من الممكن، بل من المرجّح، أن يصل اللبنانيون، مسؤولين ومواطنين، إلى شهر مارس 2017 وهم بلا رئيسٍ للجمهورية، وبلا قانونٍ للانتخابات وبالتالي من دون مجلسٍ للنواب، بل في حالٍ سياسية متفجرة يتعذّر معها على البرلمان الحالي (الممددة ولايته مرتين) تمديد ولايته مرةً ثالثة، وربما تكون حكومة الرئيس تمام سلام مستقيلة أيضاً وفي حال تصريف الأعمال…نعم، من الممكن، بل من المرجّح، أن يصل لبنان إلى حالٍ من الفراغ السلطوي الشامل بدليل:
أن مجلس النواب عاجز عن انتخاب رئيسٍ للجمهورية منذ انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان اواخرَ شهر مايو 2014. وليس ثمة ما يشير إلى إمكانية التوافق على انتخاب رئيسٍ جديد في المستقبل المنظور.
أن مجلس النواب عاجز عن الاجتماع للقيام بمهامه الاشتراعية منذ أشهر وسنوات لاستنكاف فريق كبير من النواب عن الحضور، بدعوى عدم جواز التشريع بوجود شغور في رئاسة الجمهورية.
أن مجلس الوزراء عاجز عن الاجتماع بانتظام للقيام بمهامه التنفيذية، بل إن الخلافات المتمادية بين الوزراء الذين يمثلون التكتلات النيابية المتناحرة تهدد الحكومة بشللٍ كامل وربما تدفعها إلى الاستقالة أيضاً.
أن الخلافات والمناحرات بين أركان طاولة الحوار الوطني قد وصلت إلى حدٍّ حملت رئيس مجلس النواب على تعليق الحوار إلى أجل غير مسمى.
أن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تعصف بالبلاد تتزايد وتتناسل من دون أن تلقى من السلطات المختصة أي معالجة جدّية على مدى أشهر وسنوات.
كل هذه الأدلة والشواهد تجعل من فراغ السلطة الشامل احتمالاً ماثلاً، فما العمل؟
أهل السلطة من محترفي السياسة وصنّاع الأزمات والمتعايشين معها يسارعون إلى «طمأنة» المتخوّفين بالقول إن لبنان عاش تجربةً سياسية واقتصاديــة قاسيــة بيـــن 1972 و1992، ومع ذلك تمكّن أهل السلطة من إدارتها وتجاوزها بتمديد ولاية مجلس النواب سحابة عشرين سنة إلى أن استقامت الأمور بإقرار اتفاق الوفاق الوطني (الطائف) وإجراء اول انتخابات بعده صيفَ عام 1992.
محترفو السياسة هؤلاء يعتقدون أنهم لن يُعدموا الذرائع والوسائل اللازمة لتمديد ولاية مجلس النواب ولو قبل ساعات معدودات من انتهاء ولايته الممددة، وان ذلك يُعطي الوضع السياسي جرعةً كافية من «الشرعية» اللازمة لإبقائه، وإبقائهم، على قيد الحياة.
سياسيون آخرون أبعد نظراً وأكثر حنكة لا يستبعدون أن تتطور الأحداث، سياسياً وأمنياً، على نحوٍ يصل معه اللبنانيون، مسؤولينَ ومواطنين، إلى فوضى ومتاهة يستحيل معهما إجراء انتخابات نيابية، كما تستحيل «شرعنة» الوضع السياسي باللجوء إلى المزيد من الشيء نفسه، أي إلى التمديد لمجلس النواب، والتمديد لمجلس الوزراء، ومعاودة انعقاد طاولة الحوار، وإلهاء الناس بمواقف ومظاهر لا تُغني ولا تُسمن من جوع. إذا كان احتمال الفراغ السلطوي الشامل ماثلاً ومعالجته بالأساليب التقليدية متعذّرةً، ما العمل؟
السؤال مطروح ليس على أهل سلطة العجز بطبيعة الحال، بل على القوى الوطنية الحيّة ودعاة التغيير والمواطنين الطيّبين الشرفاء. هؤلاء مدعوون الآن وليس غداً إلى التحوّط لاحتمال الفراغ السلطوي الشامل وتداعياته السياسية والأمنية، وذلك بالمبادرة إلى وضع تصوّر وخطة لمواجهته قبل أن تدهمنا جميعاً الفوضى والمتاهة.
يدرك أهل التغيير أنهم سيكونون وحدهم في مواجهة تحديات الأزمة المستفحلة، وأن القوى العربية الصديقة لن تستطيع مساندتهم، وأن القوى الخارجية المعادية التي كانت تدعم خصومهم من أهل نظام الطائفية والفساد والتبعية أضحت غير متمكّنة لانشغالها بالحروب والفتن التي افتعلتها في مختلف انحاء عالم العرب وباتت عاجزة عن التحكم بها.
كما يُدرك اهل التغيير أنه محكوم عليهم، بجميع مشاربهم وألوانهم، بأن يتكتّلوا ويتضامنوا، وأنهم بذلك يصبحون أكبر كتلة شعبية وازنة في البلاد، وانه سيكون في مقدورهم عندئذٍ أن يمارسوا تأثيراً نوعياً يفوق حجمهم العددي، وأن قوى وطنية وشعبية أخرى ممن تتلهى حالياً بلعبة السلطة في أروقة أهل النظام ستجد نفسها مضطرة إلى اللحاق بأهل التغيير وبحركتهم الشعبية المتعاظمة كي لا تفوتها ثمار موسم الحصاد، وأن كرة الثلج الشعبية المتدحرجة سيتعاظم حجمها لدرجة تضطر معها الشبكة الحاكمة إلى استعادة رشدها والتراجع عن صلفها فتتوافق، مع غيرها، على إقرار قانونٍ للانتخابات على أساس النسبية في دائرة وطنية واحدة أو، أقلّه، في دوائر خمس كبرى.
أما إذا امعنت الشبكة الحاكمة في مكابرتها وصلفها ورفضها فإن قوى التغيير وحلفاءها سيكونون، غالباً، قادرين على تنظيم مؤتمر وطني جامع يتولى وضع وإقرار إصلاحات دستورية وسياسية جذرية ليس أقلها نظام للانتخابات على أساس النسبية في دائرة وطنية واحدة وعلى المبادرة بلا إبطاء إلى إجراء انتخابات نيابية بمعزل عن سلطة العجز على كامل الأراضي اللبنانية دونما معوّقات إدارية أو أمنية مؤثرة من أي جهة سياسية أو رسمية. فالانتخابات المرتجاة ستكون أشبه باستطلاعٍ للرأي سبق لمؤسسات عدّة متخصصة أن أجرت بسهولة نماذج منه على مستوى لبنان كله.
الجيش اللبناني لن يقوم من تلقاء نفسه أو بطلب من سلطة العجز بإعاقة انتخابات وطنية ديمقراطية ستكون الأولى من نوعها في تاريخ لبنان المعاصر. فقد استخلص درساً لا ينسى من تجربته مع اهل السلطة ومعارضيهم في الحرب الأهلية مفاده وجوب عدم التدخل ضد أو مع أي من الجهات السياسية المتصارعة، إذ يؤدي ذلك إلى تصدّعه وتفككه.
الى ذلك، قد يستجيب الجيش الذي أضحى مع مصرف لبنان المركزي المؤسستين الرسميتين الوحيدتين الممكن اعتبارهما لبنانيتين بامتياز لإرادة غالبية اللبنانيين، فيعلن اعترافه بنتائج الانتخابات الديمقراطية وبالبرلمان والحكومة المنبثقين منها.
هذا المشهد السياسي يبدو غير قابل للتحقّيق في نظرصنّاع المشهد الطائفي الفاسد السائد وزبانيتهم ممن تعوّدوا العيش في إطار محاصصةٍ يتوزّعون بموجبها مع شركائهم من أركان الشبكة الحاكمة المناصبَ والمكاسب والمغانم والأسلاب. لكنه في منظور أهل التغيير الشجعان والمترعين بإرادة العمل والتصحيح والإصلاح والبناء والانماء امرٌ ممكن ومتاح وواجب الوجود والحضور.
كاتب لبناني
د. عصام نعمان