الكون تحت مجهر التأويل

لا تنحصر وظيفة التأويل في عملية الوصف والتعيين، كما لا تنحصر في إسقاط دلالة نهائية على النص، أو في اعتباره محض تفسير جديد، ينضاف إلى غيره من التفسيرات المتداولة.
ولكنها إلى جانب هذا وذاك، تتضمن العمل بمستوىً متقدِّم من مستويات تفعيل النص، كي يتجاوز حدوده الدلالية المرسومة سلفا إلى آفاق أكثر رحابة، وذلك بالنظر إلى مساهمتها في توليد دينامية مضافة، داخل الإيقاع الدلالي العام، الذي يتفاعل فيه جُماع ما يمتلكه النص من مكونات، بما يعني، إسناد وظائف محايثة للوظيفة المركزية والمباشرة، التي تضطلع بها رسالته، وهي الوظائف التي تؤثر في إسناد أدوار إضافية إلى آلية اشتغاله، كما تؤثر في الارتقاء به من سكونيته، إلى أفق اندماجه في دينامية ذات مرجعية تأويلية، موسومة بتعدديتها المنفتحة، على أنساق دلالية مغايرة، متميزة بقابليتها الطبيعية للتفاعل والتكامل، المنتجين لاحتمالات أكثر من قول، وأكثر من معنى.
وبقدر ما يساهم تعدد الوظائف والتموضعات النسقية، التي يقترحها علينا الفعل التأويلي، في إغناء الخصوصية الدلالية للنص، بقدر ما يؤدي الى إنتاج بنيات مضادة فيه، حيث يصبح النص ذاته، قابلا للدخول في حوار تطابقي، أو تناقضي، مع ما يتضمنه من دلالات. وهنا تحديدا، تتجسد الأهمية الإجرائية للآلية التأويلية، بالنظر لانفتاحها على احتمالاتها، المتمثلة في إمكانية ممارستها لأدوار متشعبة، تنزاح بالنص من مساراته المتواضع عليها سلفا، مما يؤثر حتما في إثراء هويته، حيث يمكن القول، إن التأويل يتميز عموما بدوره المركزي، في قلب مسار الدلالة، وفي تحويل مسارات الخطاب، بفعل ما يزخر به من إمكانيات لاقتراح مقولات مغايرة، يكون لها تأثيرها الجذري، في تفكيك الكثير من المنظومات، وأيضا في إحداث تغييرات جذرية على الأنساق المعرفية، التي يتم على ضوئها، إعادة ترتيب إواليات القول، الفهم والتفسير.
وتحضُرنا في هذا السياق، نماذجُ أساسية من نماذج التأويل، خاصة منها المقترنة بتدبير شروط حضور الذات – فردية كانت أو جماعية – في فضاءاتها الخاصة والعامة، باعتبار أن كل مبادرة تدبيرية تقوم بها الذات، تقتضي توافر كفاية تأويلية، تكون سندها المركزي، في اتخاذ ما ينبغي اتخاذه من مواقف عقلانية متواضع عليها، في شأن ما تطرحه القضايا السياسية، أو الحضارية من إشكاليات، باعتبار أن العلاقات القائمة بين الذات ومحيطها، تنبني على مبدأ تبادل القناعات، وتَشارُك الغايات، فضلا عن الأهمية القصوى التي ينبغي إيلاؤها لمبدأ الاحترام المتبادل، في كل ما له صلة بالاختيارات العامة، من دون الإضرار بمصالح الآخرين.
وفي الإطار نفسه، يندرج التأويل الذي يمتلك طبيعة مؤسساتية، قوامها ضبط البنود المعتمدة في توجيه حركية السير العام لحياة المجتمعات، ضمن سياق تاريخي محدد. وهو التأويل الذي يكون معززا بسلطته المؤسساتية، في أفق تحويل مادته إلى منتوج، مُعَدٍّ للتداول العام والمشترك، بالنظر إلى اندراجه ضمن قوانين الضرورة الاجتماعية، الاقتصادية أو السياسية، التي ترى في تَبنِّيه من قِبل الفضاءات العامة والخاصة، واجبا «وطنيا»، يتم على ضوئه تقييم روح الأفراد والجماعات، وتقييم مستوى انتمائهم «للضمير الجمعي»، بمعنى أن المؤسسة، وتبعا لما تمتلكه من سلطة تأويلية، تتحمل مسؤولية ترسيخها وتعميمها للمنتوج المُؤوَّل من قبل أجهزتها، المكلفة عادة بمهام تصنيع الخطابات الثقافية والسلوكية، وكذا بوضع خطاطات لنماذج الوعي والتفكير المستقبلية، كي تكون جاهزة للتداول المجتمعي، وقابلة لأن تتحول الى أعراف، والى قيم حضارية، وعادات معتمدة في التعايش اليومي، حيث تضطلع سلطة التأويل، بدور مباشر في حسم القضايا الخلافية، وفي تحقيق الإجماع، كما في تعميق الخلافات والتناقضات، تبعا لطبيعة الأهداف المتوخى تحقيقها، وبلوغها من قبل المؤسسة. وهو ما يضعنا في قلب صراعات تأويلية دائمة، قائمة بين مسارات المركز ومسارات الهامش، بين المستقبلي منها والماضوي، وبين الثابت والمتحرك، حيث تمتلك كل منهجية تأويلية، رؤيتها الخاصة بها، ومرجعياتها وانتظاراتها، التي يمكن أن تقوم بوظيفة بنائية، كما يمكن أن تقوم بوظيفة تخريبية، إذ ليس ثمة من تأويل مهادِن وبريء.
ولعل الحاجة إلى التأويل، تكمن في تلك الحالات المصابة بنضوب مَعِينِ الرؤية والتخييل الذاتي، حيث تتقلص مساحة التعرف والتفكيك والتركيب، المندرجة معا ضمن إواليات الرؤية التأويلية، كما تنجاب حكمةُ إلحاقِ ظاهرة ما، بأي من مؤشراتها القبلية، في ظل تلقٍّ ثابت، يكتفي بتبني وجهة نظر أحادية ونهائية، تصرفه عن التفكير في اقتراح دلالات أخرى محتملة، قد يكون لها دورها المؤثر في بلورة خصوصية الإشكال المعنِيِّ بالتأويل. لأن تحرر التلقي من سلطة الدلالة الأحادية، يفيد أيضا، حضور دعوة ضمنية للمساهمة في إعادة عملية بناء الإشكالات النصية، وهي العملية التي يمكن أن تكون موضوع تحفظ، كلما تحولت إلى أداة لإجبار الآخر، على تبني مواقف تتنافي مع قناعاته واختياراته، حيث سيكون علينا من أجل تفاديه، تبني حزمة من الاحتمالات التأويلية، التي من شأنها أن تجدد نظرتنا لنصوص الكون، تبعا لما يترتب عنها من استنتاجات مغايرة، تترك الباب مفتوحا، أمام مختلف القراءات التي تساهم في إضاءة هوية الدلالة، وفي الكشف عما خفي من أبعادها، بمعنى العمل على تنشيط الثراء الدلالي الذي توفره الدينامية التأويلية، بالاستفادة من جمالية الفهم والتعرف الكفيلة بإضاءة السبل المفضية إلى الدلالات النصية، وانسجاما مع طبيعة النسق المندرجة فيه. بمعنى أن المقاربة التأويلية ستكون معنية بإضاءة أهم المسارات الثقافية والتاريخية، والمجتمعية المحتملة، التي قد تكون بشكل أو بآخر، سببا في تشكيل ملامح الظاهرة المعنية بالمقاربة. والحديث هنا عن المسارات المحتملة، هو حديث عن