الباحث باسو أوجبور: الأمازيغية تحتاج إلى دعم عادل في الثقافة المغربية

الرباط ـ «القدس العربي» : الباسو أوجبور أديب وفنان عصامي مغربي، ينتمي إلى منطقة «إملشيل» الساحرة الواقعة في جبال الأطلس الكبير (جنوب شرق) حيث تلقى تعليما دينيا في غياب أي مدرسة نظامية. يكتب أشعارا باللغتين العربية والأمازيغية، فأصدر ديوانين «همسات القمر» و«أزهار القمم»، ويبحث في الثقافة والتراث، إذ شارك في كتاب «إملشيل الذاكرة الجماعية»، وساهم في جمع الأمثال الأمازيغية. علاوة على كونه معروفًا بمزاولة التنشيط الثقافي والفني والعمل التطوّعي في إطار الجمعيات.
«القدس العربي» التقته، وأجرت معه الحوار التالي:
■ ما سر هذا التعدد في الاهتمامات لديك: شعر، تنشيط ثقافي، غناء وإنشاد، عمل اجتماعي وجمعوي؟
□ أشعر بسعادتي في كل ما أقوم به، وأرى أنه من الواجب علينا أن نساهم بكل ما نستطيع القيام به. لو كنت أعرف الموسيقى وأتقن البيانو لعزفت قطعا كلاسيكية لأشهر الموسيقيين حتى تكتمل سعادتي. لو كتب لي أيضا أن أعرف شيئاً من الهندسة لوضعت تصميماً لبيت بيئي متميز توجد صورته جاهزة في مخيلتي.
■ لديك اهتمام كبير بالثقافة الأمازيغية، كيف تقيس واقعه اليوم في المشهد الثقافي المغربي؟
□ أجد في الثقافة الأمازيغية إرثاً حضارياً يتجلى في ما تعلمناه من أجدادنا من قيم نبيلة قائمة على محبة الناس، بغض النظر عن اللون والعرق والدين. ألاحظ عند أهلنا إكرام الغريب، ومخاطبة الوافد بحسن القول ونعته بأفضل الصفات، فكيف لنا أن لا نهتم بهذه الثقافة؟ أما واقعها في المشهد الثقافي المغربي، فأعتقد أنه يحتاج لدعم عادل معقول، لمحو الصورة النمطية التي جعلت الأمازيغية عند من يجهل حقيقة حضارتها مبعث اشمئزاز وليس اعتزازا. كما أن الأمازيغية صارت وسيلة في يد مَن يستغلها لضمان التوازن بين القوى السياسية المضادة داخل المغرب، ومَن يستعملها لأغراض جيوستراتيجية خارج الوطن.
■ تهتم أيضا بمنطقة إملشيل، المرتبطة بموسم الخطوبة وأسطورة «إسلي وتيسليت»، ما هي الأبعاد الأنثروبولجية والتنموية لهذا الاهتمام؟ وهل وجد صوتك صداه لدى الجهات المسؤولة؟
□ أهتم كثيرا بمنطقة إملشيل لأنها بلدتي ومسقط رأسي، فكيف لا أهتم بأرض خلقت من أديمها؟ أعتقد أن مَن لا يزور قريته أحيانا ويساهم في نهضتها ولا يعرفها في بؤسها وأحزانها سوف يتخلى حتى عن عرقه وجنسيته لو تعرض وطنه لأزمة شديدة لا قدر الله. أما موسم الخطوبة وأسطورة «إسلي وتيسليت»، فتلك صورة تخفي خلفها الكثير من الصور الإنسانية الراسخة في علاقة الرجال بالنساء، فمثلا في تلك المناطق من الأطلس الكبير يسمح للعزّاب والعازبات بالتواصل والتعارف تمهيدا للزواج في جو من الحيادية الأبوية، كما أن الارتباط الزوجي لا يكلف غير الوفاء والإخلاص. إذا اقتنعت الفتاة بالفتى وافقت على الزواج من دون قيد أو شرط، لا تكلفه مجوهرات أو ذهب، والذهب أصلا لا يباع في هذه المنطقة على عكس جميع مناطق المغرب، إذ يُعتبر محرّما وممنوعا، والآباء يعظون بناتهم بأن يصبحن جوهرا لا أن يتجملن به. لكن التضليل الإعلامي ساهم في سوء فهم الزوار لثقافة «آيت حديدو»، حتى بات الكثير من الناس يعتقد أن الموسم سوق تباع فيه النساء. بعض السذج يؤمنون بأنهم سوف يشترون كواعب أترابا بثمن الخراف! لا يفهمون أن تلك العفيفات لا يكترثن للذكورة بقدر ما تهمهن الرجولة بمفهومها الرمزي. البعد الأنثروبولوجي لدى قبيلة «آيت حديدو» المتميزة يكمن في العديد من العادات والتقاليد، ومن بينها الزواج المبكر الذي يُرجى منه صون العرض وتحمّل الشباب للمسؤولية لضمان السلم العائلي والسلام الاجتماعي.
أما صدى صوتي لدى الجهات المسؤولة، فأرى أن صرخة سكان جبال الأطلس بالأمس تجد الصدى فقط لدى صخور الجبال التي تعيده فتمتصه الأودية والغابات. لكن اليوم وبفضل التكنولوجيا المعلوماتية يمكن أن يصل الصدى إلى ما وراء الحدود. إن من يهمني أن يصله صدى صوتي هو المواطن المغربي الذي يتميز بغيرة وطنية وذاك هو المسؤول الحقيقي، فالزي الرسمي والصفة الحكومية وحدها لا تعني الروح الوطنية.
■ اشتهرت بتجوالك في العديد من الأقطار العالمية؟ فيمَ أفادك هذا السفر، إنسانيا وثقافيا وإبداعيا؟
□ في سعادتي أولا، لأنني أجد متعة كبيرة في التواصل والتلاحم مع الأمم الأخرى. كما أتاح لي نقل ثقافة بلدي إلى الكثير من الأقطار والمساهمة في إشعاعها وتقاسمها مع الشعوب المختلفة. أظن أن القراءة والمطالعة وحدها لا تكفي لسبر أغوار الحضارات القديمة والجديدة. أود أن أرى بعيني وأسمع بأذني صوت المتحدث وهو يحكي عن ثقافة أخرى ودين مختلف. يروقني أن أحس بمن يخاطبني، وأسعد بالإصغاء للآخر بروحي لا بجوارحي فقط، عسى أن أستنبط منه ثقافة مغايرة تفيدني، فأفيد بها عائلتي وقبيلتي واقتسمها مع القراء الاعزاء. في المقابل، أشعر بانتعاش فريد كلما أتيحت لي فرصة التحدث عن حضارة وخصوصية الثقافات المغربية، فألاحظ إعجابا وشوقا في عيون المستمعين. كم من سؤال يتقاطر عندما أتحدث إلى الأوروبيين عن الفلسفة الروحية للمغاربة وتجلياتها في بساطة العيش ونكران الذات من أجل الغير، وأستدل بخلوّ الساحات العمومية من التماثيل التي تمجد المادة بالملموس، لأن الروح المغربية العميقة تمجّد فعل الخير وحسن الصنيع وليس الأسماء والأشخاص. حتى بعض الدول العربية والاسلامية مجدت أشخاصا وجسدتهم بالتماثيل في القرن العشرين وسط ساحات عمومية. أما فيمَ يفيد السفر، فهو يساعدني على العثور على أناس يجعلونني أغطس في عالم ما وراء الإدراك، الذي حُذِف منه البعد الزمني، مما يساعدني كذلك في الميدان الإبداعي والثقافي.
■حسنًا، ما جديدك الإبداعي؟
□ العمل على إصدار ديوان شعري جديد يتضمن سبع قصائد بالأمازيغية وترجمتها إلى العربية موازاة مع نسخ كتاب أنثروبولوجي سوسيولوجي عن عادات وتقاليد قبيلة «آيت حديدو» في إملشيل.

الباحث باسو أوجبور: الأمازيغية تحتاج إلى دعم عادل في الثقافة المغربية

طاهر الطويل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية