في كل سنة، في أنفاسها الصيفية التي تتزامن وعطلة نهاية الموسم الدراسي من جهة، وعطلة أغلب الموظفين في القطاعات العمومية والخاصة على حد سواء، يطرح سؤال إشكالي ينضاف إلى زمرة الأسئلة الإشكالية التي يطرحها الإنسان على مدار السنة، وهي أسئلة تفتح أفق التخمين والتفكير الذي يطول مداه، بل قد يوأد في مهده، وما قد يترتب عن ذلك من تبعات لا حدود لها، وهي من قبيل: إلى أي وجهة يمكن أن يسافر المرء بمعية أسرته وعياله؟
هل إلى منطقة ريفية، حيث يفضل البعض الانطلاق في الفضاءات الجبلية وما تحتويه من مناظر طبيعية، تحفز على ممارسة الرياضات الجبلية، واستنشاق الهواء النقي الذي يبعث على الحياة مجددا بعد طول اختناق في مدارات ومتاهات المدن وعلبها الإسمنتية القاتلة؟ أو قد تكون الوجهة ساحلا بحريا من السواحل التي تخفف من وطأة الحرارة، لاسيما في المدن التي تشهد حرارة مفرطة في مثل هذا الوقت؟ هل تكون الوجهة مدينة من مدننا التي نعتز بالانتماء إليها، تشجيعا للسياحة الداخلية من جهة، ولإدماننا المفرط على اكتشافها من جهة أخرى؟ أم قد تكون الوجهة خارجية، إلى إحدى المدن الغربية؟
إنها أسئلة عديدة تطرح، وتراعي مدى الإمكانات المتاحة التي قد تيسر من تحقيقها وإنجاحها، وفي غياب هذا الشرط تظل الأسئلة معلقة إلى أجل غير مسمى بالطبع.
الأهم من هذا وذاك هو أننا نتساءل عن الجدوى من كل هذه الأسئلة، وما النفع الذي يمكن للمرء أن يحصده من خلالها، ذلك أن السفر هكذا دونما تخطيط مسبق، أو تفكير بناء في طبيعته وأبعاده وما قد ينجم عنه من نتائج، يصبح بلا معنى، وبلا ذوق، وبلا مردود ينتفع به.
هي ثقافة السفر إذن تطفو على السطح، وتصل المرء بضرورة التفكير القبلي في كيفية التعامل مع العطل، خاصة عطلة الصيف التي تمتد فترتها مقارنة بباقي العطل على مدار السنة، كيف السبيل للاستفادة من العطل، وما الإجراءات والتدابير التي بالإمكان أخذها بعين الاعتبار لإنجاح العطلة والسفر؟ هناك كثير من الناس لهم فكرة خاطئة عن معنى العطلة، ومدى أهميتها، ذلك أنهم يعتبرونها فرصة للراحة والاستجمام والابتعاد المؤقت عن أجواء العمل ورتابته، وهناك من يعتبرها فضلة لا خير يرجى منها لأنها تزجية للوقت ليس إلا، وهناك من يعد العطلة حقا مشروعا وجب التعامل معه بكثير من الرزانة والعقلانية، مما يدفعه للتخطيط له والتفكير العميق فيه مسبقا، من خلال جعل ميزانية معينة من الأجر الشهري في الهامش وتخزينها بكيفية فيها كثير من الحرص، والسير على هذا المنوال بكيفية منتظمة، ضمانا لعطلة جيدة تتوفر فيها الإمكانات الضرورية من أجل الاختيار الأنسب للوجهة المقصودة، ثم المدة الزمنية المخصصة لذلك، وكذا المصاريف المزمع رصدها لهذا الغرض، وكل ذلك يتطلب توفيرا محترما لميزانية تسد كل هذه الاحتياجات بل تضمن أيضا ما قد يواجه المرء في عطلته من طوارئ. إذا أردنا أن نطرح السؤال إبستيمولوجيا، كي نخضعه أو نكسبه بعدا معرفيا، هل نمتلك ثقافة للعطلة؟ هل لنا فكر معين لأهمية وقيمة العطلة الصيفية مثلا ومعها باقي العطل، ومـا يلحق ذلك من أسـفار؟
قلة قليلة من الناس يولون أهمية للعطل، لأنهم استأنسوا ربما على ذلك منذ سنوات، ولأنهم استفادوا بمعية أسرهم في مرحلة الصبا، من أن للعطلة بعدا نفعيا ينعكس إيجابا على نفسية الفرد، ويغني من معنوياته ويجعله أكثر انطلاقا، وحبا لعمله مهما كانت طبيعته، ولأنه يجدد طاقاته العقلية أيضا، وينفتح من خلال العطلة على ثقافات أخرى لأناس آخرين وعلى أفضية مكانية أخرى. والجواب الذي لا يختلف فيه اثنان، هو أننا لا نمتلك بعدا معرفيا يدفعنا للتفكير المسبق عقلانيا في العطلة وفي ما قد يلحقها من نتائج وتداعيات، في أغلب الأحيان وبنسبة كبرى، لكي تظل قلة قليلة من الناس هي من تجدها تسير في منحى التفكير الجاد والمبرمج مسبقا في أهمية العطلة، وسبل الاستفادة من وقتها الذي لا يقل أهمية عن الوقت المخصص لعملنا المعتاد طيلة السنة، وهو الأمر الذي نجده مختلفا وبنسب تدعو إلى الغيرة عند الإنسان الغربي، الذي يعرف كيف يجعل من عطلته فضاء زمكانيا لا يضاهى، من حيث استثمار الوقت، وتدبيره بكيفية ذكية.
أغلب الناس ليست لهم دراية كافية بأهمية العطلة في الحياة، لأنهم لم يعوا ولم يستأنسوا ولم يتعلموا قيمة العطل وما قد ينجم عنها من فوائد جمة، فضلا عن كل ذلك، فمن الأمور التي تجعل الإنسان يعيش نوعا من الفوضى في أثناء العطل المختلفة، خاصة في العطل الصيفية، الحاجة وقلة ما باليد، إذ لا يعقل لمياوم، أن يخصص جزءا من راتبه المفترض لكي يستفيد منه في العطلة مثلا، وهل يمتلك راتبا قارا في الأصل، أو هل يستفيد من العطلة وهو بالكاد يعيش في الهامش؟ زد على ذلك شريحة واسعة من الموظفين البسطاء، أو حتى من المحسوبين على الطبقة المتوسطة، فهم يعانون عسرا في العطلة الصيفية وكثير منهم يمحوها من قاموسه ولو لأجل مؤقت، ذلك أن التنقل من مكان لآخر، والسفر من حيز لآخر أثناء الصيف يتطلب ميزانية ليست بالهينة، بحيث على هذا المسافر أن يكون له حسن تدبير لراتبه، وأن يكون هذا الراتب كافيا في الأصل حتى يمكنه أن يخصم منه أقساطا معينة وتخزينها إلى حين العطلة، ومن ثم يطرح سؤال القدرة على السفر، وهي ليست قدرة جسدية بالضرورة، ولكنها قدرة مادية بالأساس. فالعطلة في العادة هي مدة زمنية تخصص للراحة والابتعاد المؤقت عن العمل، أو الوظيفة التي يمارسها الإنسان في مدار السنة، لكن ليس معنى ذلك أنها عطلة للراحة بامتياز، أي للتكاسل والاسترخاء، بعيدا عن عقلية الاشتغال، والتعاون مع الآخر سواء كان من أفراد الأسرة أو غريبا، ثم إنها مناسبة للمطالعة الحرة، لأنه كثيرا ما ننشغل بأعباء العمل الروتينية، ولا نتمكن من مطالعة بعض الكتب التي اقتنيناها مسبقا دونما الاستفادة منها، ومن ثم فالعطلة مناسبة لقراءتها والتملي في عوالمها الأدبية والفكرية والجمالية، ثم إن العطلة أيضا فرصة للرياضة، والتعرف على الثقافات الأخرى والعقليات البشرية التي بالإمكان الانفتاح عليها، وربط علاقات إنسانية معها.
هي مسألة تنظيم وتدبير عقلاني للزمن المخصص للعطلة، حتى يستفيد المرء منها، ويجدد الصلة بها وبالحياة والحركة والنشاط، فكم من عطلة لا تستجيب لمتطلبات العطلة، لأنها كانت شقاء ولم تكن سعادة، ولأنها كانت فوضى ولم تكن نظاما مسطرا مسبقا، وكم من عطلة خصصت لها ميزانيات محترمة، ولكنها كانت فاشلة، وبذلك فإنجاح العطلة الصيفية ليس رهينا بالماديات فقط، ولكنه يقتضي تدبيرا عقلانيا للزمن وتنويعا للأنشطة فيه، والانطلاق الحر، في المطالعة والفكر ومخالطة الناس والتعرف على عوائدهم وثقافاتهم وعقائدهم، وفي كل ذلك نعمة تريح المرء وتضفي عليه سكينة نفسية لا تضاهى.
هناك من الناس من يظن أن العطلة هي تطليق للعمل، وابتعاد كلي عن الثقافة، وهي مرتع للراحة وكفى، وفي هذا الطرح أو الزعم، تعطيل للفكر، وتكليس للثقافة، وإضعاف للقدرات الجسدية ولكل الحواس التي بالإمكان الاستفادة منها أو أنها تكون آلية لإنجاح العطلة وإسعاد صاحبها، فالعطلة ليست عطلة ثقافة كما جاء في الشق الثاني من عنوان المقالة، بل الأساس والمطلوب أن تكون العطلة فضاء مناسبا للثقافة، وأن تكون هي من حيث كونها زمن يستفاد منه، وقتا أنسب للتدبير والتنظيم في الزمن وفي المال، وفي الانشغالات المختلفة والممارسات التي بالإمكان خلقها، فما معنى العطلة إذا كانت خاوية من كل بعد ثقافي؟ وما قيمتها إن هي أولت الأهمية للراحة على حساب العقل؟ فلكي تكتمل راحتنا، وتتقوى أجسادنا وتتعافى من كل علة، فالأجدر لها أن توازي باعتدال تام بين الجسد والعقل، بين الروح والجسد، أليس المثل يعبر عن ذلك بصريح الخطاب» العقل السـليم في الجسم السلـيم»؟
نستنتج من كل هذا النقاش حول العطلة الصيفية، تلك العلاقة الناظمة بين الوقت وحسن تدبيره في سلوكاتنا اليومية عامة وفي فترات الراحة على وجه الخصوص، ذلك أن إمكانية استثمار العطلة تتأتى من أن نعي أولا قيمة الزمن وأهميته في حياة الإنسان، ثم ندرك إلى أي مستوى يمكن للإنسان أن يجعل من فترات العطل، خاصة منها عطل الصيف فرصة للمصالحة مع الثقافة والانسياب في عوالمها ومتاهاتها الممتعة واللذيذة ثانيا، في محاولة منا لتغيير العقلية السلبية التي تدعي أن العطلة ما هي إلا عطلة فلماذا الخوض في هذه الجدية والصرامة والتنظيم والتدبير وكل المصطلحات الرزينة التي بالإمكان أن تصلنا بكل شأن ثقافي تعليمي فكري إبداعي خلاق؟ لأن أصحاب هذا الرأي يستسلمون للعطلة من أجل الراحة، أو العطلة من أجل العطلة، فيقطعون أبدا مع كل تفكير أو تشغيل للعقل، والحال أننا في استمرار غير منقطع مع الثقافة لأنها موجودة في كل زمان ومكان، وهي ممتدة في الأبد، وهي لا تعترف بالهويات ولا الحدود ولا الأعراف ولا التقاليد.. لأنها النحن والهم والآخرون وكل ما هو كائن وممكن، لذلك فحتى في زمن العطلة، سواء صيفية أم ربيعية أم غيرها من العطل، لابد أن نحرص على ضرورة الانخراط المتواصل مع الثقافة وإلا سوف نتخلف عن الركب، وننزوي إلى الخلف، وندع غيرنا يعلم ويدرك أكثر منا.
كاتب وناقد من المغرب
نورالدين الخديري