يتبين مجددا أن القطارات واليهود لا يتفقان بشكل جيد. لأنه عندما تتحدد الهوية القومية اليهودية للدولة من خلال منع الاعمال في يوم السبت وتُقاس بعدد المحلات التي تكون مفتوحة في تل ابيب في ايام السبت، وحين يتبنى المواطنون اليهود هذه المعايير لتعريف هويتهم، يُطرح السؤال إذا كانت هناك حاجة للدولة أصلا، التي مبرر وجودها القومي هو الحفاظ على حرمة السبت على اعتبار أنه جوهر يهوديتها.
اذا اعترفنا بالحقيقة، فإن السبت في الدولة اليهودية ليس مقدسا. فهو يوم سياسي، يهودي مقدس. ففي يافا مثلا تكون جميع الحوانيت مفتوحة، وايضا في الناصرة. لأن هذه المدن ليست جزءا من الدولة اليهودية. وتتوقف القداسة اليهودية على أبوابها. والجزء اليهودي في قانون ايام العمل والعطل لا يسري عليها. وهو لا يسري عليها وحدها فقط، فآلات اليهود يعملون في ايام السبت بناء على أذونات خاصة أو من غيرها، مثل الحوانيت وملاعب كرة القدم والمطاعم وعمال آخرون دون ازعاج تقريبا، أو أن النتيجة لذلك تكون دفع غرامة مالية.
الأمر الذي أدى إلى غض النظر عن متجاوزي القداسة هو «الوضع الراهن» الذي أوجد البديل للسبت. إلا أنه في نفس الرسالة التي أرسلها دافيد بن غوريون في عام 1947 لقيادة اغودات يسرائيل من اجل الحصول على الموافقة لاقامة الدولة اليهودية. ولم يتم ذكر أي شيء عن منع تجاوز حرمة السبت. وجاء في الرسالة أن السبت سيكون يوم عطلة لليهود. منع الاعمال في سكة القطار يوم السبت؟ منع المواصلات العامة؟ اغلاق المحلات؟ لا يوجد أي شيء كهذا في رسالة التفاهمات التي منحها الوزير زيرح فيرهافتيج اسم «رسالة الوضع الراهن».
إن اتهام بنيامين نتنياهو بتحطيم الوضع الراهن هو أمر مضلل. لأنه ليس هناك ما يحطمه. ورسالة بن غوريون لم تكن أدبا مقدسا أو بندا في الدستور، بل كانت ترتيبا سياسيا غير مُلح. ونبعت من حاجة سياسية غير حقيقية بالفعل. إن نتنياهو فعل ما كان سيفعله أي زعيم في مكانه. الحريديون ايضا ليسوا مذنبين. فقد قاموا بالضغط في المكان الذي كان أي سياسي آخر سيضغط فيه. كما أوضح ثيودور روزفلت هذا جيدا، «اذا أمسكتهم من خصيّهم، فإن العقل والقلب سيأتيان في أعقابهما». السبت، في ذلك الحين والآن ايضا، هو في نهاية المطاف لعبة بكرة قماش يلعب بها المجتمع في يوم السبت. حيث يجب ادخال هدف، مرة على سكة القطار ومرة في مدينة تل ابيب.
فجأة، يهود جيدون مثل اولئك الذين لا يحافظون على حرمة السبت والاعياد، لكنهم يصوغون قوميتهم من وجود الدولة اليهودية، ويلاحظون فرص تحطيم الوضع الراهن الذي تلاشى منذ زمن، يعتقدون أنه إذا كان نتنياهو قد أخل ظاهريا، فإن هذا من حق العلمانيين ايضا. يوجد هنا شرك خطير. لأنه إذا كانت النية هي الاستجابة للعلمانيين فإن الوضع الراهن الاصلي هو في صالح اليهود العلمانيين. فهو لا يسمح فقط بالتعدي على حرمة السبت، بل ايضا يلزم بتعلم الامور الخلافية «في التيار المستقل» الحريدي، لكن التضليل الذي يتبنى تعريف الدولة على أنها دولة يهودية، على فرض أن هذا التعريف سيمنح الشرعية العليا للوجود القومي، يمنح في الأصل صلاحية عليا لحكماء الدين كي يحددوا ما هي اليهودية الصحيحة. ومن هنا تحديد ما هي الدولة اليهودية الصحيحة.
إن حلم التمرد المدني العلماني هو تسلية محببة، لكنه لا يفيد. لأن العلمانيين الذين يريدون حوانيت مفتوحة في يوم السبت لا يمكنهم في نفس الوقت تبني تعريف الدولة على أنها دولة يهودية. انطلاقا من معارضتهم للفرض الديني يُطلب منهم تبني تعريف الدولة كدولة مدنية تستمد صلاحياتها من المواطنين وليس من الله. ومستعدة لمنح تسهيلات مدروسة للمؤمنين الراديكاليين، لكن شريطة عدم فقدان جوهر رسالتها كدولة مدنية. كم من العلمانيين بالفعل سيكونون مستعدين لتجاوز هذا الحاجز؟.
هآرتس 7/9/2016