لندن ـ «القدس العربي»: كتب دينيس روس، الزميل الباحث في معهد واشنطن لدراسات الأدنى والمساعد الخاص السابق للرئيس باراك أوباما (2009-2011) لشؤون الشرق الأوسط مقالاً في صحيفة «واشنطن بوست» عن التحولات الجارية في المملكة العربية السعودية تحت عنوان «في السعودية: ثورة في ثوب إصلاح».
وبدأ روس مقالته بالقول «من الصعب أن تكون متفائلاً حول أي شيء في الشرق الأوسط. ولكنني بعد زيارة للسعودية حيث قدت فيها مجموعة من مسؤولي الأمن القومي السابقين يمثلون الحزبين عدت متفائلاً بمستقبل المملكة. ويبدو هذا متناقضاً في الظاهر عندما يصور أحدهم السعوديين بـ «مشعلي حرائق ورجال إطفاء» في المعركة ضد الإسلام المتشدد».
ويعلق روس أن الدعم السعودي للمدارس الدينية في الخارج ربما أسهم في نشر نموذج غير متسامح من الإسلام لكنه يقول ربما كان هذا في الماضي «فإنني أتساءل إن كان تأثير متأخر يؤدي لاستهداف السعوديين لتصرف لم يعودوا يؤمنون به. وعلى أية حال فهذه ليست السعودية التي واجهتها».
ويقول إن المملكة التي زارها تبدو مختلفة عن البلد الذي يزوره منذ عام 1991 فهو يشهد «صحوة». وعلى خلاف الصحوات التي تبدأ من القاع فالصحوة السعودية بدأت من القمة. ووصفها سعودي قابله الوفد الأمريكي بأنها «ثورة في ثوب إصلاح اقتصادي».
وهي صحوة لا تقدم إصلاحاً سياسياً إلا أن التحول في البلاد يأخذ مجراه. ولاحظ المسؤول السابق أشكالاً من التغيرات في الصراحة البادية أثناء الحديث مع المسؤولين السعوديين وكذا في أخلاقيات العمل، حيث أخبرهم عدد من الوزراء أن ساعات العمل أصبحت 80 ساعة في الأسبوع.
وعندما سأل الوفد عن موقف البيروقراطية من التغيرات كان الجواب أن الجميع ليس راضياً فقط ولكن الشباب والمسؤولين الصغار يشعرون أنهم جزء من أمر مهم وواقع جديد. وأشار لحضور المرأة وإن بشكل رمزي في اجتماع الوفد مع وزير الخارجية وزياراته لكلية ريادة الأعمال حيث كان نصف الذين قابلوهم من النساء.
خطة طموح
هذا من الجانب الإقتصادي، أما على الصعيد السياسي فخطة التحول السعودية تظل طموح حسب روس. وهي تهدف لتنويع الاقتصاد وإنهاء اعتماد السعودية على النفط والحفاظ على رأس المال في البلاد للإستثمار وتعزيز تقاليد المحاسبة والشفافية. ويعلق روس أن هاتين الكلمتين لم تكونا في الماضي مرتبطتين بالسعودية.
ومن هنا فالخطط لبيع جزء صغير من أسهم شركة النفط العملاقة «أرامكو» يعني فتح حساباتها للرأي العام. وفي هذه الحالة لو استخدمت العائلة المالكة الشركة «كصراف آلي» فلن تكون قادرة على عمل هذا في المستقبل.
ويقول روس إن محمد بن سلمان، ولي ولي العهد شدد لنا على أن السعودية ليست لديها أيديولوجية بقدر ما لديها اليوم تطور وطني وتحديث و»بالنسبة له لا فخيار إلا مواصلة الأهداف الطموحة التي حددتها خطة التحول الوطني و»رؤية 2030» وإنشاء صندوق استثمار لاستغلال المعادن الموجودة في البلاد وتعزيز قطاع البتروكيميائيات وبدائل للطاقة وتطوير قطاع السياحة المحلي ومراكز الترفيه».
ويعتبر القطاع الأخير مهماً حتى لا يشعر السعوديون بالحاجة للسفر إلى الخارج والبحث عن مصادر ترفيه. وفي الوقت الذي شكك فيه البعض بقدرة السعودية على تحقيق أهدافها بسبب القيود المفروضة على المرأة ونقص المهارات لدى قوة العمل المحلية ومقاومة المؤسسة الدينية للتغيرات إلا أن المسؤولين السعوديين من نائب ولي العهد إلى وزراء الحكومة واثقون من إمكانية التغلب على هذه العقبات من خلال عملية إصلاح شاملة للتعليم وإرسال 80.000 سعودي للدراسة في الخارج والعودة إلى البلاد بخبرات حديثة وعقلية جديدة فيما تم دمج المرأة في كل القطاعات.
ونظراً لأن نسبة 70% من السعوديين هم من الشباب تحت سن الثلاثين فهم لا يرغبون في التغيير فقط بل ويبحثون عنه. ورغم عدم تقليل القادة في السعودية من أهمية الإصلاح وصعوبة تحويل البلاد إلا أنهم يشعرون بأنهم يقومون بمهمة وعاجلة.
وأكد محمد بن سلمان للوفد أن على الحكومة ان تفعل ما تقول، مشيراً للجهود التي قامت بها لزيادة الموارد بنسبة 30% وتخفيض العجز في الميزانية ووقف سلطة المطاوعة للتحقيق واعتقال المواطنين. ويتساءل روس عن قدرة السعوديين على تحقيق الإصلاح.
ويجيب أن الخطة السعودية ستواجه معارضة وأي تعثر سيتم استغلاله من القوى التقليدية. وأشار إلى الحرب في اليمن التي قد تسهم في تجفيف المنابع وحالة وغياب الدعم إن طال أمدها.
وتحدث عن الإنشغال بإيران والجهود الإيرانية التخريبية بالمنطقة والذي قد يحرف النظر عن الإصلاحات ومن الصعب السيطرة عليه.
دور أمريكي
وعن تداعيات العملية الإصلاحية في السعودية على أمريكا يقول روس إن واشنطن لديها مصلحة في استقرار السعودية. وفي حالة نجاح السعوديين بمساعيهم الإصلاحية فسيعزز من موقعهم القيادي في المنطقة. ويدعو الإدارة الامريكية المقبلة المساعدة في الخطط المتعلقة بأرامكو وكذا مجمل العملية الإصلاحية.
ولأن السعودية منشغلة بالتحديث والتهديدات المحلية المقبلة من إيران ومغامراتها فيجب على الرئيس الأمريكي المقبل أن يقترح حواراً استراتيجياً وخططاً طارئة للتعامل مع التهديدات المحتملة.
وخطوات كهذه ستطئمن القيادة السعودية في وقت تشعر فيه بأن الولايات المتحدة فشلت في فهم التهديد النابع من إيران واستخدامها الميليشيات الشيعية لإضعاف الحكومات العربية.
وقال روس إن السعوديين على خلاف الإيرانيين لا يسعون لتصدير ايديولوجية ويريدون تحديث بلدهم وفتحها للعالم الخارجي وليس كما يحاول آية الله علي خامنئي المرشد العام للثورة في إيران.
حرب كلام
ومع وصول موسم الحج ذروته صعدت إيران من حربها الكلامية ضد السعودية. بينما وصف المفتي السعودي الشيخ عبد العزيز آل الشيخ الأغلبية الشيعية في إيران بغير المسلمة فيما دعا آية الله خامنئي العالم الإسلامي للتفكير بإدارة جديدة للحج واتهم السعودية بقتل الحجاج الإيرانيين في موسم العام الماضي، نتيجة لحادث التدافع في منى.
وعلق سايمون هندرسون، مدير برنامج الخليج والطاقة بمعهد واشنطن على الحرب الكلامية بمقال نشره موقع المعهد وجاء فيه أن موسم حج العام الحالي لن يكون فيه إيرانيون بسبب عدم تمكن طهران والرياض من التوصل إلى اتفاق حول تخصيص تأشيرات دخول ووضع ترتيبات أمنية تهدف إلى ضمان عدم تكرار ذلك النوع من التدافع المأساوي في العام الماضي.
ويرى هندرسون أن تصريحات المفتي السعودي ليست عادية في ضوء تصريحات خامنئي. ولم يتوقف التصعيد اللفظي عند الرموز الدينية بل شارك فيه وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف وتحدث عن «التطرف المتعصب الذي يدعو له كبير علماء الوهابية وأسياد الإرهاب السعودي».
ورد وزير الخارجية السعودي عادل الجبير باتهام الإيرانيين بتسييس الحج. ويقول إن الوضع بين البلدين لا يزال كما هو منذ عام 1989 ويرجح تصعيداً جديداً بينهما رغم غياب الحجيج الإيراني هذا العام.
ويعتقد أن محمد بن سلمان، الذي يشرف على عملية الحزم في اليمن سيتبنى موقفاً متشدداً. مشيراً للحروب بالوكالة التي يخوضها الجانبان في اليمن والبحرين وسوريا والعراق.
ومن هنا يجب على المجتمع الدولي التحرك والتخفيف من الحرب الكلامية. ويقول إن التصعيد الحالي يمثل انتكاسة لسياسة الولايات المتحدة، لأن إدارة الرئيس أوباما كانت تأمل في أن يتم تخفيض هذا العداء، على الأقل إلى حد ما، من خلال الاتفاق النووي مع إيران الذي تم التوصل إليه في العام الماضي.
زيادة السكان الشباب
وبعيداً عن التوتر مع إيران فالتحولات في السعودية مدفوعة بالتغيرات السكانية التي ليست مظهراً سعودياً بل في كل العالم الإسلامي كما يشير تقرير لصحيفة «واشنطن بوست» والذي كشف عن زيادة نسبية في عدد سكان الدول الإسلامية.
وكتب جون إيمونت عن «ظاهرة التضخم في عدد الشبان» في العالم الإسلامي وتأثيرها على استقرار البلدان الإسلامية. فالشباب يتركون أثراً للأحسن والأسوأ على مجتمعاتهم.
وتؤكد الأدبيات المتوفرة عن الإحصائيات السكانية وعلاقتها بالتغيرات الإجتماعية على أهمية العامل الشبابي. فعندما يشعرون بأنهم مهمشون من النظام يردون. ويذكر في هذا السياق بحملة احتلال وول ستريت والنسبة العالية من الشبان الذين دعموا المرشح الديمقراطي السابق بيرني ساندرز.
هذا عن الشباب في المجتمعات الديمقراطية أما تلك التي لا تمنحهم فرصاً للتعبير عن مشاعرهم فهي تدفعهم للبحث عن طرق آخرى. ويرى أن النسبة الكبيرة من السكان الشباب في العالم الإسلامي تعيش في دول نامية لا تمنح فرصاً لهم للتعبير. ففي الدول الساحل والصحراء وهي مجموعة الدول التي تمتد من مالي إلى السودان تتميز بحكومات ديكتاتورية ونمو سكاني عال.
ويضاف للمشاكل التي يعاني منها الشباب في هذه المناطق التصحر الناجم عن التغيرات المناخية العالمية بشكل يحد من الفرص المتوفرة أمامهم.
ومن هنا سيردون على الأوضاع عبر طرق عدة، فسيحاول بعضهم الهجرة إلى الدول الثرية فيما سيقبل البعض وضعه أو ينضم للجيش أو جماعات مسلحة وإرهابية. وفي المحصلة فشباب هذه الدول لا خيارات جيدة أمامهم ومن المتوقع أن لا يرضوا بواقعهم.
الإسلام ليس مسؤولاً
ويدعو الكاتب للتفريق بين الشباب المسلم وهويتهم، فالعامل الشبابي هو سبب عدم الاستقرار نظراً لعدم توفر الفرص أمامهم.
فالإسلام الذي يشكل الهوية السياسية والثقافية لمعظم الشباب في العالم الإسلامي لا يعني أنه السبب الرئيسي للعنف. فالشباب في العالم الإسلامي لا يختلفون عن الشباب المسيحي.
وكما أظهر استطلاع بيو عام 2015 ففي الأوضاع التي يعيش فيها مسلمون ومسيحيون جنباً إلى جنب يتميز المسلمون بأنهم أكثر شباباً بسبب معدل الولادة.
وهذا مرتبط بطريقة تفسير الدين. ففي إيران التي طبقت سياسات تحديد النسل قبل عقود يبدو الفارق العمري كبيراً بين سكانها وأفغانستان التي لم تطبق سياسات كهذه.
ويفسر هذا الفارق ما تقوم به إيران اليوم من اعتماد إيران على الشيعة «الهزارة» الأفغان للقتال في سوريا. فتجهيز مقاتل أفغاني يعتبر أقل كلفة من تجنيد الإيرانيين الذين عادة ما يكونون أفضل تعليماً ولديهم فرص أفضل من القبول بمبلغ 500 دولار في الشهر للقتال في بلد بعيد عنهم.
ونقلت صحيفة «الغارديان» عن مجند إيراني للأفغان الشيعة قوله إن معظهم يذهب من أجل المال. فمن السهل إغراء شاب أفغاني بدون فرصة أكثر من إقناع شاب إيراني لديه الكثير من الفرص. وهذا واحد من الأسباب التي تجعل دولا ذات كثافة سكانية شبابية تواجه العنف، فكلفة حصول الشاب على بندقية إي كي-47 عادة ما تكون متدنية.
ويختم الكاتب تقريره بقوله «ماذا يقترح هذا كله أن عدم الاستقرار الذي تشهده أجزاء من العالم الإسلامي لا علاقة لها بالأيديولوجيات التي تدعو للعنف بقدر ما ترتبط بعدد الشباب. وبالطبع فنسبة المواليد العالية في العالم الإسلامي مرتبطة بالأيديولوجيا».
الحرب على الإرهاب
وفي السياق نفسه علق فريد زكريا عن التحديات التي تواجه منطقة الشرق الأوسط وهزيمة الإرهاب المتمثل في تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا. وقال إن هزيمته لا تسهم في القضاء على خطره والجماعات الإرهابية الأخرى.
فكما تعلمت الولايات المتحدة من تجربتها في أفغانستان العراق، فالقوى التي تنتظر عادة ما تسارع وتملأ الفراغ بعد خروج القوات الأمريكية. وعلى هذا المنوال دخل الإسلام السياسي ليحل محل الشيوعية التي انهارت بناء على الشروط الأمريكية عام 1988.
ويشير زكريا لهجوم 9/11 الذي غير خططه الشخصية لكتابة كتاب وكذا هز أمريكا. ويرى أن الهجوم هو نتاج للحرب الباردة وأثرها على منطقة الشرق الأوسط. فقد أصبح العالم في العقد الأخير من القرن العشرين قطباً واحداً بعدما كان منقسماً، سياسياً واقتصادياً إلى قطبين. وسارعت عشرات من الدول في أفريقيا وأمريكا اللاتينية والتي كانت تتبنى الإشتراكية لركوب قطار الرأسمالية والديمقراطية ودعم نظام كانت تعتبره إمبريالياً وظالماً.
وقال إن إمريكا في تلك الفترة كانت منشغلة بالحديث عن الاقتصاد والتكنولوجيا، حيث بدأت طلائع ثورة المعلومات. وفي بداية التسعينيات من القرن الماضي بدأت «إي أو أل» و»نيت سكاب» توفران للأمريكيين الفرصة كي يستخدموا الإنترنت.
كما كسر الفاكس، رقابة الحكومات وفتح الباب أمام الدخول إلى الكتلة الشرقية. وعن أثر الفاكس كتب ألبرت هولسيتر مقالا لصحيفة «وول ستريت جورنال» «الفاكس سيحررك».
ظل جامداً
ويعلق زكريا أن التغيرات التي أصابت العالم لم تصب منطقة الشرق الأوسط الذي ظل جامداً.
ففي الوقت الذي تخلت الأنظمة العسكرية عن احتكارها للسلطة وانتهى نظام التمييز العنصري وقبل الحكام الأقوياء بحكام منتخبين بقي الحكام الذين حكموا ليبيا ومصر وسوريا الذين حكموها منذ عقود على حالهم.
فهم وإن أكدوا سيطرتهم السياسية إلا أنهم أدوا لكوارث اقتصادية ويأس وشلل اجتماعي. وعليه دخل الإسلام السياسي وملأ الفراغ. فهناك الكثير من الوعاظ والمفكرين الإسلاميين ممن اعتقدوا أن الإسلام ليس مجرد دين بل نظام حياة.
وفي الوقت الذي قدم فيه الديكتاتوريين العرب البؤس استمع الكثير من الناس لشعارات الأيديولوجيين الإسلاميين ان «الإسلام هو الحل».
ولا يزال الإغراء الذي يمثله هذا الشعار في قلب المشاكل التي تعيشها المنطقة اليوم. وهو ما يدفع الشباب المحروم والمهمش للقتل وأكثر من هذا للموت كما يقول.
ولم يتغير الحال منذ عام 2001 حيث خاضت الولايات المتحدة حربين كبيرتين وقامت بسلسلة أخرى من الحروب الصغيرة وأنشأت بيروقراطية لحماية الأمن القومي وأقرت الولايات المتحدة وحلفاؤها إجراءات لحماية أمريكا وحلفائها من مخاطر الإرهاب الإسلامي. وقد نجحت بعض المعايير التي طبقت لتوفيرالحماية إلا أن الشرق الأوسط أصبح منطقة غير مستقرة.
ولا يستبعد الكاتب الدور الأمريكي في هذا الوضع من خلال احتلال العراق. إلا أن الربيع العربي كان رداً على ضعوط اجتماعية واقتصادية وديمغرافية ضد انظمة لم تستطع الرد أو التكيف معها.
ومع هذا أسهم الصراع الطائفي السني- الشيعي بتشكيل مجتمعات مثل العراق وسوريا. وفي هذا السياق يقول زكريا إن التحدي أمام الولايات المتحدة لهزيمة تنظيم «الدولة» ليس سحقه عسكرياً، فقد حققت انتصارات قبل 15 عاماً في أفغانستان والعراق لتكتشف أن القوى التي قاتلتها تعود حالما يخرج آخر جندي أمريكي. ولهذا فلن تهزم القوى المتطرفة إلا عندما تمنح الولايات المتحدة الدول الإسلامية شكلاً سياسياً يستجيب للطموحات والآمال الأساسية للشعوب.
والهدف واضح وبسيط «أوقفوا موجة وقوع الشباب في اليأس بسبب ظروفهم أو البحث في الإنترنت والعثور على نفس الشعار: الإسلام هو الحل. وعندما يتوقف الشباب بالضغط على ذلك الرابط عندها سيتم تحقيق الإنتصار في الحرب على الإرهاب».
إبراهيم درويش