«جريمة الشرف» وئدت في لبنان والنساء ينتفضن على حكم مريب فهل ولّى زمن الذكورية؟

حجم الخط
1

بيروت ـ «القدس العربي»: لم يعد قتل الزوجات نزهة في لبنان حتى لو هدد بعض الأزواج بزهق أرواحهن و«بنحبسلي سنتين». باتت النساء ومن يساندهن من الحقوقيين قوة ضاغطة لإحقاق الحق، حين تصدر عن المحاكم أحكام مريبة. في الأشهر الثمانية الماضية قتلت ثلاث نساء على يد أزواجهن. وفي 14 تموز/يوليو من الماضي صدر حكم صادم للرأي العام على قاتل، دفع النساء وكل من يساند حقوق الإنسان إلى الشارع، فكان تمييز للحكم من أعلى سلطة قضائية.
وفي جريمة القتل التي وقعت قبل سنتين ويعرفها الرأي العام عن ظهر قلب نظراً لكونها شبيهة بفيلم رعب، نال محمد النحيلي قاتل زوجته منال عاصي، حكماً خفيفاً، نظيفاً ولطيفاً من محكمة الجنايات. نطق بالحكم قاض قرر إحياء عظام «جريمة الشرف» بعد أن صارت رميماً. خمس سنوات سجن للقاتل لأنه كان في «ثورة غضب». تميزت «الثورة» بأن «الغاضب» تسلى بتعذيب ضحيته سبع ساعات متواصلة، تخللها مص الدم من فمها، التلذذ بطعمه، ومن ثم بصقه في وجه والدتها، ضربها بطنجرة الضغط، ثم الجلوس عليها على الشرفة للاستراحة والتدخين. هي أطول ثورة «غضب» ذكورية تبلغ مسامعنا. وهكذا صارت منال ضحية مرتين، والثانية أفدح متمثلة في الحكم. فقد انتقلت القاضية من محاكمة الوحش مصاص الدماء إلى محاكمة الضحية بنكش قوانين ألغاها المشرّع.
حكم قضائي أشعل حوله قضية رأي عام. نزلت النساء إلى الشارع، وقفنّ أمام قصر العدل، طالبن بالعدالة، وفي الوقت نفسه كان أهل القضاء خجلون في الحكم الذي صدر عن قاضية منهم. ومع ذلك تقاعست النيابة العامة الاستئنافية ضمن المهلة المحددة عن مهامها، فكان للنيابة العامة التمييزية أن تنقض حكماً خاطئاً بقرار من مدعي عام التمييز القاضي سمير حمود الذي استجاب لحركة الشارع. وفي الوقت المناسب كان للقاضي حمود أن يقول كلمته «بدرء تكريس هذا النوع من القرارات الخطيرة في القضاء» وهو حكم وصف من قبل الحقوقيين بالـ»فادح».
توافق مايا عمّار مسؤولة الإعلام في جمعية «كفى» على أن الحكم الذي صدر بحق القاتل ساهم بقوة في نزول النساء إلى الشارع رفضاً له. وتصفه بالقول: لا شك هو ظالم، وأعاد إحياء مفاهيم صارت خلفنا كما جريمة الشرف. ومن شأن هذا الحكم أن يحبط النساء ويحول دون لجوئهن للقضاء في قضايا العنف الأسري. ومن الطبيعي أن تسأل المرأة إن كان القتل يفضي بخمس سنوات سجن للقاتل، فكيف سيكون الحكم في التعنيف؟ وهل سيكون القضاء منصفاً؟
نعم هو حكم مستفز للكثيرين وليس للنساء وحدهنّ. وتضيف عمّار: كان للاستجابة لنداءات «كفى» بالتجمع أمام قصر العدل، دعم الإعلام، صرخة أهالي الضحايا، وبخاصة والدة منال التي شددت على تمييز الحكم نظراً لظلمه ووقعه الكبير. بكل بساطة في الحكم ثغرة قانونية ولو لا ذلك لما طلب مدعي عام التمييز نقضه.
القاضية هيلانة اسكندر التي حمل الحكم الفادح توقيعها، تركت تساؤلات جمة لدى النساء. بل أن بعض النساء رأين في انتماء القاضية لجنسهن ظلماً مضاعفاً عليهن. لكن مايا عمار ترى أن هذا الحكم ترك أثره السلبي على جميع الناس وليس النساء فقط. تقول: نحن نهتم بنوعية الحكم. ولأن القاضي امرأة فقد ترك ذلك خيبة. مع العلم أنها شاركت كقاضية في وضع بنود مشروع حماية النساء من العنف الأسري. نعرفها قاضية تعيش تحسساً حيال قضايا العنف الأسري، وكنا نتوقع تعاملاً مختلفاً من قبلها مع الحكم. النساء دون شك في قضايا العنف يستأنسن بوجود امرأة، لهذا كانت الخيبة. إنما التحسس حيال العنف الأسري موجود كذلك لدى القضاة الرجال، وقد لا يكون له أثر لدى قضاة آخرين من رجال ونساء.
في قراءة مسار الحكم منذ صدوره في 14 تموز/يوليو الماضي تقول عمار: توقعنا تميز الحكم من النيابة العامة الاستئنافية. وتوقعنا صعوبة قيام مدعي عام التمييز بالنقض. المفاجأة كانت بنصرة مدعي عام التمييز الذي قام بطلب النقض قبل انقضاء المهلة وبتجاوب إيجابي جداً. قلنا بعدم توقع طلب النقض لأن جساً للنبض لدى النيابة العامة الاستئنافية لم يكن إيجابياً. حمود انقذ الموقف، بعد اضاءة واضحة على خطأ قانوني في الحكم. فيما يعمل ثلاثة قضاة على دراسة نقض الحكم الذي صدر بحق قاتل منال عاصي ترى عمار أن قانون حماية المرأة من العنف الأسري لا يحميها ممن لديه نية جرمية، بل الرادع في القانون. وتضيف: القانون لا يلغي الجرائم، بل تغيير العقليات، وهذا يحتاج لوقت. ولا شك أن الأحكام القاسية تشكل نوعاً من رادع. فقاتل ميونة أحمد ابنة الـ20 ربيعاً أبلغها بأنها تكلفه سنتين سجنا، وقضى عليها بالنرجيلة. كان هذا قبل شهر أو أكثر.
حتى نهاية الشهر الثامن من العام الحالي قتلت ثلاث نساء في لبنان على يد أزواجهن. ترى مايا عمار العدد كبيراً. وتقول: لا شك في وجود حالات لم يبلّغ عنها. كما أن حالات العنف بالآلاف. قتيلات العنف الأسري هن ميمونة التي سبق ذكرها، زهراء القابوط، وهناء يعقوب من مخيم عين الحلوة.
لم تكن أمهات النساء اللواتي قتلن وحدهن الرافضات لحكم القاضية هيلانة اسكندر، إلى جانبهن كانت عشرات النساء وكذلك الرجال وبينهم أهل قانون هالهم إعادة احياء جريمة الشرف بعد دفنها والصلاة على روحها. تقرأ المحامية والدكتورة ميريام مهنا في أسباب استنكار أهل القانون للحكم الصادر عن محكمة الجنايات: «لأن ما يُعرف بجريمة الشرف ألغيت سنة 2011، لكن الحكم الذي نحن بصدده استعمل نصاً آخر يقول بثورة الغضب ليصل للنتيجة عينها، وكأن المادة السابقة لم تلغ. الثغرة الأولى في الحكم أن ثورة الغضب لا تدوم سبع ساعات ويتخللها استراحات، وتدخين ثم عودة للتعذيب. السؤال الذي وجهناه للمحكمة: هل غضب زوج منال عاصي مشروع؟ بخاصة في ظل إلغاء المشرع لجريمة الشرف؟ كحقوقيين نرى خطأ فادحاً في تطبيق النص».
وتقول: في حين برزت جريمة الشرف إلى الواجهة بعد موت منال عاصي، بات الشاهد عليها القاتل وحده؟ بحثت في هذا الشأن ووجدت أن فرنسا حين كانت تجرّم الزنا كان شريك المرأة في هذا الفعل ينجو من الملاحقة في حال وفاتها. وتضيف: في لبنان حُكم للقاتل بتعويض عشرة ملايين ليرة في دعوى رفعها على من اعتبره شريكاً لضحيته، وتحولت الدعوى على المرأة الضحية وشرفها. نعم الحكم مفاجئ، حيث له تبعات اجتماعية كبيرة جداً، ولا يمكن له أن يستقيم قانونياً. ومن غير المألوف أن النيابة العامة الاستئنافية التي تمثل سلامة المجتمع لم تطلب نقض الحكم ضمن المهلة القانونية، ونادراً ما يميز مدعي عام التمييز حكماً لكنه فعل، وهذا غير معهود. إيجابياً نثمن التفاتة المدعي العام التميزي القاضي سمير حمود لاحتجاج المجتمع وأهل ضحايا جمعيات ومحامين، فبادر لنقض الحكم. ما قام به المجتمع المدني طبيعي. ونقض القاضي حمود طبيعي لردع الآثار المخيفة لهذا الحكم على المجتمع. مهم للغاية أن يتحول الحكم إلى محكمة التمييز بضغط ظاهر من الجمعيات النسائية والحقوقية. كذلك لفتني دور الإعلام الداعم والمساحة الواسعة التي افردها لهذه القضية.
توافق الدكتورة مهنا أن النساء في لبنان استعدن ثقتهن في القضاء. وتتابع: مع التأكيد أن الحكم الذي صدر عن محكمة الجنايات لا يمثل كامل القضاء اللبناني. ومن جهة ثانية ننوه بإن قضاة الأمور المستعجلة يطبقون قانون العنف الأسري بشكل إيجابي جداً. علينا أن نؤمن بالقضاء، وأن ننوه بتمييز الحكم بحق قاتل منال عاصي، والأمل كبير في ما سيصدر عن النيابة العامة التميزية.
فهل «زمن الذكورية انتهى ..باي» فعلاً، كما الشعار الذي رفعته إحداهن خلال مسيرة الاحتجاج على الحكم؟

«جريمة الشرف» وئدت في لبنان والنساء ينتفضن على حكم مريب فهل ولّى زمن الذكورية؟

زهرة مرعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية