تأجيل لأجيال

حجم الخط
1

مرت سنة بالضبط منذ بدأت موجة الإرهاب الأخيرة، التي هي من أخطر ما شهدناه في السنوات الماضية. وكانت ذروتها في شهر تشرين الاول الماضي، ومنذئذ تواصل ميل مواظب من الانخفاض في كمية العمليات والإرهاب الشعبي، والتي عادت إلى المستوى الذي كان سائدا قبل رأس السنة العبرية الأخير.
ولكن الظاهرة لم تختف تماما، وفي الجيش الإسرائيلي يخشون من أن تكون اعياد شهر تشري العبري المقتربة كفيلة بأن تعيد اشعال أجواء العنف مرة أخرى. أما في هذه الاثناء فيبدو أن السلطة الفلسطينية قررت بحكمة تأجيل الانتخابات البلدية التي كانت تنطوي على امكانية كامنة للمواجهة بين فتح وحماس وفي داخل فتح ايضا.
ما الذي رأيناه في السنة الماضي في واقع الحال: منذ قتل الكسندر ليفلوفتس، رحمه الله، في عملية الحجارة في عشية رأس السنة الماضي، شهدنا 235 عملية خطيرة، نحو نصفها كانت عمليات طعن.
وقتل في هذه الأحداث 40 شخصا فيما قتل اثنان آخران بالخطأ ونفذ موجة الإرهاب هذه نحو 300 مخرب، كلهم تقريبا من يهودا، السامرة ومن شرقي القدس. والباقون من إسرائيل. 120 من المخربين صفوا في اثناء العملية أو الاعتقال. والقلائل منهم فقط كانت لهم صلة ما باحدى منظمات الإرهاب المعروفة.
كان هناك من حاول تصنيف موجة الإرهاب كانتفاضة ثالثة (انتفاضة حملة السكاكين الافراد). خبرت الانتفاضتين السابقتين على جلدتي، وكانتا حدثين مختلفين من حيث الجوهر، ولكن ما كان مشتركا بين 1987 و 2000 هو حقيقة أن في كلتيهما وقفت الاغلبية المطلقة من المجتمع الفلسطيني ضدنا. هذا، مقابل احداث السنة الماضي، والتي وقفت فيها اغلبية المجتمع الفلسطيني جانبا، مجدت المخربين، ولكنها لم تنضم اليهم.
بدأت العمليات في اعياد تشري في شرقي القدس، حين كان الحرم هو العامل المثير للهياج. ومن هناك انتشرت إلى الخليل والى مفترق غوش عصيون، بنيامين، مفترق تفوح ومنطقة ارئيل. نحو 75 في المئة منها كانت موجهة ضد قوات الامن، ولكن تلك التي وجهت ضد المواطنين كانت فتاكة اكثر. في الخلفية انتشرت أعمال اخلال بالنظام ومواجهات مع الجيش الإسرائيلي، هي الاخرى اخذت في الخبو منذئذ.
من تشرين الاول من العام الماضي، حين اصبح الإرهاب يوميا، الصق الجيش الإسرائيلي بها اسما خاصا هو «عظمة الساعة». في ذروتها، اجتذبت الاحداث نحو ثلثي حجم قوات الجيش الإسرائيلي إلى المناطق. ولكن مع مرور بضعة اشهر من الانخفاض الثابت في عدد العمليات، اعلنوا في الجيش في نهاية اذار بأن احداث «عظمة الساعة» انتهت.
طبيعة الاحداث هي الاخرى تغيرت. فقد كانت في البداية أساس ما سمي بـ «عمليات الالهام» ـ شبان من ابناء 15 ـ 25، ممن نجا بعضهم من العملية، رووا لدى التحقيق معهم بأن مشاهدة وسيطة إعلامية ما هي التي دفعتهم للعمل. وقد تأثروا بقدر أقل بوسائل الإعلام الفلسطينية وبقدر أكبر باجواء العنف الاقليمية التي يبثها داعش والمنظمات الإسلامية في سوريا وفي العراق.
في الاشهر الاخيرة، إلى جانب الانخفاض في عدد العمليات تتغير أيضا صورة المخربين. فقد باتوا أكبر سنا قليلا (25 ـ 28)، وارتفع عدد النساء في اوساطهم، وعنصر الازمة الشخصية في قرارهم لتنفيذ عملية اصبح اكثر سيطرة. وهم بالاساس أناس يبحثون عن مخرج من الاحباط الشخصي، وخيار التحول إلى شهيد، الذي تدعم عائلته اقتصاديا ويحظى باعتراف اجتماعي بدا لهم افضل من حياتهم.
نحن نلتقي خلايا اطلاق نار محلية: اثنان ـ ثلاثة اصدقاء من القرية، يحصلون على السلاح ويقررون القيام بعمل ما. لمعظمهم لا توجد أي منظمة تقف خلفهم. وهنا عمل الجيش الإسرائيلي ضد منتجي السلاح هو عمل حرج. فبعد الاجتياح لـ 29 معمل ينتج الرشاش الشعبي، كارلو، فهم اصحاب المخارط بأنه من المجدي لهم ان يستوضحوا مع الشارين ما الذي يعتزمون عمله بالسلاح. وفي اعقاب الاقتحامات والاعتقالات ارتفعت كلفة الكارلو في المناطق من 1.500 شيكل إلى 4.000 شيكل، وبات هذا مبلغا يشكل عائقا أمام الكثير من الشهداء المحتملين.
في الأشهر الاخيرة طرأ ايضا في مكانة الشهيد. صحيح أن عائلته تبقى تحصل على مخصص سخي من السلطة الفلسطينية وفي الغالب من حماس ايضا، ولكن الجمهور الفلسطيني بات يتأثر أقل بالشهيد الدوري، الذي في معظم الحالات يصفى قبل أن تمس سكينه بأحد.
لقد فهم الجنود الذي يخدمون في المناطق منذ زمن بعيد بأنه محظور عليهم أن يسمحوا للفلسطيني أن يصل إلى مسافة الطعن منهم. ومشكلة إسرائيل الان هي خلايا اطلاق النار ـ اكثر من 20 عملية اطلاق نار نفذت في السنة الماضية لا يزال لم يحل لغزها. وهذا يعني انه لا يزال هناك عدد من الخلايا المسلحة التي توجد في الميدان، ومعظمها في منطقة بنيامين.

بعد الاعياد

مقابل الميول الايجابية، توجد رزنامة السنة مع بعض المواعيد التي لا تبشر بالخير. فأعياد تشري هي دوما فترة حساسة فيها ميل لتعاظم العنف، وبالتوازي يأتي موعد قطف الزيتون في المناطق الذي يبعث هو ايضا على الاحتكاك. وفضلا عن ذلك، فإن قرار المحكمة الفلسطينية تأجيل الانتخابات البلدية كفيل بأن يتسبب باحتكاكات بين حماس وفتح.
عندما قررت السلطة اجراء انتخابات للسلطات المحلية في شهر تشرين الاول لم يتصوروا أن حماس جاهزة او معنية بالمشاركة في هذه الانتخابات. ولكن حماس فاجأت وسارعت إلى طرح سلسلة من المرشحين، يزعم ان بعضهم يتنافسون في الانتخابات بشكل مستقل. وأمامهم وقفت فتح مفككة أكثر من أي وقت مضى: من جهة ابو مازن، الذي يتصرف كمن لم يصل له البلاغ عن وفاته، ومن جهة اخرى محمد دحلان الذي يتجول في المناطق مع دفتر شيكات إماراتي، ويبعث إلى الحياة كتائب شهداء الاقصى في مخيمات اللاجئين.
واضح للجميع انه لو اجريت الانتخابات للسلطات المحلية لكانت تدربا عاما على مواجهتين كبريين: الانتخابات العامة للسلطة الفلسطينية وانتخاب الزعيم التالي لفتح.
المصلحة الإسرائيلية هي التقليص قدر الامكان لنفوذ حماس في المناطق، وعدم رؤية رجالها ينتخبون لرئاسة بلديات رام الله، نابلس والخليل. فهذا سيجعل صعبا جدا التعاون في هذه الاماكن. ولكن بدلا من مساعدة من عمل في السنة الاخيرة بنشاط على تقليص الإرهاب الفلسطيني ـ فإن وزير الدفاع يصف ابو مازن المتعثر كـ «التهديد قم 1» على إسرائيل.
ابو مازن ليس صهيونيا، ليس مؤيدا لإسرائيل ومثلما كشفت هذا الاسبوع الصحافية اورن نهاري ـ ليس له ايضا مشكلة للعمل في صالح جهاز استخبارات اجنبي. هو زعيم فلسطيني رفض حتى الان العرض الإسرائيلي الاكثر سخاء الذي يعرض على شعبه في أي وقت من الاوقات. مشكوك جدا أن يكون شريكا للسلام، ولكن خلافا لسلفه تجرأ على أن يشجب الإرهاب علنا، اكثر بكثير من مرة واحدة. وهو لا يتردد في استخدام قوات الامن لديه كي يمنع العمليات في إسرائيل. ليس انطلاقا من محبتنا بل اعترافا بأن الإرهاب لا يخدم الكفاح الفلسطيني.
مشكوك أن يكون بديل ابو مازن اكثر ودا. ومعظم الاحتمالات هي أن يكون العكس. ولكن سلوك إسرائيل يثير الشك في أن الحكومة الحالية تفضل أن ترى حماس تسيطر على المناطق. فشبكة إرهاب لحماس في يهودا والسامرة ستجبي ضحايا إسرائيليين أكثر ولكنها ستسمح لإسرائيل بأن تتمترس مرة اخرى في احساس الضحية الحميم، وتوفر على الحكومة التصدي لمسألة مستقبل المناطق.
ان السلوك الإسرائيلي المسؤول، مثلما بدا في معظم السنة الماضية، ولا سيما حول الحرم، يمكن ان يساعدنا في ان نجتاز الاعياد بسلام.

ألون بن دافيد
معاريف 9/9/2016

تأجيل لأجيال

صحف عبرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية