إسطنبول ـ «القدس العربي»: أين سيخوض تنظيم «الدولة ـ داعش» معركته الكبرى في سوريا؟ هذا هو السؤال الأبرز الآن في أوساط الجهاديين والتحالف الدولي ضدهم في آن واحد، لا سيما في ظل تسارع تقدم قوات الجيش السوري الحر بغطاء مدفعي وجوي تركي باتجاه مناطق سيطرة التنظيم غرباً والاقتراب من أبرز معاقله في «دابق» و»الباب» والعاصمة «الرقة».
وعلى الرغم من أن الرقة التي يتخذ منها التنظيم عاصمة له، كونها أكبر المحافظات التي يفرض عليها سيطرته الكاملة، يفترض أن تشهد «الملحمة الكبرى» يستبعد مراقبون أن يتساهل التنظيم في الدفاع عن مناطقه المحيطة وما تبقى له من مدن «إستراتيجية»، تفادياً لمحاصرته في الرقة، والقتال بدون خطوط إمداد في منطقة محصورة.
وفي هذا الإطار تتجه جميع الأنظار نحو مدينة الباب، التي توصف بأنها «العاصمة الثانية» للتنظيم في سوريا، والمدينة التي سحب التنظيم إليها قواته من مدينة منبج عقب هجوم قوات سوريا الديمقراطية عليها، ومن مدينة جرابلس عقب هجوم الجيش التركي، ما يعني أنها تحتوي على كم كبير جداً من قواته وأسلحته التي كانت تنتشر في تلك المناطق.
وبناءً على ذلك، تركزت التكـهنات طوال الأيـام الماضـية حول الوجهة المقبلة للقوات التـركية، ما إذا كانت مدينة الباب التي يسيطر عليها تنظيم الدولـة أم منـبج التي تسيطر عليها الوحدات الكردية. لكن حديث مصـادر تركية متعددة عن عدم الحصول على موافقة أو دعـم أمريكي لمهاجمة منبج وعن تواجد قرابة 300 عسكـري أمريكـي في المدينة، أخرج المدينة من الحسـابات وجعلها خارج دائرة الاستهداف خلال الفترة القريبة المقبـلة على أقل تقدير.
التسلسل السابق للأحداث والتحليلات، يُستنتج منه أن مدينة الباب ستكون الوجهة المقبلة لقوات الجيش السوري الحر الذي بدأ يتقدم بالفعل نحو أطراف المدينة بدعم بري وجوي تركي، بالإضافة إلى دعم جوي من طائرات التحالف الدولي، وصاروخي من قبل منظومة «هيمارس» للصواريخ الأمريكية التي بدأت بضرب مواقع التنظيم من الأراضي التركية.
لكن الدخول إلى الباب وتأمين المناطق الخلفية لا يتم بدون المرور عن منطقة «دابق» أو «سهل دابق» الذي يسيطر عليه تنظيم الدولة، ويعتبر بمثابة مكان هام جداً للتنظيم الذي يتخذ منه موقعاً رمزياً هاماً للتحشيد والتعبئة الدينية والعقائدية لعناصره، الأمر الذي يثير تكهنات كبيرة بأن التنظيم ربما يخوض معركة شرسة فيها.
و«دابق» هي قرية تاريخية تابعة لناحية «اخترين»، تتكون من سهل واسع إلى الشمال من مدينة حلب على مسافة 45 كم، وتبعد عن الحدود التركية حوالي 15 كم تقريباً وتتبع لمنطقة أعزاز، وقعت فيها معركة تاريخية كبيرة بين العثمانيين بقيادة سليم الأول والمماليك بقيادة قنصوه الغوري عام 1516م. انتصر فيها العثمانيون، ومنها دخلوا الوطن العربي حيث دام حكمهم له أكثر من 500 عام.
وفي آب/أغسطس 2014 سيطر التنظيم على المنطقة التي كانت تسيطر عليها قوات من المعارضة السورية التي قالت آنذاك إن التنظيم «استموت» في سبيل دخول المنطقة والسيطرة عليها.
وفي بداية العام الماضي، وعقب إعلان جون آلان، منسق التحالف الدولي ضد «الدولة»، أن هجوماً على الأرض سيبدأ ضد التنظيم قريباً، رأى التنظيم في التدخل البري تحقيقاً لـ «نبوءة» متوعدين بمعركة تاريخية فاصلة استناداً إلى ما يقولون إنه حديث نبوي تحدث عن «معركة آخر الزمان الفاصلة بين المسلمين وأعدائهم» في منطقة دابق شمالي سوريا، ويعتبرونها المنطقة التي ستشهد «معركة يوم القـيامة الأخـيرة بين الخـير والشـر».
ويعتقد عناصر التنظيم الذي اتخذ من هذه المنطقة مقراً له في شمال سوريا طوال الفترة الماضية حسب مصادر سورية أن البلدة ستكون بداية لتمدد التنظيم إلى باقي المناطق العربية وتركيا وصولا إلى الغرب، ويصف المنطقة بـ»مهد الفتوحات»، حيث يستغل التنظيم رمزية المنطقة في تحشيد وبث الحماس في روح مقاتليه، أي أنها منطقة تحمل رمزية معنوية لا عسكرية على الأرض.
كما أطلق تنظيم الدولة اسم «دابق» على مجلته الصادرة باللغة الإنكليزية والتي أطلقها قبل عامين من أجل التحشيد لمعاركه وبث دعايته في العالم الغربي ودعم عمليات تجنيد المقاتلين الأجانب، ويستخدم التنظيم مصطلح «دابق» في العديد من إصداراته المرئية وعمليات الإعدام والتهديدات الموجهة إلى التحالف الدولي.
ويبدو أن تركيا وضعت في حساباتها هذا الأمر، حيث تقول مروة شبنم أوروتش في مقال لها بصحيفة «يني شفق» الثلاثاء: «يُظهر تنظيم داعش مقاومة شرسة ضد قوات الجيش الحر وجيش سوريا الديمقراطي مع كل شبر يتقدمون فيه نحو سهل دابق الذي يفصله عن أماكن تواجد قواتنا الحالي فقط 10 كم، ويمثل هذا السهل أهمية كبيرة جداً لدى التنظيم الذي يعتقد بأن الملحمة الكبرى المرتبطة بمعارك آخر الزمان ستحدث فيه، وهو كذلك يبني آيدولوجيته على هذا المكان والأحاديث الواردة فيه»، مضيفةً: « تقدم قوات الجيش الحر المدعوم بالقوات التركية نحو المدينة ومحيطها سيُقابل بمقاومة شرسة قد تزيد من الفترة المقدرة لعمليات درع الفرات».
والثلاثاء، قالت وسائل إعلام تركية إن إجمالي القرى التي تم السيطرة عليها منذ بدء عملية «درع الفرات» بلغ 98 قرية، وأن الجيش التركي بات على بعد 12 كيلو متراً من أطراف مدينة الباب، مشيرة إلى أن الجيش كثف ضرباته المدفعية والصاروخية في محاولة لإضعاف التنظيم وتجنب وقوع خسائر بشرية مع التوقعات الواسعة بأن التنظيم سيبدي مقاومة شرسة في هذه المناطق.