الوازع الأخلاقي الداخلي

حجم الخط
2

في سنة 1974 قامت فتاة روسية اسمها «مارينا ايراموفيك « بعمل تجربة أخلاقية اجتماعية في منتهى الغرابة بهدف التعرف على سلوكيات البشر عندما تتاح لهم فرصة الحرية بلا شروط ولا قيود ولا ضوابط أخلاقية وكانت تجربتها تتمثل في أن تقف لمدة 6 ساعات متواصلة كأنها تمثال وأن تضع بجانبها طاولة عليها سكين وسلاسل ومسدس وورود وأقلام وأشياء كثيرة، ووضعت لافتة مكتوبا عليها « إفعلوا بي ما تريدون» ووقفت صامتة كالصنم وكان معها فريق للمتابعة والتصوير من بعيد، وبدأت التجربة وتأملها الجماهير في الساعة الأولى بشكل حضاري وراق بشكل أعجبها جدا لم تكن تتوقعه كما قالت فيما بعد….
ووقفوا أمامها متأملين وتعمد بعضهم تكرار المرور للمتابعة ولحاجة في نفس يعقوب….. ثم حصل ما لم تكن تتخيله على الإطلاق وبدأ البعض في الممارسات التي لم تكن تتوقعها «مارينا « أبدا وعندما وجد الجمهور أنها لا تقوم بأية ردة فعل ابدا تجاه ممارساتهم ازدادت حدة الممارسات اللاأخلاقية وتطورت إلى أشكال عدوانية فقام الجمهور بتمزيق ملابسها وتعريتها بشكل شبه كامل وبعضهم خدشها بالسكين، وبعضهم كتب على جسدها بالأقلام وبعضهم طعنها بالقلم بقسوة، ومنهم من وضع السلاسل على رقبتها ووضعوا عليها الورود بشكل عنيف حيث الصقوا أشواك الورود ما بين جسدها وما بين السلاسل وجرحوا جسدها بأشواك الورود وبعضهم حاول طعنها بالسكين واحدهم سحب المسدس، وأراد ان يطلق النار على رأسها لولا تدخل احد المتابعين للتجربة والبعض تحرش بها وتجمهر حولها الناس بشكل لا أخلاقي وعدواني ولا إنساني وبمنتهى الشماتة وهم لا يعرفونها ولا يعرفون هدفها من كل ما يحصل…
وفجأة وبعد ست ساعات من الوقوف والصمود على كل تلك الممارسات تحركت لتلملم نفسها فهرب الجمهور بشكل غير متوقع ايضا وكأنها عقدة الذنب والخجل من النفس وكتبت «مارينا» ملاحظتها عن هذه التجربة وهي ملاحظة خطيرة جدا حيث قالت : « لقد صدمت من هذا المجتمع واكتشفت أن البشر الذين نتعامل معهم يوميا مهما اختلفت أعراقهم وأجناسهم عندهم استعداد لارتكاب افعال شنيعة لو اتيحت لهم الفرصة طالما ليس عندهم وازع أخلاقي داخلي وهذا ما يجعلنا نقول إن السلطة بحاجة إلى القوة دائما لتعزيز وجودها وإن الحرية لا يمكن أن تمنح بصورة مطلقة دون رادع او قانون او نظام او وازع أخلاقي داخلي».
وما يمكنني ان استخلصه من كل تلك التجربة هو كلمة «وازع أخلاقي داخلي»، ولو طلبوا منا ان نقوم بتقييم هذه التجربة فسوف نستهجن هذه السلوكيات وهذه التصرفات وكأننا لا نخطئ ابدا، وكأننا انبياء ومقدسون وكلنا سيهاجم ذلك المجتمع لأن تصرفاته مشينة وكأننا في مجتمعاتنا بلغنا درجة الكمال المطلق…. كثيرون اولئك الذين يعتقدون أنهم معصومون ولا يخطئون ابدا وأن كلامهم حق مطلق لا يقبل الجدل بل ويتفننون في انتقاد كل شيء حولنا؟
لماذا كل واحد منا يعتبر نفسه مقياسا للصلاح والتقوى ولا يرى عيوبه؟
لماذا لا نعترف بأخطائنا ولا نعترف أننا لا نمتلك الكمال الأخلاقي المطلق… لماذا لا نعترف أن الكمال لله تعالى فقط
وأن أحد أخطر أسباب مشاكلنا أن كل واحد منا يعتبر نفسه نموذجا وقدوة ولا يرى نفسه بموضوعية.
رائع جدا أن تكون قدوة ونموذجا طيبا ولكن هل أنت فعلا نموذج طيب؟ هل انت صاحب أخلاق طيبة فعلا؟
هل أنت تتبع الحق الذي قرره الله تعالى وأنزله من السماء أم أنك تتبع الحق الذي تعتقد أنت أنه حق؟
إن 90 % من الاحكام الشرعية الإسلامية تتعلق بالمال وبالنساء، وهذان الأمران هما أساس الأخلاق في المجتمعات كما أن ديننا الإسلامي نصفان… نصف عبادات ونصف معاملات…. ومعظمنا للأسف الشديد فاشلون في النصفين… فلا نجحنا في هذا ولا في ذاك فالكثير منا لم نعبد الله حق عبادته كما أمرنا… ولا نتعامل مع بعضنا بأخلاق ديننا الراقية.
إن من اخطر مظاهر الفقر الأخلاقي في مجتمعاتنا الوقاحة، فالمفروض على من يخطئ أن يعترف بخطئه وأن يعتذر وأن يحاول تصحيح أثر الخطأ، لكن المصيبة ان يخطئ البعض ويرفض الاعتراف بأنه اخطأ بل تبلغ به درجة الوقاحة أن يعتبر نفسه على الحق وهذا ما يطلق عليه البعض كلمة ( الكفر عناد ) لكنها الوقاحة بعينها فالعناد أحيانا كثيرة ايجابي ومطلوب ولولا عناد الشعب الفلسطيني مثلا في صراعه مع الاحتلال الصهيوني لذابت الهوية الفلسطينية منذ عقود، والمعروف عن ابنائنا المعتقلين في سجون الاحتلال عنادهم وروح التحدي التي تجبر السجان على الرضوخ لإنسان عنيد يضرب عن الطعام ويموت لأجل الحصول على الحرية… فالعناد المؤدي للانتصار والصمود هو شيء ايجابي في أحيان كثيرة… لكن الوقاحة هي المرض الذي يجب علاجه.
إن من أسوأ مظاهر غياب الوازع الأخلاقي الداخلي حاليا هو ما يحصل في عالم الانترنت والتواصل الاجتماعي حيث تحصل كل الخيانات وكل صور الخداع وكأنها وجبة سريعة وسهلة وكأنها حلال ومباحة… فلا حدود للتعبير ولا حدود للعلاقات ولا للتواصل.. فكل إضافة او متابعة من الجنس الآخر تعتبر عند كثيرين فرصة للاستثمار العاطفي وتمثيل دور المثالية فيما يمكن تسميته المشاعر الالكترونية (تماشيا مع التطور )… حيث تم تشويه مفهوم الحب الحقيقي وأصبح تبادل كلمات الحب والعشق في منتهى السهولة….. فلا رقيب ولا حسيب ولا وازع داخلي او خارجي من كلا الجنسين للأسف…
فالكل يبدو أنه شاعر مرهف الحس وينشر عذاباته وآلامه وكلماته الحساسة لجذب الانتباه ولكسب التعاطف وعندما تتواصل معه تعتقد أنه كاتب بارع وإمام مسجد ومفتي ومحلل سياسي وتدخل صفحته الشخصية فتفرح وينشرح قلبك لهذا الرصيد الأخلاقي النادر في صفحته وفي أول مواجهة او مقابلة مع ذلك الشخص تسقط كل الأقنعة ويظهر ذلك الشخص على حقيقته الكاذبة ويتبين لك واضحا الوجه الآخر الذي كان يخفيه… وتكتشف أنه كان يتستر بالفضائل…لهدف رخيص.
عار على الإنسانية أن نكون كذلك.. فالمفروض أن تكون أنت نفسك في كل مكان وزمان وفي كل وقت.. وأن لا تختبئ خلف اسم مستعار.. المفروض أن تكون صريحا وواضحا كما انت في كل مكان..
يجب ان يكون الوازع الأخلاقي الداخلي موجودا في كل مكان وزمان.
كن أنت أنت ولا تتقمص دورا غير دورك ولا صفات غير صفاتك، فالطيب لا تتغير صفاته أبدا أينما كان موقعه.

كاتب من فلسطين المحتلة

الوازع الأخلاقي الداخلي

أحمد لطفي شاهين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية