نبش وتتبع المواضيع العربية المغمورة في بطون مجلدات المجلات الروسية في أواخر القرن التاسع عشر، وما تتصف به من أبعاد تتعلق بمدنيتنا العميقة وآثارها الظاهرة، وما تحمله من عناصر الإغراء والإغواء، والتمعن في وصفها الجغرافي والتاريخي المُسند إلى أعمال المُنقبين الأثريين والرحالين والبعثات الدبلوماسية الروسية، يعتبر مكوناَ مهماً في أركان الببليوغرافيا السياسية والتأريخ العربي الوقائعي مطلع الزمن المعاصر، على ما فيها من متعة وتوثب وأهمية في استجلاء قلاقل الماضي وماهيتها التاريخية.
وأيضاً تسليط الشعاع على ضرب من تصورات الكتاب الروس عن تعاليم الإسلام وفرائضه وآثاره العقلية. وهنا نبغي التركيز على صحيفة مميزة، هي الأكثر بروزاً للعيان حينذاك في روسيا، والأوسع سمعة وانتشار وسط جمهرة القراء الروس، نقصد (المصورات العالمية 1869-1898)، التي حمل ناشرها، غيرمان غوبب، رؤية تتسم بالانفتاح على أعراف الآخر وثقافته. وفيها رسامون ونقاش وكتاب موهوبون، انفردوا في نشر مواد مصورة تؤرخ الذاكرة الإنسانية، مصحوبة بنصوص توضيحية عَرَّفتْ بملل وأديان الشرق الإسلامي وحضاراته المتنوعة.
ورغم أن العالم العربي لم يحظ بأولوية في توجهات الناشر واهتمامات الرأي العام الروسي في عاصمة القياصرة سانت- بطرسبورغ، غير أنَّ ثقافات البلدان العربية وما مرت به من تقلبات، شغلت حيزاً ملحوظاً بين تضاعيف هذه المجلة المنوعة. ويلاحظ متصفح مجلدات أعدادها الأسبوعية على امتداد ثلاثة عقود، (أذكر للعلم أنّي اطلعت عليها جميعا من الجلدة إلى الجلدة، واستنشقت من غبارها المتراكم لأكثر من مئة عام الكثير الكثير!) أنّها نشرت رسومات وصوراً وخرائط ومقالات نادرة، تُعرف بأحوال الشرق العربي والإسلامي وعقائده الدينية وتقاليده القومية ومقدساته، وركزت على الحواضر العربية وبلدان آسيا الوسطى وتركيا وإيران وأفغانستان. ومما يدخل في عداد هذه المقالات موضوعان مصوران، يهمنا أن نُعرف القارئ العربي بهما، نُشرا باللغة الروسية في مستهل ثمانينيات القرن التاسع عشر، ولم تتم ترجمتهما إلى اللغة العربية أو ذكرهما في أيّ من المراجع والفهارس العربية والروسية، رغم احتوائهما على رسومات نادرة للحرمين الشريفين وصورة فذة لضريح الرسول الكريم ( صلى الله عليه وسلم) في المدينة المنورة، بريشة وعدسة أكثر من رسام ومصور روسي.
وعلى غير العادة لم يتم ذكر مُعدي المقالين. نُشر الموضوع الأول يوم ( 20 أيلول/سبتمبر عام 1880)، بعنوان (قبر محمد في المدينة)، والثاني (الحج إلى مكة) يوم ( 24 أبريل/نيسان عام 1882)، تتصدره الآيتان (72-28) من سورة الحج، التي ينسبهما المؤلف، جهلاً وبطلاناً إلى الرسول الكريم. هذا الخلط المتعمد بين آيات القرآن الكريم والحديث النَّبويِّ الشريف سُنة تتكرر كثيراً في كتابات اللاهوتيين والمستشرقين الأوروبيين المتزمتين، ويُراد منه التشكيك بكلام الله لإعطاء القرآن الكريم بعداً بشرياً والطعن بالإسلام كدين سماوي.
الحج إلى مكة
«وأَذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كُل ضامرٍ يأتينَ من كُل فجٍ عميقٍ ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله»(سورة الحج27 -28).
هكذا ينص حديثٌ مأثورٌ لمحمد مُدرج في سورة (عن الحج) في القرآن! ووفقاً لهذا، يعد واجباً وفرضاً على كل مسلم طاهر يملك الإمكانية والمال أن يحج، ولو مرة واحدة في الحياة، مكة- المدينة المقدسة، موطن ولادة محمد. ولأجل هذه المأثرة الشريفة ينال لقب حاج.
تقع مدينة مكة المكرمة في المقاطعة العربية جدة. وتقوم على مرتفع صحراوي، تحيطها جبال عالية ذات تركيبة رملية، ومن بعيد تشكل منظراً بديعا. بيوتها، وفي عدادها أبنية كثيرة ذات ثلاثة طوابق، شيدت من حجر رمادي غامق، وشوارعها عريضة إلا أنه غير نظيفة. في ضواحي المدينة فتح البدو حوانيت بائسة، وعلى أعتابها نصبوا خيامهم الرَّثة.
مدينة مكة محمية بحصن صغير، سكانها نحو (45) ألف نسمة؛ غير أنه، عادة ما، يحل في مكة على امتداد الشهر الأخير من السنة، الذي يُسمى ذو الحِجّة، بين (100-150) ألف حاج من جميع البلدان، يقصدون موطن ولادة النَّبيّ والسجود في الحرم المقدس الكعبة. تقوم الكعبة على أرض المسجد الحرام، وتسمى بيت الله، ومركز المدينة،. تفتح هذه العتبة المقدسة مرة واحدة في السنة، وحصراً في موسم الحج.
وصف الكعبة وابن راعي الكنيسة
الحرم فناء كبير مستطيل الشكل، طوله (525) قدماً وعرضه (426) قدماً. محاط، من ثلاث جهات، بثلاث منارات من الجرانيت والمرمر. ارتفاع كل منارة نحو (25) متراً، وتتصل من الأعلى بعدة عقود صغيرة. يستوعب الفناء الداخلي (6-7) آلاف مصل في آنٍ. والمسجد محاط بجدار سميك، شقت فيه ثماني عشرة بوابة لا تغلق أبداً. ووراء الجدار، شيدت بيوت ينزل فيها الحجاج الأثرياء. أرضية الفناء مغطاة بالرمل، وعبرها تمر طرق عدة رصفت بالحجر تؤدي إلى مكان مبلط بيضاوي الشكل ممدود تقوم عليه الكعبة الشريفة، ويقع في مركز الفناء. والمهم ملاحظة، أن المسلمين يبجلون هذه العتبة المقدسة، ومن عواقب هذا التبجيل تزمتهم المعروف. إذ أن قلة من الأوروبيين تمكنوا من التسلل إليها ومعاينة كل جزئياتها. فقط نفر منهم نال مقصده، ويومها اضطر إلى ارتداء ثياب المسلمين وأداء مراسم الحج، المكتوبة شرعاً على المؤمنين، حرفياً وبدقة.
ويعد جون كين، ابن الأمريكي وليام كين، راعي كنسية في كلكوتّا، أحد الرحالة المعاصرين الذين تمكنوا من زيارة مكة. وسجل وقائع رحلته في كتاب نشره بعنوان «ستة أشهر في مكة». ويضم وصفاً مهماً للكعبة والمراسم والطقوس التي تشكل فرائض الحج المبارك في مكة.
الحجر الأسود ياقوت أحمر أم ملاك؟
على المكان البيضاوي، المذكور أعلاه، تقوم، وسط باحة المسجد الحرام، بناية الكعبة المربعة، التي ركبت من كتل صخرية متينة مرصوصة يلاصق بعضها بعضا، خالية النقوش تماماً. طولها (38) قدماً، وعرضها (30) قدماً، وارتفاعها (40) قدماً. مظهرها الخارجي مغطى بقماش حرير أسود سميك. وعلى مسافة خمسة أقدام من قمة البناية، يمتد كلام مأثور نسج بالذهب، يشكل العقيدة الأساسية لدين المسلمين؛ لا اله إلا الله محمد رسول الله. كسوة الكعبة الخارجية كلها مطرزة بالذهب. في هذه الكسوة شُقتْ ثلاث فتحات؛ إحداها مغلقة بحجاب موشّى وبثراء بالذهب، يخفي باباً صُفّحَ بالفضة، يؤدي إلى داخل الكعبة. الجدران الداخلية للمبنى مغطاة بقماش ثمين؛ وفي أحد أركانه، على مسافة قدمين من أساس الكعبة، شقت فتحة دائرية محيطها نحو خمسة أقدام، ومنها يمكن رؤية منصة فضية ضخمة في داخلها- وبالعمق نفسه، ما يحول دون تميزه، أُدخل الحجر الأسود الشريف- هذا الحجر حجمه بحجم رأس الإنسان، لونه بني غامق شبيه بالزجاج؛ يبدو مظهره الخارجي غير مستو، ومن الممكن أن يحصل هذا بتأثير العوم أو التشقيق، حسب كلام كين. وهو شبيه بالسبج (زجاج بركاني). أما بخصوص اللون فقد قام كين بمحاولة خدش الحجر بإصبعه وحينها لاحظ أن لون سطحه أبيض.
الأساطير، ذات الصلة بهذا الحجر، كثيرة للغاية ومتنوعة؛ حسب إحدى الروايات، أن جبريل سلم إبراهيم، الذي أوعِزَ إليه بناء الكعبة، ياقوتاً أحمر ضخماً، لكن من كثرة ذنوب البشر تغير لون هذا الياقوت إلى الأسود. هذه القصة تقود إلى افتراض أن الحجر الأسود- نيزك- لكن ما أورده كين أعلاه يجعل هذا الافتراض غير واقعي. والرواية الثانية، الأكثر انتشاراً من غيرها، تقول؛ إن الحجر الأسود، ما هو إلا ذاك الملاك الذي عُيَّنَ لخدمة أدم وحواء في الجنة، وحُوّل إلى حجر، لأنه سمح للشيطان، في هيئة حية، إغراءهما في تذوق الثمرة المحرمة، التي تعدها روايات إسلامية أخرى الحنطة.، في يوم الحساب العسير سيعود الحجر ثانية إلى منظره السالف.
في الركن الجنوبي- الغربي للكعبة يربض حجر جرانيت آخر مستطيل الهيئة، يزوره الحجاج، باهتمام، أثناء أدائهم الطواف سبع مرات حول البناء المكرم. ووفق الرواية شيدت الكعبة على المكان الذي طرد إليه آدم من الجنة، ولأول مرة سجد فيه لله داخل بيت شعر، الذي أُنزل من السماء خصيصاً لهذا المرام. وفي وقت لاحق عَمّر (سيف ابن آدم) في هذا المكان بيتاً، أعاد بناءه إبراهيم بعد الطوفان. وتحت الكعبة دفنت هاجر وابنها إسماعيل. هذا المكان استخدم، قبل ظهور محمد، لعبادة عرب الجاهلية، والآن هو موضع مُبجل عند كافة مسلمي العالم. كل المؤمنين يوجهون أنظارهم نحوه أثناء الصلاة، مهما بعدوا، وفي أي بلد تواجدوا.
زمزم وعرفات والروح الشريرة
إضافة إلى الحرم تقع خارج الكعبة أيضاً أماكن مشهودة هي؛ بئر زمزم المقدس، المغطى بستار، من هذا البئر، تذكر الرواية، غرفت هاجر الماء، لتسقي إسماعيل، الجد الأقدم للقبائل العربية. وما خلاها من الأماكن، يجذب الانتباه بُيت، بُنيَ على حجر، حيث يحفظ أثر قدم إبراهيم. وهناك أيضاً (محاريب) للصلاة والتوسلات لأتباع المذاهب الإسلامية الشرعية الأربعة. غالبية الحجاج يصلون إلى مكة مع إحدى القافلتين- إما القافلة السورية أو القافلة المصرية. قبل يوم من وصول الحجاج إلى مكة عليهم أن يرتدوا ثياباً، خصصت لهذه المناسبة. ما يميز هذه الثياب هو أنها تترك الكتف الأيمن واليد اليمنى مكشوفتين. مع ارتداء هذا الثوب يحلق الحاج شعر رأسه تماماً، ويبقى بلا غطاء. في مكة يلجأ الحجاج إلى مرشدين دينيين خاصين (طوافين)، لأجل أن يؤدوا الشعائر والعبادات الدينية بشكل سليم ودقيق. وضمن هذه الشعائر يندرج، الطواف سبع مرات حول الكعبة وتقبيل الحجر الأسود؛ وأيضاً يجب أن يشرب الحاج الماء من بئر زمزم المكرم، كعلامة تُذكّر بمعاناة هاجر في الصحراء، والسعي سبع مرات ذهاباً وإياباً في إحدى طرق مكة – هذا كله يجري تحت أشعة البادية اللافحة ووسط تدافع الحجاج المروع، شعائر الحج هذه المفروضة تنفذ بالتناوب.
بعد أداء هذه الشعائر تتوجه حشود الحجاج إلى جبل عرفات، الواقع على بعد يوم واحد من المسير عن مكة، وهناك يستمع الحجاج إلى الخطبة، وفي طريق العودة على كل حاج أن يجمع سبعة أحجار أو سبعين حجراً لرميها في (وادي منى)، على عمود، وتعد هذه الشعيرة رمزاً لرمي رأس الشيطان، لأجل طرد الروح الشريرة عن النفس. وفي هذا الوادي تقدم القرابين العظيمة، لذكرى تضحية إبراهيم. ومع هذه الشعيرة تختتم شعائر الحج ـ اليوم الذي تنحر فيه الأضاحي ـ هو يوم العاشر من الشهر الأخير (10 ذو الحِجّةِ)، يسمى بعيد الأضحى الكبير، وفيه يحتفل جميع أنحاء العالم الإسلامي. وبعد انقضاء أيام العيد يعود الحجاج إلى ديارهم. ونُذكر أن الرَّحالة أيبيرس وصف وببراعة عودة الحجاج إلى القاهرة في مؤلفه عن مصر.
ويتميز ميناء مكة الرائع – جدّة- في أَنَّ كثيراً من بيوته شيدت من المرجان، الموجود بوفرة في البحر الأحمر.
أما مدينة المسلمين المقدسة الأخرى، فهي المدينة التي هاجر إليها مُحمّد من مدينته، مكة عام (622) ميلادية، وفيها توفي. وقبل ذاك كان اسمها يثرب.
الاسم الأصلي الحالي اشتق من العبارة العربية مدينة النَّبيِّ. سكان المدينة (20000) نسمة، وهي ليست ذات أهمية كبيرة بالنسبة للعالم الخارجي.
ويعد قبر النَّبيِّ، أهم معلم جدير بالاهتمام في هذه المدينة. وعليه أقيم بناء أخضر، يمكن النظر إليه عبر فتحة، يطلق عليها (شباك النَّبيِّ).
غير أن السجاجيد الكبيرة المعلقة تحول دون نفاذ البصر إلى الضريح، الذي هو منيع عن السجود المباشر حتى لأنصار النّبيِّ الغيورين. وشد الرِحال إلى المدينة لا يحمل الأهمية نفسها بالنسبة للمؤمنين، كما هو لمكة، لهذا فإن زيارة الحجاج للمدينة أقل منها لمكة.
* باحث وأُستاذ جامعي عراقي ـ روسيا
تقديم وترجمة: ناظم مجيد حمود