الصويرة المغربية: مدينة الرياح والنوارس ومعرض تاريخي مفتوح

الرباط ـ «القدس العربي»: يُطلق عليها حينًا «مدينة الرياح والنوارس»، وحينًا آخر «لؤلؤة المغرب»، إنها مدينة الصويرة الرابضة بجوار شاطئ المحيط الأطلسي، والتي تجمع بين جمال الطبيعة وجاذبية المعمار وخصوبة التراث والحضارة. وبحكم طابعها العمراني المميز، فقد سجلت ضمن لائحة مواقع التراث العالمي سنة 2001 من طرف منظمة اليونسكو. ولذلك، فهي بقدر ما تغري السياح الراغبين في اكتشاف عبق التاريخ، بقدر ما تجتذب عشاق الرياضة البحرية، ولاسيما رياضة «ركوب الأمواج» بحكم أن الرياح تهبّ على المدينة طيلة العام تقريباً، علاوة على كونها تتيح للزائر تذوق طعم الطبق المحلي القائم أساسا على وجبة الأسماك المتنوعة، التي تزخر بها المطاعم الصغيرة المنتشرة بمحاذاة الميناء.
وقد ساهمت عدة تظاهرات ثقافية وفنية في إكساب الصويرة بعدا عالميا واستقطاب العديد من السياح على مدار العام، ومن بين تلك التظاهرات: مهرجان «كناوة» الذي يحتفي بموسيقى أصيلة ذات جذور إفريقية ومهرجان الأندلسيات الأطلسية ومهرجان الموسيقى الكلاسيكية. كما تكون زيارة المدينة فرصة للوافدين لاستمتاع بالبحر والقيام بجولة تراثية وسط أزقة المدينة العتيقة التي تحفل ببائعي منتجات الصناعة التقليدية، ومن ضمنها تلك المصنوعة من خشب «العرعار»، علاوة على تذوق زيت «الأركان» الذي تشتهر به المنطقة.

حفريات في الاسم

رغم أن تأسيس مدينة الصويرة أو «السّويرة» (تصغير للسور) يعود إلى عام 1760م، فإن تاريخها يعود إلى عهد الفنيقيين الذين بسطوا نفوذهم على البلاد خلال القرن 12 قبل الميلاد لأهداف تجارية، ومن ثم فإن الاسم القديم للمدينة «موغادور» مستقى من الاسم الفنيقي «ميكدول» الذي يعني «الحصن الصغير»، مثلما يورد موقع وزارة الثقافة المغربية نقلا عن مؤرخين عرب وأجانب؛ بينما يذهب الباحث المغربي علال بنور إلى أن ذلك الاسم تحريف لاسم الولي «مكدول» الذي يوجد مدفنه قرب شاطئ الصويرة؛ كما يشير إلى أن الصويرة كانت معروفة في اللغة الأمازيغية باسم «تاسورت» الذي يعني «السور».
أما الباحث دافيد بنسوسان فيرى في كتابه «ابن موغادور» الصادر باللغة الفرنسية أن الاسم قد يكون تحريف لكلمة «أمغادير» التي تعني في الأمازيغية المدينة المحاطة بسور، وهو ما يتطابق مع أحد التفسيرات للاسم العربي للصويرة (السويرة)، وأيضا مع التفسير العِـبري «ميغودار» الذي يعني «مغلقة». ونورد المعطى العبري على اعتبار أن الصويرة موغادرو كانت على امتداد تاريخها ملتقى للديانات السماوية الثلاث ولتعدد إثنوغرافي، فضلا عن كونها ملتقى لحضارات مختلفة: فينيقية، برتغالية، عربية، أمازيغية، إفريقية…

مرفأ تجاري وحصن عسكري

يشير الباحث علال بنور إلى تعدد الروايات حول الهدف من إنشاء هذه المدينة، فهناك من اعتبر أن السلطان سيدي محمد بن عبد الله أنشأها لاتخاذها مرسى بحريا رئيسيا في المغرب من أجل التبادل التجاري مع أوربا، ذلك أن الاهتمام بمدينة الصويرة تجاريا في هذه المرحلة قلص من الدور التجاري لباقي المدن المينائية المغربية، الشيء الذي جعلها في موقع أزمة. وهناك من اعتبر اهتمام السلطان بهذه المدينة تجاريا جاء بناء على طلب تجار اليهود، خصوصا أن بعضهم كانوا يشرفون على تجارته، ثم هناك رأي آخر يقول إن السلطان أسس المدينة لكي يتخذها مرسى ملكيا ومركزا لتجارته مع أوربا. وثمة رأي آخر كذلك يقول إن إشراف السلطان على جمع التجارة بهذه المدينة تجنبا للاستعمار الأوربي المبكر للمغرب عبر الموانئ، علما بأن البلاد شكلت محط أطماع التوسع الاستعماري ولا سيما من لدن البرتغال.
وتأكيدا لهذا الرأي، يوضح الموقع الإلكتروني لوزارة الثقافة المغربية، أنه كان من بين مقتضيات أمن المغرب ـ في مفهوم السلطان سيدي محمد بن عبد الله ـ تحصين الثغور والمدن الرئيسية الساحلية، الشيء الذي جعله يُكثر من بناء الأبراج والحصون. وتحقيقا لذلك، أعطى اهتماما خاصا للمهندس «ثيودور كورني» المتخصص في بناء الحصون العسكرية بأفينيون، وكلفه بوضع التصميم العام للمدينة.
كما يشير الباحث عزيز رزنارة إلى أنه قبل قرار السلطان سيدي محمد بن عبدالله بناء الصويرة، كانت الأرض خلاء من العمران والمدنية إلا من القبائل التي كانت تستوطن المنطقة من أبناء»حاحا»و»الشياظمة». كما أن الأبحاث والتنقيبات العلمية أثبتت أن موقع المدينة عرف تواجد الفينيقيين منذ عدة قرون قبل التاريخ كموقع لصناعة «الصباغة الأرجوانية». ولكن، حسب المعطيات التاريخية والعلمية المتوفرة حاليا، يمكن الجزم بأن الميلاد الحقيقي لمدينة الصويرة كحاضرة مدنية واستعمال تسمية «الصويرة» بالذات كان في سنة 1760. وقبل هذا التاريخ لم تكن هناك بهذا الموقع أي عائلة من عائلات «أولاد البلاد» الحاليين. بل إن السلطان سيدي محمد بن عبدالله، وبالموازاة مع بناء المدينة ومينائها، كان يخطط لتعميرها لتكون حاضرة تجارية بالأساس. ولهذا حرص على استقدام العديد من العائلات التجارية المعروفة من مختلف مناطق المغرب وحتى من خارجه. وكان من بين هؤلاء عائلات يهودية أتت من مراكش وأكادير وفاس ومكناس وآسفي وغيرها من الحواضر المغربية وحتى خارج حدود المغرب. كما أن الازدهار التجاري الذي عرفته المدينة بعد تشغيل مينائها، الذي قضى على ميناء أكادير بسوس، جعل العديد من العائلات المغربية المعروفة في عالم التجارة بمدن أخرى تنزح وتستقر بالمدينة أو تفتح بها فرعا لتجارتها. هذا النجاح التجاري جعل من الصويرة قاعدة دبلوماسية مهمة للمغرب بعد افتتاح عدة قنصليات أجنبية بها. وقد سميت العديد من الأحياء في المدينة بأسماء الجاليات التي قدمت إليها واستوطنتها ومنها «درب أهل أكادير»، «الشبانات»، «الملاح» وغيرها.
والجدير بالذكر ـ مثلما يوضح مصدر رسمي ـ أن ميناء الصويرة كان زمن السلطان سيدي محمد بن عبد الله أهم ميناء، أضحت معه موغادور تلعب دورا تجاريا وتعنى بالمراقبة التجارية البحرية، بعدما أجبر القناصل والتجار الأوربيين بآسفي، أغادير، الرباط على الإقامة بموغادور، مركز تجمع الأنشطة التجارية للجنوب المغربي. كما أصبحت تمثل نقطة التقاء جميع القوافل الإفريقية والتبادل التجاري حتى اعتبرها الأولون بوابة «تومبوكتو».
معالم عمرانية

يسهب موقع وزارة الثقافة في تعداد الخصوصيات المعمارية لمدينة الصويرة على النحو التالي: من الناحية الهندسية، يلاحظ تأثيرات هندسية أوربية تظهر بالخصوص في «الصقالة» التي تم تشييدها على أنقاض الحصن البرتغالي، وتحصينها بالمدافع، كما عمل مؤسس المدينة على تحصين المدينة بالأسوار المنيعة وجعلها تمتاز بشوارعها المنتظمة وطرازها المعماري الأندلسي الجذاب الذي يذكر بمدينة فوبون. مهما يكن، فمدينة الصويرة تشبه مثيلاتها من المدن المغربية العتيقة التي تزخر بمبانيها التاريخية كالأسوار وحصن باب مراكش، وصقالة الميناء والمدينة، وباب البحر، ومسجد بن يوسف، والكنيسة البرتغالية.
تتكون المدينة من ثلاثة أحياء مختلفة: القصبة وتضم الحي الاداري القديم، والمدينة العتيقة التي تقع بين محورين: الأول يربط باب دكالة بالميناء والثاني يمتد من باب مراكش ليطل على البحر، وعند ملتقى المحورين أنشئت عدة أسواق مختصة. وأخيرا الملاح: وهو الحي اليهودي الذي لعب دورا رئيسيا في تاريخ المدينة تبعا لسياسة سيدي محمد بن عبد الله الذي اعتمد على اليهود لتحسين علاقاته مع أوربا إلى أن جعل منهم طائفة شريفة تسمى ب»تجار الملك». أما اليوم، فقد صار «الملاح» مجرد أطلال وخراب. وعلى غرار باقي المدن المغربية العتيقة أحيطت مدينة الصويرة بأسوار منيعة من أجل حمايتها من أي هجوم أجنبي. رغم امتياز أسوار المدينة بخاصيات هندسية دفاعية متأثرة بالهندسة العسكرية الأوربية الكلاسيكية، إلا أنها تشبه في شكلها ومكوناتها الأسوار المحيطة بالمدن التاريخية المغربية الأخرى ، مدعمة بعدة أبراج وخمسة أبواب. ويعد «باب البحر» المدخل الرئيسي الوحيد الذي يفتح في وجه المدينة، شكله الهندسي العام مأخوذ عن الطراز الأوربي، يعلو واجهة الباب شريط زخرفي رفيع مثلث الشكل، وقد جاء آية في الجمال نظرا لتناسق أجزائه.
كما ظهر التأثير الهندسي الأوربي واضحا بـ»صقالة» المدينة التي تقع في الزاوية الشمالية الغربية، تحتضن الحصن الرئيسي للحي مقابلا للمحيط. وتتكون القلعة من ساحة مستطيلة الشكل متشكلة من مستويين الأول تحت أرضي استعمل كمخزن لكل التجهيزات العسكرية والثاني فوق أرضي يتكون من برج للمراقبة يعلوه برج آخر.
أما حصن «باب مراكش» فيعتبر واحدا من الحصون الدفاعية المهمة التي تشرف على المدينة لحمايتها ضد الهجومات الأوربية. وقد دعّم بعشرات من المدافع موزعة صفا واحدا على جوانب الحصن لمراقبة جميع الأبواب الغربية للمدينة وتبلغ مساحته 980 متر مربع، وظف لتخزين المؤن والأسلحة . يتميز بناؤه بالصلابة والمتانة إذ بني بالحجارة المنجورة وهي التقنية الأوربية المستعملة . له مدخل بممرين متعرجين متناظرين يفضيان إلى السطح حيث ثلاث قبب.
ومن بين معالم المدينة الأخرى كذلك «مسجد القصبة» الذي يوجد في قلب القصبة (القلعة) القديمة، ويحتوي المسجد على صومعة مربعة الشكل، ومدرسة وحجرات كمأوى للطلاب. الشكل العام للمسجد منتظم تبلغ مساحته حوالي 900 متر مربع، يتوفر على قاعة للصلاة تتشكل من بلاطين جانبين، وأخرى موازية لحائط القبلة وأخرى مقابلة لهذا الأخير. الصحن مربع الشكل أمتار تتوسطه نافورة خاصة بالوضوء.
ومن بين المساجد الأخرى لمدينة الصويرة مسجد بنيوسف والشرادي. كما توجد بها فروع لعدد من الزوايا الصوفية التي تنظم لقاءات للمديح والذكر النبوي.
وتجسيدا للتسامح والتعايش الديني، تقع الكنيسة بالكنيسة البرتغالية جنوب الباب الجنوبي لصقالة المدينة ، وقد أنشئت من طرف أحد التجار الأوربيين الذين استقروا بالمدينة خلال القرن الثامن عشر الميلادي. وتدخل واجهتها ومدخلها الرئيسي في عداد النسيج التاريخي لمدينة الصويرة. كما تحتوي المدينة على معبد يهودي يحمل اسم الحاخام حاييم بينتو، أحد مشاهير الحاخامات اليهود بالصويرة (عاش ما بين 1748 و1845).
ويقدم «متحف سيدي محمد بن عبد الله» التابع لوزارة الثقافة معطيات عن المنطقة عبر مختلف العصور والحقب، كما يبرز التنوع الإثنوغرافي المميز لمدينة الصويرة.

الصويرة المغربية: مدينة الرياح والنوارس ومعرض تاريخي مفتوح

الطاهر الطويل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية