ما زالت حالات الشغب تضرب ملاعبنا العربية، وتأخذ الكثير من جهد رجال الأمن والمسؤولين، في حالات باتت تتفشى بصورة متواصلة، خصوصا في بلدان الشمال الأفريقي، ليبرز السؤال عما اذا كان وراء حالات الشغب أسباب غير رياضية، سياسية كانت أو اقتصادية، أم أنها حالة عامة ارتجالية للتعبير عن غضب كامن، لا يجد للتنفيس عنه الا في مدرجات الملاعب. لكن الجديد هو تعدد مظاهر العنف والشغب وتغير طريقته، فالكثير من الجماهير أصبحت تتصرف بعد الفوز والخسارة بطريقة غير حضارية، عن طريق الاعتداء على الآخرين والحاق الأذى والضرر بهم أو بممتلكاتهم، وأقلها القاء السباب والشتائم على اللاعبين والحكام بصورة نابية، ما يخدش الحياء العام، وهو أحد أسباب خلو المدرجات من العائلات والأسر المحبة للعبة.
لا شك أن لدى شبابنا عقدة النقص والانتماء لبطل، مهما كان البطل، فنجد الغالبية العظمى في عالمنا العربي بدون استثناء، يتبنون تشجيع الفرق العالمية مثل ريال مدريد وبرشلونة ومانشستر يونايتد وبايرن ميونيخ، بل أصبح الكثير منهم ملكيين أكثر من الملك، في شراسة الدفاع عن هذه الفرق ونجومها ومدربيها، وكأن هؤلاء جزء لا يتجزأ من العائلة. وسبب آخر يعود الى هذا الشعور بالانتماء أن هذه الأندية لا تدار برؤوس عربية ولا مسؤولين يدعون الحرفية، لذا تتبنى جماهيرنا أنديتهم، لأن حرفيتها عالية، وكل ما يحصل فيها، من اعلى الهرم الى أسفله، يعود بالمصلحة الى النادي، وهذا ما ينقص أنديتنا، بتطبيق المعنى الحقيقي للاحتراف المزعوم.
عندما احتدمت حالات العنف والشغب في بريطانيا خلال السبعينات والثمانينات، خلال تفشي ظاهرة «الهوليغانز»، تعاملت معها السلطات البريطانية بحزم وقوة، ولكن أيضاً بتفهم وعناية، قبل أن تكتشف أن الكثيرين من أعضاء «الهوليغانز» لا علاقة لهم بكرة القدم ولا يحبون اللعبة أصلا ولا الفريق الذي يدعون تشجيعه، بل يذهبون الى الملاعب فقط لاثارة القلاقل والشغب والضرر، فلهذا تم استئصالهم ونزعهم فردا فرداً، وأعني ذلك، أي أن فقط الافراد المشاغبون المتورطون في هذه الاعمال هم من اقصيوا من حضور المباريات في الملاعب مدى الحياة، لتختفي هذه الآفة تدريجياً، مع وجود حالات استثنائية لا ترقى الى مستوى شغب الهوليغانز. وهكذا نجحت الملاعب الانكليزية بكل درجاتها أن تحافظ على نمو جماهيرها وشعبية فرقها.
في المقابل، عندما نرى قدرة روابط التشجيع في عالمنا العربي، المعروفة باسم «الالتراس»، في التحكم بأمن المباريات، بل التحكم في اقامتها من أصلها، مثلما حدث في الجولات الأربع الاولى من الدوري المغربي، ونجاح «الالتراس» في اقناع الآلاف بعدم الحضور، فان الأمر بات جدياً، وناقوس الخطر بدأ يدق بقوة، لان هذا السلاح هو ذو حدين، ففي المقابل نجد وقوع قتلى وجرحى جراء الشغب الجماهيري، في حين أن روابط «الألتراس» لا تلعب الدور البناء في منع هذه الحوادث. لكن الأهم، هل هناك رابط بين الأوضاع الاقتصادية المزرية عموما، وتعبئة الشباب بهذا القدر من الحقد والكره والغضب؟ هل الشغب هو وسيلة غير مباشرة للتعبير عن سقم الحياة والفشل السياسي، وربما الضغوطات السياسية على الشباب؟ وهل أصبحت كرة القدم المتنفس الوحيد ليس فقط للمشجعين للتعبير عن غضبهم بحرية، بل للكتاب والناقدين السياسيين بأقنعة رياضية؟
خلدون الشيخ