«حتّى إشعار آخر»: قصة القضاء العسكريّ في لبنان

حجم الخط
0

في 14 أيلول/ سبتمبر 2011، في شقّة مفروشة من شقق منتجع بحريّ يطلّ على المتوسّط ، أقدم الشابّ اللبنانيّ الثلاثينيّ نور مرعب على الانتحار، بأن استنشق جرعةً قاتلة من الهيليوم.
لم يدع مرعب أيًّا من تفاصيل انتحاره للصدف؛ فثبّت مقابل السرير الذي استلقى عليه آلة تصوير وثّقت أنّ ما أقدم عليه كان عملًا إراديًّا لم يتدخّل فيه أحد سواه، وخطّ رسالة إلى عمّال النظافة في المنتجع يطلب فيها ممن سيكتشف جثّته عدم المساس بها، بل المسارعة إلى الاتصال بالشرطة وإشعارها بواقعة الانتحار. لم يستغرب أصدقاء مرعب أن يكون قد أعدّ انتحاره على هذا النحو المتقن. فالرجل لم يقفز قفزته الأخيرة من شعور عابر بالإحباط استولى عليه، أو ما شاكل، بل إنه اعتراف منه، على ما يبدو ، بعبث كلّ ما خاض فيه من محاولات أراد من ورائها أن يسجّل تمسّكه بجملة من المثل المواطنيّة العليا، وأن يسجّل اعتراضه، وأكثر قليلاً من الاعتراض، على الظلم وسيادته؛ وكيف لا وهو نفسه كان ضحيّة من ضحايا الظلّم الذي يُوقعه على اللبنانيين واللبنانيات، في عداد ما يوقعه، تخلّف النظام القضائيّ اللبناني الذي يُوسّع صلاحيّة المحكمة العسكريّة إلى حدّ يجعل منها الحَكَمَ في قضايا لا تخطر على بال. وهذا ما كان من أمر نور مرعب الذي «وجد نفسه ذات يوم من أيّار/ مايو 2008 في مشادة مع جار له شاءت الصدف أنّه عسكريّ».
لو وقع ذلك لغير مرعب لارتضى فلان هذا بالقضاء، ولبادر على الأرجح إلى التزلّف إلى من يتوسّط له لدى القضاء العسكريّ وينتهي الأمر بأقلّ الأضرار. أمّا أنّه وقع لمرعب، الناشط المدني الذي لا يميّز في مبدئيّته المثاليّة بين الممكن والمستبعد والمستحيل، فلقد كان أقلّ المتوقّع ألّا يرى وجها للمثول أمام المحكمة العسكريّة بسبب خلاف بينه وبين جاره وأن يحوّل الأمر إلى «قضيّة» عامّة وهذا ما فعله أو حاول أن يفعله.
صحيحٌ أنّ مرعب بدا، أحيانًا كثيرةً دونكيشوتيًا في مقارعته المحكمة العسكريّة، وصحيحٌ أنّه لم يربح في القانون أيًّا من جولاته في المقارعة، ولكن يبقى أنّنا، جميعًا، ندين له، بصرف النظر عن العلاقة السببية بين هذه القضيّة وبين انتحاره، وبصرف النظر عن موقفنا من الانتحار على وجه العموم ـــ يبقى أنّنا ندين له بأن أفاض على النقاش في محلّ المحكمة العسكريّة من المنظومة القضائيّة في لبنان وجهًا بشريًّا يُمكن لكلّ واحدٍ منّا أن يرى نفسه فيه ومن خلاله.
سيرة نور مرعب والمحكمة العسكريّة هي إحدى «القصص القصيرة من سيرة المحكمة العسكريّة» التي يروي نتفًا منها، محفّزًا على التوسّع في تفاصيلها وملابساتها، كتاب «حتّى إشعار آخر» الصادر عن مؤسستي أمم للتوثيق والأبحاث وهيّا بنا بدعم من الاتحاد الأوروبيّ.
في ثمانين صفحة من القطع الكبير، باللغتين العربيّة والإنكليزيّة، يتوزّع الكتاب على مقدّمة وعلى موجز تاريخيّ عن القضاء العسكري اللبناني من أوّل نشأته إلى يومنا الحاضر (1945 – 2015).
أمّا المقدّمة فتشرح داعية أمم وهيّا بنا إلى الاهتمام بموضوع القضاء العسكريّ رغم أنّهما غير متخصّصتين بالشأن القانوني وتفصّل النشاطات التي قامتا بها خلال العامين الماضيين التي اشتملت على توثيق تاريخيّ لنشأة القضاء العسكريّ في لبنان، وأعماله، وعلى عددٍ من المؤتمرات فضلًا عن إنتاج فيلم وثائقيّ عن هذا القضاء.
وأمّا الموجز التاريخيّ فيتمحور على التوقّف عند عددٍ من المحطّات تبدأ مع محاكمة أنطون سعادة ( 1949) ولا تنتهي عند إحالة متظاهري «الحراك المدنيّ» على القضاء العسكريّ ( 2015) ــ محطاتِ يخلص المطالع معها إلى أنّ هذا القضاء لم يَعْدُ على مرّ تاريخه، ولا يعدو، أن يكون أداة من أدوات الضبط الاجتماعيّ والسياسيّ، بصرف النظر عن هويّة الفريق السياسيّ المُمْسك بالسلطة في هذه الآونة أو تلك.
على أنّه، وإذ يثبت «حتّى إشعارٍ آخر» تبعيّة القضاء العسكريّ للسلطة السياسيّة مستشهدًا بقضايا لا يجمع بين أصحابها سوى ما كان من معارضتهم ذات حين من الأحيان للسلطة السياسيّة القائمة، ومواليًا إيراد الوثائق التي تُوَثّق هذه التبعيّة، فهو لا يفعل ذلك إلّا ليستأنف الجواب، بالمَثَلِ تلو المَثَل، على السؤال المركزيّ الذي تدور عليه المقدّمة، والذي مفاده: هل القضاء العسكريّ في لبنان، بصلاحيّاته الواسعة التي تتيح له، متى ما حلا للسلطة السياسيّة ذلك، أن ينظر في شتّي صنوف القضايا مهما بعدت الشقّة بينها وبين التأديب والانضباط العسكريين اللذين يفترض أن يكونا اختصاصه ـــ هل القضاء العسكريّ إلّا اسم مستعارٌ لسيادة حالةٍ انتقائيّة من الأحكام العرفيّة تتوارى وراء الوهم الشائع بأنّ لبنان، بخلاف جيرانه، دولة قانون ومؤسّسات؟
لسوء الحظّ أنّ مطالع «حتّى إشعارٍ آخر» لا يحتاج إلى كلّ الأمثلة والشواهد التي يسوقها الكتاب ليتبيّن الجواب الصحيح على هذا السؤال، وليتبيّن أنّ عبقريّة النظام اللبنانيّ، إن جاز الحديث عن عبقريّة في هذا المقام، هي في التستّر بـ«القانون» على أدوات القوّة والقمع التي يملكها، والتي يدافع بها عن نفسه، وهي أيضًا في التأني و«الاقتصاد» المدروسين في استعمال هذه الأدوات بحيث لا يصل هذا الاستعمال إلى حدود «الفضيحة» المدوّيّة على غرار ما يحدث في بلدان أخرى.
بالطبع، ليست إدارة هذه الازدواجيّة بين سيادة القانون وسيادة الاستثناء على القانون بالأمر السهل، وقد عثر حمار النظام اللبنانيّ في هذا المجال أكثر من مرّة، كان آخرها يوم أن أصدرت المحكمة العسكريّة في أيّار/ مايو 2015 حكمًا بشبه براءة بحقّ الوزير السابق ميشال سماحة رغم أنّ أقلّ التهم الموجّهة إليه كانت التآمر على أمن الدولة، ما استدعى يومها من وزير العدل اللواء أشرف ريفي أن يُعلن على الملأ موت المحكمة العسكريّة وأن يَنْعاها من منبر مجلس الوزراء، ما استدعى تدخلاً سياسيًّا أدّى بالمحكمة العسكريّة إلى الاستدراك على حكمها ذاك وتصحيحه بتثقيل العقوبة الموقعة على الوزير السابق ميشال سماحة.
كان ذلك وعادت الأمور إلى مجاريها فخَفَتتَ أصواتُ المطالبين بإعادة النظر في صلاحيّات المحكمة العسكريّة وأصوات المشككين بقانونيّة أحكامها ونزاهتها السياسيّة واستأنفت المحكمة حياتها كأنّ شيئًا لم يكن…
والحال أنه ليس بكثير على بلد لا يخجل من استمرار حروبه الأهليّة، البارد منها والحار، ولا يخجل من انتظام دوريّتها كأنّها في تعاقبها فصول عامّ لا مبدّل لتعاقب فصوله، أن يتزوّد في عداد زاده من المؤسّسات بمحكمة عسكريّة من هذا القبيل ينعاها وزير للعدل ثمّ تقوم من بين الأموات من غير أن يستدعي موتها وبعثها الافتراضيّان أيّ مراجعة بل أيّ رفّة جفن؛ وهنا بيت القصيد أو أحد بيوته على الأقلّ؛ فالمحكمة العسكريّة على ما يُبَيّن «حتّى إشعارٍ آخر» ليست مؤسّسة في حكم المضاف إليه من النظام، بل هي، بصرف النظر عمّا تتالى من تعديلات على النصوص التي ترعاها، مؤسّسة عضوية من مؤسّساته، وهذا على الأرجح ما يفسّر استعصاءها على كلّ ما دعا إليه البعض، أو ما حاوله بعض آخر، من محاولات لإعادة النظر في صلاحيّاتها، علمًا بأنّ القانون الذي ينظم عمل هذه المحكمة، بصيغتها الحاليّة، يعود إلى عام 1968، وأنّ إقراره يومذاك لم يأت من فراغٍ بل من الحاجة التي استشعرها النظام، في تلك السنوات التي سبقت اندلاع الحرب الأهليّة، إلى تجديد منظومة الضبط الاجتماعيّ والسياسيّ والأمنيّ في مواجهة تصاعد المدّ اليساريّ وتوزّع النفوذ الفلسطينيّ المسلّح.
منذ الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001 ، باسم مكافحة الإرهاب، دخل العالم عصرًا جديدًا لم تَعُد أعرقُ الديمقراطيّات تستحي معه من تبنّي تشريعات عالمثالثيّة في قلّة احترامها لمكتسبات البشريّة في مجال الحريّات العامّة والخاصّة وحقوق الإنسان؛ وبطبيعة الحال فلقد نزل هذا النكوصُ الكَوْكَبيُّ عن تلك المكتسبات بردًا وسلامًا على الأنظمة التي جهدت أصلًا لأن تنأى بنفسها، وبمجتمعاتها وتشريعاتها عن تلك المكتسبات حاملةً إيّاها على محمل «التلوث» الثقافيّ الذي لا بدّ من درئه حفاظًا على أصالة موهومة.
في هذا العصر الجليديّ الجديد الذي يُشَكّك فيه بقيم الحداثة في قلب الحواضر التي انتجت هذه القيم، لا عجب ولا عَتَبَ أن تتحوّل بنود الإصلاح السياسيّ والتشريعيّ، لا سيّما في بلادنا، إلى كماليّات، وأن تتحوّل الدعوة إليها إلى ترفٍ في غير محلّه، وأن يبدو الداعون إليها أشبه بمخلوقات غريبة لا تحلّ في مجتمعاتها أهلًا ولا تنزل سهلًا.
إلى تشخيصٍ من هذا القبيل ينتهي «حتّى إشعارٍ آخر». ورغم أنّ السؤالَ الذي ينغلق عليه الكتاب، ونصّه الحرفي: «كلّنا إذن برسم القضاء العسكري؟»، هو في ظاهره سؤالٌ مُسْتَنَدُهُ واقعُ القضاء العسكريّ في لبنان، فإنّ الجواب عنه، ونَصّه الحرفي: «حتّى إشعارٍ آخر، كلّنا برسم القضاء العسكريّ» يصلح لبلدانٍ شتّى، وفي بلدان شتّى ـــ بلدانٍ تُباعِدُ بينها المسافاتُ، وتُقَرّبُ بين ثقافاتِها، أكْثَرَ فأكْثَر، فوبياتٌ تتغازَلُ رغم تَعارُضِها!

ناشرة وروائية لبنانية
كتاب: «حتى إشعار آخر»، قصص قصيرة من سيرة المحكمة العسكريّة في لبنان ( 1945 – 2015) .
عن : أمم للتوثيق والأبحاث وهيّا بنا ( بيروت)

«حتّى إشعار آخر»: قصة القضاء العسكريّ في لبنان

رشا الأمير

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية