القاهرة- من أريج جمال: قبل عامين من الآن، حصل مخرج فرنسي شاب اسمه أوليفييه بابينيه على منحة إبداعية للإقامة في إحدى ضواحي باريس، توجه إلى مدرسة يرتادها مواطنون من أصول أفريقية أو هندية، كان يريد وقتها أن يحقق فيلمًا تسجيليًا عن أحلام الطلبة في حقل الخيال العلمي، لكنه حين جلس بينهم كي يتعرف إليهم، وجد أن سؤالًا آخر أكثر إثارة للحيرة يدفع نفسه إلى الحوار، كان السؤال عن «الهوية» الحقيقية التي يحملها المراهقون المنتمون رسميًا إلى الدولة الفرنسية، لكنهم نفسيًا ليسوا مُندمجين تمامًا.
لم تكن الأمور على هذا النحو من الوضوح أول مرّة، لذلك استغرق بابينيه عامين من الزمن في التحضير لفيلمه الذي سيكون تسجيليا أيضًا بفواصل فانتازية مُثيرة للضحك والتأمل. تدفقت حكايات هؤلاء الطلبة من الدماغ والوجدان، وبدا أن الخيوط تكرِّ بعضها فوق بعض، إذا كان السؤال حول «ماذا تظن أنك فاعل هنا؟»، فقد أخذت الإجابات إلى مناطق أخرى كالحُب، الزواج، العلاقة مع الله، كما مسَّت بحُكم طبيعة الحال الحوادث المأساوية التي تطل في تداع كهذا من الذاكرة، كأول حادثة تحرش مرّت بها الفتاة المُنطوية وتسببت في فقدان ثقتها بالعالم. بعد أن حقق بابينيه الفيلم، ذهب إلى مهرجان كان، قاصدًا جمعية نشر السينما المستقلة «آسيد»، وهناك بالفعل تمكن من الحصول على إمكانية توزيع الفيلم في فرنسا وفي بلاد أخرى. المعهد الفرنسي في القاهرة بالتعاون مع سيماتيك مركز الفيلم البديل وسينما زاوية دار عرض الأفلام الفنيّة في القاهرة نظمّوا أسبوعًا لعرض مجموعة مختارة من أفلام «آسيد» في الفترة من 31 أغسطس/آب وحتى 6 سبتمبر/أيلول، أفلام أوروبية وعربية، وكان من بين هذه العروض فيلم «اختيال» لأوليفييه بابينيه، الفيلم الذي لم يُعرض بعد في باريس.
في الفيلم ليس ثمة اهتمام كبير بأسماء الطلبة. نادرًا ما نسمعهم وهُم ينادوون على زملائهم الآخرين أو يُشيرون إليهم في الحكايات، تنعقد صلة بصرية بين المتفرج والشخوص لأنها الوسيلة الوحيدة لتمييزهم وفهم طباعهم المختلفة في غياب قصّة تتطور وفي غياب عناوين تُذكرنا بكل واحد أو واحدة فيهم على حدة كما هي عادة الأفلام التسجيلية. وسط هذا الجدل الكبير عن الانتماء، يبدو الناس مكررين إلى حد ما، وحين تظهر الخصوصية فقط من الحكاية يُصبح بالإمكان تمييزهم على المستوى الإنساني، مَنْ يميل إلى الإضحاك أكثر، مَنْ يسخر ومَنْ لا يستطيع أن يتجاوز ألمه القديم، الشاب الهندي مثلًا يرتدي بذلة كاملة طوال أحداث الفيلم، يعزف متعرقًا على الطبول ويؤدي فقرة عن حلم لم يتحقق كان يريد أن ينتمي فيه إلى نيويورك لا إلى باريس، ومع أنه لا يقول كل شيء عن حياته في حديثه المباشر إلى الكاميرا فسوف نعرف لاحقًا أنه متزوج منذ أعوام طويلة ربما في انصياع غير مُبرر بالكامل لتقاليد بلده الأول.
ربما هذه الزاوية من النظر هي ما تبرر ظهور المسجد في واحدة من لقطات الفيلم. سورة ياسين أو صورة من مكة. تتكلم البنت السمراء عن حاجتها الشديدة إلى قراءة القرآن بانتظام هي التي لا تغطي شعَّرها مثلًا. وبالطريقة نفسها يتكلم مراهق آخر عن إحساسه تجاه الموسيقى التي يتم عزفها في الكنيسة، كيف يتعلق بها، إنها المشاهد التي كانت تسبق تمامًا المشهد المُتخيَّل لغزو فضائي لفناء المدرسة، حيث يتهدد الطلبة هذه المرة ليس من نظرة المجتمع الأبيض/ الأصلي البعيد عنهم نسبيًا ولكن ربما من خطر كامن لمجتمعات أكثر بُعدًا وأكثر لاإنسانية.
إن مشهد الغزو الفضائي هذا هو كل ما تبقى من حلم المخرج أوليفيه بابينيه القديم، إضافة إلى الكليبات القصيرة التي يتحرك فيها الأبطال كما لو أنهم هم نجوم المدرسة بنظاراتهم الشمسية وألوان ثيابهم المجنونة، رد فعل آخر على التهميش الذي لا يوجد دليل واحد من الخارج عليه في الفيلم، وربما يكون أقرب إلى رفض النفس من قبل النفس، لو جاز أن نستخدم تحليلًا سيكولوجيًا. تتكلم البنت الصغيرة، التلميذة في المدرسة في مشهد قصير عن علاقتها بميكي ماوس، تقول إنها لا تُحبه، تصمت قليلًا وتُضيف إنها ربما «تخاف منه» كما تخاف من باربي، ترفع حاجبها وتعترف إنها لا تصدق أن الناس يمكنهم أن يقعوا في حب فأر يتكلم ويغني ويرقص، ولا تفهم كيف يحس العالم تجاه الميكي ماوس هذا بمشاعر محايدة ويتركونه ببساطة يحكم عالمهم الحقيقي.
عمومًا كان على إيمانويل جرا أحد ضيوف الفعالية والمخرج التسجيلي صاحب أحد الأفلام المُختارة للعرض أن يُجيب على أسئلة الجمهور المصري الحاضر، وتلك لم تتجاوز قلب العمل؛ كيف يصدقون أن مواطنين محظوظين مثل هؤلاء لا يشعرون بالمواطنة الكاملة في فرنسا، ألا يجب أن يكونوا أكثر اختيالًا بأنفسهم؟ مُلمحين في بعض الأحيان إلى العنصرية الأوروبية، الأكثر إثارة كان تساؤل صناع السينما المصريين عن الفيلم الذي وجد توزيعه أخيرًا في آسيد، ولا يُنتظر أن يحقق نجاحات في قاعات فرنسا، قال أحدهم «إذا لم ينجح هذا الفيلم في فرنسا فأين سينجح؟»، ما يرّد على مشهد من الفيلم تتكلّم فيه البطلة عن عدم قبولها الزواج من شخص عربي، هي الغريبة تظن أن العربي أكثر غرابة عنها، ذكرّني التعليق بفيلم تسجيلي آخر، عرّبي هذه المرّة كان قد عُرض في شهر مايو/أيار الماضي ضمن فعالية سينمائية في المعهد الفرنسي أيضًا واسمه «على إيقاع الأنتونوف» للمخرج حجوج كوكا، فيه كان يُميز السودانيون أصحاب البشرة الفاتحة ضد هؤلاء بالبشرة الداكنة، كرّد فعل على مستوى أكبر من التمييز، وكأن التصعيب نفسه عملية من عدم التصديق المتبادل.