ليس من غريب الكلام القول ان هناك ثمة علاقة جدلية بين استماتة السياسيين على التمسك بمواقعهم الوظيفية والفساد المالي والادراي الذي بات ينخر مؤسسات الدولة العراقية منذ تأسيس منظومة العمل السياسي التي جاءت كاحد افرازات غزو العراق واحتلاله، بعد ان هدم بنى الدولة القديمة وقوض أركانها التي لم يكن صدام حسين من وضع أسسها بل كانت مرحلته امتدادا طبيعيا لبناء الدولة العراقية الحديثة، منذ تاسيسها في 1923 مرورا بالعهد الملكي والجمهوري وانتهاء بعهد ما بعد الاحتلال الذي يمكن توصيفه بأنه عهد اللا دولة.
السياسي في مفهوم الأمم المتحضرة ليس أكثر من مناضل أو مكافح أو رجل شق طريقه بصعوبة للوصول إلى مكان يؤهله تحقيق غايات للاخرين ليس من بينها غايات شخصية في الغالب، باستثناء ساسة صغار وكبار فاسدين بينهم رؤساء جمهوريات غربية؛ ودائما لسنا بصدد التعميم، لكننا نعني الغالبية منهم ان اردنا القول عن ساسة العراق الجديد، الذين قد لا نجد بينهم من شق طريقه بجهد ذاتي للوصول إلى مواقع القرار كما يفهم من العودة إلى قراءة ماضيهم، كما ان قلة منهم لا يرتبط بجهات خارجية ساعدت في تعويمه أو جهات داخلية كانت بحاجة إلى مجرد رقم تضعه في خانة فارغة مطلوب إشغالها وفقا لمبدأ المحاصصة التي لا أصل لها في الدستور العراقي انما جاءت وفق تفاهمات لزعماء سياسيين اقتسموا العراق كما يحلو لهم ورسخوا نسبا لتمثيل المكونات في ضوء نسبتهم من مجموع سكان العراق، لكن هذه النسب أيضا تمت وفقا لمبدأ التفاهمات لا وفقا لاحصائيات رسمية رصينة.
في ضوء ما تقدم، فان ما جرى في رسم خريطة العملية السياسية العراقية من أسس غير سليمة كان من نتائجها وصول سياسيين إلى مواقع القرار وهم في حقيقة الامر قضوا أعمارهم يتنقلون من مجموعة مسلحة إلى أخرى، معظمها تاسس في إيران ولا زال قادتها يتلقون الدعم منها ويدينون لها بالولاء وتغليب المصلحة الإيرانية على مصلحة البلد الأم.
هذا الفساد في الرؤية والسلوك الذي ظل ميزة اصطبغت بها العملية السياسية، وجد انعكاسه على أسلوب قيادة فصائل الحشد الشعبي من قبل تلك القيادات المرتبطة بايران؛ وهي قيادات سياسية عسكرية في آن واحد، وبعضها يدير مجموعته المسلحة من تحت قبة مجلس النواب الذي يراس أكثر من تسعة من أعضائه مجموعات مسلحة شبه عسكرية معروفة باسم الميليشيات التي وثقت منظمات دولية ارتكابها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مع الإفلات التام من العقاب في عهدي نوري المالكي وحيدر العبادي ايضا.
ما يصح القول به في عهد رئيس الوزراء السابق نوري المالكي الذي تدور حوله شبهات فساد كثيرة، لكنه كما كثير غيره من المتنفذين الذين يحتمون بمجموعات مسلحة فوق القانون وخارج نطاق المساءلة القانونية؛ أيضا يصح القول فيه عن عهد رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي الذي امعن في اسباغ الشرعية على المجموعات المسلحة التي استوعبها اطار هيئة الحشد الشعبي بعد فتوى المرجع الشيعي علي السيستاني في 13 حزيران/ يونيو 2014 المعروفة باسم «الجهاد الكفائي»؛ وابعد من ذلك عد العبادي فصائل الحشد الشعبي التي هي نفسها المجموعات المسلحة أو الميليشيات التي انشاتها إيران ومولتها وسلحتها، بأنها العمود الفقري للمؤسسة الأمنية العراقية وأنها أصبحت «قوة من الجيش العراقي في موازة قوة جهاز مكافحة الإرهاب» بموجب امر ديواني أصدره في فبراير/شباط 2016.
من بين أهم عناوين الفساد المالي ما يعرف باسم الفضائيين، وهم جنود منتسبون لوحدات الجيش أو الأجهزة الأمنية بأسماء وهمية تنفق عليهم الدولة العراقية النفقات المعتادة من التجهيز والرواتب الشهرية وغيرها، ويتقاضى ضباط أو قادة الوحدات تلك النفقات. وأشارت وسائل اعلام محلية نقلت عن مسؤولين عراقيين ان ما لا يقل عن خمسين الفا من الجنود الفضائيين كانوا في وحدات الجيش العراقي ساعة سقوط مدينة الموصل بيد تنظيم الدولة في حزيران 2014؛ لكن أي إجراءات قانونية لم تتخذ بحق المستفيدين من ظاهرة الفساد المالي والإداري هذه على الرغم من تشكيل لجان تحقيقية في وزارة الدفاع ولجان برلمانية في مجلس النواب لاحالة المسؤولين عنها إلى القضاء.
لم تقف ظاهرة «الفضائيين» عند حدود وحدات الجيش العراقي بل تعدتها إلى فصائل الحشد الشعبي التي كشفت وسائل اعلام عربية عن عجز الفصائل العراقية تلبية حاجات معركة فك الحصار عن حلب عندما طلب قائد فيلق القدس الايراني، قاسم سليماني، من الفصائل التي ينتسب إليها «أكثر من خمسة آلاف مقاتل» مسجل في دوائر الحرس الثوري ويتم صرف رواتب شهرية لهم من الحكومة الايرانية، ارسال الف مقاتل لتعزيز جبهة حلب. لكن تلك الفصائل لم تستطع توفير أكثر من ربع العــدد المطلوب، بحسب نفس وسائل الاعلام التي ذكـــرت ان سلــيماني قام اثر ذلك بتوبيخ القيادات العراقية والاستعانة بتعزيزات من حزب الله اللبناني.
أعلن العبادي في مناسبات عدة عن عزمه واصراره على معالجة ظاهرة الفساد، كما أعلن مطلع آذار/ مارس الماضي بعد أقل من أسبوع على تظاهرات مؤيدي التيار الصدري التي شهدتها ساحة التحرير وسط العاصمة في الأول من الشهر نفسه، انه اتخذ سلسلة إجراءات لملاحقة واعتقال «كبار الفاسدين»، كما سماهم؛ وتشكيل «لجنة عليا» لتنسيق الجهود بين المؤسسات المعنية بمكافحة الفساد؛ لكن «سلسة الإجراءات» التي تحدث عنها العبادي لم تغادر غرف الاعلام وكواليس السياسة إلى الجهات المسؤولة عن مكافحة الفساد وهي جهات «فاسدة» أيضا.
ان اجراء أي إصلاحات جدية يدعو لها العبادي أو يسعى حقا لتنفيذها تصطدم بإرادة «كبار الفاسدين» ونفوذهم وقوتهم طالما هم ذاتهم قادة الكتل السياسية، وهم ذاتهم قادة فصائل في الحشد الشعبي الأكثر نفوذا من مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية التي تخضع قياداتها لأوامرهم بما فيها قيادة المعارك التي اشرف عليها هادي العامري في ديالى وبعدها في الصقلاوية والفلوجة، وأبو مهدي المهندس الذي قاد معارك صلاح الدين وخضعت لأوامره أعلى قيادات الجيش العراقي التي تمثل الدولة العراقية.
في مواجهة تغول «كبار الفاسدين» وسطوتهم على مؤسسات الدولة العراقية، وتسرطن ظاهرة الفساد المالي والإداري في عموم الأجهزة الحكومية على يد «كبار الفاسدين» من سياسيين وشيوخ عشائر متنفذين وبرلمانيين وقيادات في الجيش والأجهزة الأمنية وأخرى في فصائل الحشد الشعبي، ومع الإقرار بضعف أداء رئيس الوزراء في معالجة هذه الظاهرة واجتثاثها، تبقى بعض القوى الضاغطة باتجاه القضاء على الفساد تحاول ان تفعل شئيا من خلال ممارسات تنوعت بين الإضرابات والاعتصامات والتظاهرات. لكن يبقى هذا الحراك بلا جدوى في مواجهة «كبار الفاسدين» الذين تقف وراءهم مجموعات مسلحة أو ميليشيات، ويحظى بعضهم الآخر بحماية دول ذات نفوذ على القرار العراقي، مثل الولايات المتحدة التي يدين بالفضل لها كبار ساسة اليوم في الوصول إلى مواقعهم، وإيران ذات الذراع الأطول الذي يصل إلى ما لا يمكن ان يصله أي ذراع عراقي أو إقليمي أو دولي.
رائد الحامد