منعطفات، وأخاديد وأنفاق دلالية، بشقيها المعرفي والوظيفي، لأن عملية تمييز نسق دلالي، عن غيره، تقتضي التعرف على مجموع العناصر المساهمة في إنتاجه، بما ظهر منها وما خفي. علما بأن التأكيد على العمق الاحتمالي لمسارات الدلالة، يتضمن أيضا، التأكيد على الإستراتيجية التي تعتمدها المكونات التأويلية، في هندسة وبناء النسق النصي، وهو ما يسمح بإمكانية الاهتداء إلى البنيات الثانوية والجوهرية، الفاعلة في إنتاجه، لأن عدم توخي الدقة في تمييز خصوصية نسق ما عن غيره، قد يؤدي إلى اختلاط الأنساق، واختلاط الاحتمالات، التي يتعذر معها القيام بأي ممارسة تأويلية، مع التذكير بأن إلحاحنا على ضرورة هذا التمييز، لا يعني الفصل التام والجذري بين محتمل دلالي وآخر، بقدر ما يعني مباشرة فصلا تقنيا، من شأنه التمهيد لمرحلة دَمْجِ الأنساق الدلالية في بعضها، دمجا تفاعليا، بما يساعد على إنتاج بنيات جديدة، تنصهر فيها مقومات الاختلاف والائتلاف، ضمن شروطها التاريخية، المؤثرة في تبلورها. بمعنى أن عملية بناء الأنساق تستند إلى مرجعية تقنية صرفة، تحتاج الإحاطة بها، إلى غير قليل من الخبرة والدُّربة، والمعرفة العميقة بأسرار آليات اشتغال الدلالة، من منطلق الاقتناع بموضوعية تداخل الأنساق باحتمالاتها، التي يتعذر على القراءة المتسرعة والأحادية، التقاط تفاصيل ما يتفاعل فيها من مكونات.
ضمن هذا السياق، يمكن الإشارة إلى مصدر المغالطات الكبرى، التي يحدث أن تقع فيها الكثير من المقاربات التأويلية، خاصة منها، المتعلقة بمعالجة القضايا الشائكة، ذات الطابع العقدي، أو الفكري، بناء على تعدد مستويات التلقي، التي تقتضي الإحاطة بالأبعاد النظرية الموظفة في صياغة المفاهيم، فضلا عن التمكن من آلية اشتغال الوحدات المعجمية، والنظمية، حيث لا يمكن أن تغامر المقاربة بالاقتصار على تأويل، مستمد من استنتاجات يتيمة، غير مؤهلة للصمود أمام اختبارات القراءة التفكيكية، التي تمتلك قدرتها على طرح بدائل موسومة بالتعدد والاختلاف. ومن المؤكد أن هذه المغالطات، تؤثر سلبا على صيرورة تاريخ الأفكار والأشكال الإبداعية، الذي يعاني من بياضاته ومن أعطابه، بسبب اقتصار عملية تأويل الخطاب على إبدال ثابت، لا يتجاوزه إلى غيره. وهي أخطاء قد تكون نتاج ضيق حقيقي في أفق البحث، كما يمكن أن تكون مبيتة وموجهة، بغايات ومقصديات آثمة. والخطآن معا، يتكاملان في إنجاز لعبة تحريف مسار التأويل، وإرباك منهجيته، خاصة بالنسبة للخطأ المبيت، الذي يمكن اعتباره جريمة ثقافية بكل المقاييس، لأنه يلح، وعن سبق إصرار، على تمرير رسالة ذات حمولة دينية، فكرية أو إبداعية، بشكل جد تحريفي، متعمدا إغفال كل الاحتمالات الموضوعية، والممكنة، من أجل بلبلة انتباه التلقي وتشتيته، كي يظل مقيدا بوجهة نظر جاهزة، وأحادية المسار. وهو توجه، لا تسلم منه حتى النخب الحريصة على ارتداء جلابيب الحداثة، من أجل إغراء التلقي، بتبني تأويلها المُبَيَّتِ لظاهرةٍ ما، قد تكون إبداعية، فلسفية، أو ثقافية، في القول، كما في التأويل.
شاعر وكاتب من المغرب

الكون تحت مجهر التأويل

رشيد المومني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية