السبت المقدس.. تعويذة النفط.. وفضاءات من الغموض

إلى سفر الخروج حينما أكمل «الرب» بناء الكون و«ارتاح» يوم السبت، أو إلى سفر التثنية حينما خرج شعب اليهود فيه، من مصر بقيادة النبي موسى.. تعود بصورة رئيسية بعض من مفاهيم ومواقف الأحزاب الدينية الإسرائيلية من «الراحة» يوم السبت كفريضة دينية مقدسة، وفقاً للمعتقد وليس كما يفهم العالم أيام الراحة في سياقات قوانين «الشغل» مع حرية العمل فيها لمن أراد.
فمن يعمل يوم السبت فإنما هو، في أعراف اليهودية المتشددة، مخالف لتعليمات «الرب» وحتى الضرورات في هذا اليوم لن تبيح العمل لأنه طعن في المقدس. الأحزاب اليمينية في إسرائيل، وكما يبدو، على استعداد بأن تجعل تحالف السلطة قرباناً للسبت المقدس، كما اتضح في تداولات الحكومة الإسرائيلية حول مسألة صيانة السكك الحديدية مؤخراً. وربما بعد زمن قريب أو بعيد، وفي مسار عملية تخصيب الاحزاب الدينية المتطرفة فإنها ستعمل على أن «تسكب الرجز» على من يشغلون «سبتهم» بأي عمل «في البرية» أو المدن، لتنجيسهم قدسيته، أسوة بما ورد في سفر حزيقال.
العقلية العقائدية في إسرائيل تسجل نبضاً متزايداً وواضح المعنى لتقول.. نحن دولة دينية أولاً، ويمكن لنا أن نختلف ونطيح بالحكومات إن هي فرّطت، لظروف خاصة، بقدسية الراحة الإجبارية وأظهرت سلوكاً مخالفاً لتعليمات «الرب». وبالطبع هذا يثير تساؤلا كبير حول «علمانية الدولة الإسرائيلية»، وهل ستشهد إسرائيل تراجعا نحو العقائد الدينية وتصبح أصوات الدين السياسي هي الغالبة؟ ربما.
ومع اختلاف العصور، يبدو أن روح أشعيا بن نُون المتوثبة للقتل، وهو يدعو «الرب» بأن لا تغيب شمس الجمعة وتدخل عليه ليلة السبت كي لا تمنعه من قتل أهل «أورشليم» (ولم تمنعه)، هي الروح السائدة الآن، حيث يحرمون العمل يوم السبت لكنهم يبيحون فيه قصف وقتل أهل الأرض الفلسطينيين، ويعتبرون ذلك عملا يدخل في قدسية الأقداس التي تسبق أي طقوس للعبادات. ومن هنا فإن منهج التطرف في سلوك إسرائيل يأتي من عمق العقيدة، وهو قديم ولا يختلف عن حالات التطرف الأخرى، بل هو أشد وأكثر تنظيما وفاعلية لأنه مغلف بمنطق قوة الدولة وبإخراجات عصرية، وبالطبع محروس بغض الطرف من المجتمع الدولي.

تعويذة النفط

هل سيشكل النفط جسر التحالفات الدائمة والثابتة بين المملكة السعودية وروسيا؟ بالطبع هو عامل حيوي وحاسم لكنه وحده ربما لا يكفي. روسيا والسعودية دولتان مصدرتان للنفط وتعتمدان إلى حد كبير على أسعار النفط في السوق العالمية، وتواجهان تحديات سعرية منذ يونيو 2014 حين بدأت الأسعار تدريجيا بانخفاض مطرد. ويعتقد خبراء بأن عدم الاستجابة الكافية لضرورة خلق توازن بين العرض والطلب أطاح بالمستويات الواقعية لأسعار النفط، فتهاوت إلى حدود «مضرة» باقتصاديات الدول المنتجة في العالم، كما أنها شكلت عبئا كبيرا على موازنات المملكة السعودية ودول الخليج خاصة في هذه الظروف الشاقة.
وفي مجالات السياسة والاقتصاد يعتقد البعض أن فائض الخام الذي تتم تغذيته بشكل مستمر في السوق العالمية، أتى ضمن حسابات سياسية لها علاقة بالنزاعات التي تشهدها المنطقة العربية، وتتدخل فيها دول خارجية في مقدمتها روسيا وإيران بشكل مباشر، وهي عملياً تدخل في اعتبارات تتعلق بمحاولات كسر الإرادات بشتى الوسائل، خاصة أن النفط سلعة استراتيجية وشريان مهم لاقتصاد الأطراف المشتركة في الأزمات الدائرة حاليا في الشرق الأوسط.
روسيا تدرك أهمية السعودية والخليج في حاضر ومستقبل الشرق الأوسط، وتدرك أنه رغم تحالفاتها مع إيران والنظام في سوريا لضرورة روسية بحتة، إلا أن المستقبل يتطلب ديناميكية عالية في إعادة صياغة العلاقات، وربما التحالفات في المنطقة العربية.
المملكة السعودية من ناحيتها بحاجة ماسة إلى تقييم علاقاتها، وربما إلى مراجعة موضوعية للثوابت القديمة لسياساتها الخارجية، والسير نحو خلق توازن فاعل يخدم المصلحة السعودية والعربية. التفاهمات بين موسكو والرياض حول سياسات الإنتاج وآثارها السعرية والمراجعة المشتركة لظروف السوق، إن تماسكت في المستقبل، ستكون مفتاحا حقيقيا ماديا لعلاقات أكثر واقعية في عالم مضطرب المصالح والروابط خلال هذه الحقبة الزمنية المثيرة. فهل تفتح تعويذة النفط بعض الأبواب المؤصدة منذ زمن؟

السعودية ومصر فضاءات من الغموض

هناك ضرورة موضوعية لعلاقات طبيعية وثابتة ومتينة بين مصر والسعودية، مع التسليم بوجود خلافات حول مسائل لها خصوصيات في هذه المرحلة العربية المتوترة. لكن من زاوية أخرى يرى المراقبون أن هناك غموضا يثير دهشة حقيقية حول تباينات مواقف الدولتين ازاء قضايا كبيرة في المنطقة، أي أن المثير للفضول ليس الاختلاف في الرؤية انطلاقا من متطلبات الأوضاع الداخلية وأولويات كل دولة، ولكن المثير هو حالة الفتور في التنسيق والمشاورات الجادة لتحديد مناطق التماس الطبيعية واكتشاف معدل التباعد الباعث على القلق، واعتماد الشفافية في وضع المعالجات كما تفعل دول العالم، ورغم أنه ليس من المنطق أن تكون هناك تطابقات كاملة في المواقف ازاء الوضع العربي المضطرب، لكن الموقف ازاء التدخلات الخارجية يحتاج إلى وضوح كامل ولا ينفع أن تصاحبه رهانات متباينة.
الغموض، من وجهة نظر كثير من المتابعين، يعني شيئا واحدا وهو الحفاظ على الود والتعاون بدون الشراكة الحقيقية في مواجهة التحديات الكبيرة، وهذا بحد ذاته أمر لا يجوز أن يصبح صفة سائدة في زمن يحتاج العرب إلى ترتيب أولوياتهم وفقاً لمتطلبات الأمن القومي العربي الذي يتحدثون عنه منذ زمن بعيد. وهو أيضاً بحاجة ماسة إلى أن يتجاوز قادة البلدين حالة «تأمل» الملك سلمان و«برطمة» الرئيس السيسي.

٭ كاتب يمني

السبت المقدس.. تعويذة النفط.. وفضاءات من الغموض

أحمد عبد اللاه

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية