة صراعاً بين قوتين اثنتين إحداهما تملك كلّ شيء، والأخرى يعوزها كل شيء، بما في ذلك صوتها المختنق وحريتها المعتقلة. وفي حمأة هذا الصراع المحموم تبلور فريقان أحدُهما جناحٌ وطنيٌّ يتكون من اليسار واليمين، رغم صراعهما الذي لم يخف على أحد، وجناحٌ ثانٍ تشكّله الأحزاب التي صُنِعت صنعا لمقاومة المنزع الوطني والرغبة في الإصلاح لتأسيس ديمقراطية حقيقية في البلاد.
وأزعم أنني كنت أنتمي إلى هذا الجناح الأول، مع العلم أنه كان من الصّعب جدّاً، في مناخ القهر الذي كان سائداً، أن يكتب الكاتب، سواء أكان يساريّاً أو يمينيّاً، في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات مُتجاهلاً صهد الواقع، مثله في ذلك مثل أي شاعر ينفعل بأحداث سياسية أو واقعية أو عالمية فيستلهمها ويكتب عنها في أي مرحلة تاريخية، علماً بأنّ الوضع العام لم يكن يحتاج من المثقف أن ينتمي ضرورة إلى حزب أو نقابة، بل كان يكفي أن يكون مواطناً صالحاً يرى ويسمع ويحس ويتجاسر على التعبير عن رأيه البريء لكي يصبح موضوعاً للمراقبة اليومية وربما لـ»سين وجيم»، وغيرهما من المضايقات.
وأنا أعتبر أن مواكبة الواقع وحضوره في الشعر المغربي أمر كانت تستلزمه إكراهات المرحلة، وكان من اللازم ممارسة النقد الذاتي وتحليل حصيلة الربح والخسارة، أعني ما ربحه الشعر والشاعر، وما خسراه من هذا الارتباط لرسم آفاق المستقبل ومساراته. لا أعرف بالذات ما إذا كان هناك ربح شعري في ما حدث سوى انغمار الشعر في ما هو إنساني لاهب، لكنني أستطيع الجزم بأنه لم تكن هناك خسائر فادحة، وأؤكد صادقاً أنني لم أندم على شيء في هذا الباب… ذلك أن من بين مجاميعي الإحدى عشرة، لا يمكن أن تُدرَج ضمن حساسية (جيل السبعينيات) إلا المجموعتان الأوليان، أعني «الحلم في نهاية الحداد» 1975 و»من توقعات العاشق» 1981، فهما الوحيدتان اللتان تحملان بصمات (الجيل) وقيمه الفنية التي كانت سائدة في ما أعتقد، بينما أرى من الصعب تصنيف المجاميع التالية ضمن الخانة نفسها لأنها تشكّل محطات لا تتناسب معها إطلاقا بحكم تجريبها أساليبَ متنوّعة إيقاعاً ودلالة، وانغماسها في رؤى للعالم تختلف تماما عما ساد في المجموعتين الأوليين، وسبب هذا الاختلاف راجع إلى ما كان من إصرار على ممارسة النقد الذاتي، وتصميم على مراجعة التجربة بين الفينة والأخرى، والقيام بوقفات تأمل لما أنجز وما كان من يمكن إنجازه.
المرأة و الحب
■ في دواوينك ابتداءً من «من توقعات العاشق» (1981)، مرورًا بـ»احتمالات» (1998) و»في الساعة العاشقة مساء» (2001)، ثمة توكيد على مدونة أنا الشاعر العاشقة التي تكتب وتنفعل بما حولها. كيف يتحمل الشاعر خطاب العشق والمحبة في زمن اليأس والخوف الذي يتربص به وتوالي انهيار مشروعه الشخصي والجمعي بالتغيير؟
□ إذا تأملتم نصوصي التي تُعنى بخطاب المرأة والعشق والمحبة، فستلاحظون ولا شك أنها نصوص تكفُّ عن أن تكون مجرد غزل أو تشبيب بالمعنى التقليدي، أو مجرد انعكاس لجرح وإحباط داخليين، لأنها تلعب دوراً تكميليّاً يلحمها بالثيمات الأخرى، ويجعلها محركا لدينامية شعرية تساهم المرأة فيها بقوة. وهكذا لا تكون المرأة حبيبة معشوقة وعاشقة فقط، بل تكون امرأة قادرة على التحدي من أجل الفعل، في «سميّ روميلوس» تستطيع تحدي حبيبها الجنرال اليوناني وتغيير وجدانه في عهد ديكتاتورية الجنرالات، بينما تتحدى المناضلة القهر خلال سنوات الرصاص ويكون الثمن هو التضحية بحياتها قُرْباناً للحرية في «من توقعات العاشق». أما في مجموعة «ما لم يرسمه الوشم على الشفق» فتبدو المرأة شريكة في مغامرة الكشف والبحث عن المجهول، بينما نجدها في «اليوم الثامن في الأسبوع» تسمي ما لم يستطع الرجل تسميته، متقمصة مرة أخرى شخصية شهرزاد التي لا تفلت فقط من المصير الذي يحدده شهريار، بل تمتلك حق تقرير مصيرها مؤكدة أنها قادرة على توجيه حياتها وفق ما تريده هي لا ما يخططه الرجل لها.
من هنا، يمكنني القول إن هذا الخطاب حمّال أوجه، ولا يمكن اختزاله في وجه واحد فقط، لأن المرأة بما هي موضوع لهذا الخطاب لا تكون دائما حبيبة مشتهاة، وإنما هي أيضا أم وأخت وأرض خصيبة وصديقة وشريكة في المغامرة كما في النضال ووعد بالمستقبل، هي ليلى وإيما وروزا باركس وسعيدة المنبهي والساقية السمراء مرة واحدة، لذا كان من الصعب أن نستغني عنها في كتابتنا.
ولا ينبغي أن ننسى أن خطاب العشق ظل خطاباً ثوريّاً في الشعرية العربية القديمة. ومن جانب آخر، ربما كان خطاب المحبة لاشعوريّاً شكلاً من أشكال التحرر من رقابة صارمة مارسناها على أنفسنا في العقود السابقة، فكان التشبت باستعادة ثيمته اليوم نوعاً من الانتقام لفردانية القصيدة مما فرضته الجماعة من قيود ثقيلة وإكراهات مجحفة خلال السبعينيات، حيث فرض النقد والصحافة على الشاعر ممارسة رقابة ذاتية تمنعه من كتابة ونشر نص موضوعه المرأة الحبيبة، ما دامت الجماعة تدافع عما يجمع عليه أفرادها، وتحارب ما يفرده الشاعر لنفسه في النص، وما دام الحدث الاجتماعي والسياسي والقومي غالباً ما يلغي كل وجود للإحساس بالرعشة الخاصة.
■ ظلَّ اسمك مقترنًا بمدينة عريقة مثل مكناس. ماذا قدمت لك هذه المدينة بوصفها مكان إقامة ومصدر إلهام؟
□ بقطع النظر عن مدينة مكناس باعتبارها مسقط رأسي، وجزءاً مُشعّاً من سيرتي، فأنا شديد الاهتمام بالمكان أنّى كان، وقد حاولت أن أتأمل شعريّاً كل الأمكنة التي زرتها أو مررت منها، أو قضيت بها جزءاً من حياتي، غير أنّ لمكناس مذاقاً خاصّاً لأنها بالنسبة لي تشكل أكثر من مكان عابر في حياتي، فهي رحم الروح وفضاء نقشت عليه طفولتي، وولد فيها ابناي البيولوجيان، وبناتي الرمزيات، وفيها ترعرعت صداقات رائعة، بالإضافة إلى ما عشته وما استمتعت به فيها من بهاء وما توحي به أسوارها وأبوابها وأسواقها وزيتونها وماؤها ونعناعها.
محطات شعرية
■ في مغتربك الأمريكي اليوم، ماذا أضافت أمريكا إلى شاعر مغربي؟
□ ما أضافته أمريكا إلى تجربتي فيصعب عليّ تشخيصه الآن، لأنه يحتاج إلى مسافة تمكنني من حكم أكثر موضوعية، لكن إذا كان الجواب ضروريّاً، فيمكنني أن أتحدث عن البعد الإنساني الخاص الذي عكسته هذه التجربة بعد استغوار أعماق عالم إشكالي جديد ومعقد يستعصي على الفهم، خاصة أن أمريكا محكومة بالتعدد ثقافيّاً واجتماعيّاً ولغويّاً، وكل تعامل معها يجب أن ينطلق من أفق هذا التعدد.
حدست أن هذا الفضاء الإشكالي الذي ألهم جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وسركون بولص قد يكون مرتعاً خصباً لرؤية شعرية مختلفة، ويكون نصّاً باذخاً يستحق الكتابة والقراءة والتأمل، وهكذا لم تعد أمريكا بالنسبة لي شعريّاً على الأقل حلماً (بالمال والنفوذ) كما هو سائد، ولا قوة قاهرة كما عودتنا سياسيّاً واقتصاديّاً، بل أصبحت شيئاً آخر بعيداً كل البعد عن نقطتي الجذب هاتين. أمريكا التي تغريني أكثر نص باذخ للقراءة، وعلامات تتدافع أمامي وفي ذاكرتي للانكتاب شعريّاً وثقافيّاً بكل حمولتها التي تتلألأ فيها الفنون الحديثة وعجائب هوليوود وبهجة برودواي وغنى الفلكلور وتتجاور الألوان واللغات وإليوت ووالت ويتمان وألن غينسبرغ وبيلي كولنس وماري أوليفر وسوزان هياسكي ومارتن إسبادا وأن سكستون وغيرهم من الشعراء الشامخين…
■ طوال تجربتك الشعرية، ثمّة نصوص عابرة، من نص «احتمالات الطفولة» إلى نص «سميُّ روميلوس»، تستعيد عبرها محكي الطفولة بقدر ما تدوّن فيها شذرات من سيرتك الذاتية. كيف توازن بين الشعري والسردي، وبين الشخصي واللاشخصي من أجل أن تكتب سيرتك الذاتية، أو بالأحرى تعيد كتابتها شعريًّا بما يقتضيه الشعر كخطاب مخصوص من ميثاق أوتوبيوغرافي نوعيّ؟
□ لا أخفيك أنني أجد نفسي في كل محطة من محطات حياتي في قلب ذاكرة الطفولة، سواء تعلق ذلك بطفولتي الخاصة أو طفولة ابنيَّ أو طفولة الغير، وهي جزء من التفاعل مع السيرذاتي. وأستطيع أن أسرّ لك بأنني في الفصول الشعرية الأكثر جفافاً أجد أنهاري وجداولي وينابيعي كلها في روضة سريّة في أعلى ربوة الطفولة المقدسة. أنا شغوف بشعرية المعيش، وضمن هذا الشغف أستعيد وأستلهم، شعريّاً، كثيراً من الأحداث والوقائع التي عشتها في الطفولة، وهو ما لاحظته في مجموعة «احتمالات»، ويمكنك أن تعثر عليه في «من يعيد لعينيك كحل الندى؟» وفي مجاميع أخرى أيضا. فأنت يمكنك أن تجد في جميع مجاميعي المكان الطفولي مثل البرج وعين بيدرو، كما تجد ذكريات العطل وشخصيات الحي مثل الخال والعم إدريس، وذاكرة مدرسة «لابوكل» بحديقتها وطاووسها، وبنت الحارس الطيب الجميلة. أما نص «سمي روميلوس» فهو نص يستعيد سيرة طفولة غيرية لصديق أمريكي من لحم ودم من أصل يوناني اسمه روميلوس أيونيدس، ويمكنني أن أضيف نص «210، زنقة تازة» لنرى كيف يشتغل السيرذاتي رافعة لتاريخ طفولة غنية، في العنوان ذاته سكن الأبناء وسكن قبلهم الأب، فأصبح ذاكرة جمعية لهم، باعتباره فضاءً مشتركاً كان مهداً ولد فيه الابنان، وفي الوقت نفسه كان محطة من محطات والدهما. وأظن أن الرهان الحقيقي في السيرة الشعرية هو خضوع السيري إلى الشعري، وصهر الأحداث في مرجل الخيال، وهو الرهان نفسه الذي يراهن عليه في استلهام التاريخي والواقعي، فمن السهل أن يكتفى الشاعر بسرد الأحداث والوقائع كما حدثت، لكن من الصعب شحنها بالطاقة الضرورية التي تحتاج إليها لكي تصبح مادة شعرية.
■ هل لك طقوس وحالات مخصوصة في كتابة القصيدة؟ وهل تعود إليها من أجل تنقيحها وإعادة كتابتها؟
□ في الواقع، ليس هناك من طقوس سوى احترام مخاض الحالة الشعرية الذي يبدأ بشرارة أولى قد تكون شذرةً أو مقطعاً، أو جملة معزولة، وقد تكون صورة خاطفة، في المكتبة أو في المكتب أو في المقهى أو الحديقة أو الشارع أو المطار أو البيت. لا يهم المكان الذي توجد فيه بالذات الشاعرة وما يحيط بها… وإنما المهم أن أجد نفسي مسكوناً بهاجس لا سبيل إلى تلطيفه والتخلص منه إلا بإخراج كيانه نصّاً جميلاً يقنعني شعريّاً ويمتعني. من هذا المنطلق، فأنا لا أتصيد النص، بل يتصيدني ببداية بسيطة قد لا تقدم أي مؤشر على الحالة الشعرية، لكنها تبدأ في التنامي والتوسع تدريجيا باحثة عما يخلق عالماً شعريّاً متكاملاً تتلاحم أجزاؤه متماثلة أو متنافرة حسب اشتراطات الرؤية التي تحكم دلالاتها.
بالنسبة لي، غالباً ما تكون هناك مرحلتان في تكوّن النص الشعري: الأولى مرحلة لاواعية يتخلق فيها نص خام يحمل بصماته الرؤيوية وجيناته الجمالية التي تصاحبه مدى الحياة إذا ما كُتب له أن يحيا، في هذه المرحلة لا أتخلى عن أجنحتي الشعرية مخافة التعرض للسقوط، والمرحلة الثانية مرحلة واعية تتراوح في منزلة بين منزلتين ما بين الرؤية والرؤيا، ما بين التخييل والتعقيل، بين التأمل الشعري والتأمل العقلي أحاول فيها إخراج النصفي أحسن صورة، في هذه الحالة بالذات أضع على عينيّ نظارات الناقد، ويتدخل مبضع التحكيك والتنقيح والترقيع أيضا. ولا بد هنا من الإشارة إلى أن الكاتب قد يضطر أحياناً إلى تمزيق نصه أو إحراقه إذا كان لا يلبي متطلباته، فيكون أولى له أن يضحي به كيلا يضحي هو بسمعته عندما يفلت العنان منه وينتشر بين المتلقين، لأن بمكنة نص رديء واحد أن يمحو اسمه من ذاكرة التلقي.