الاستلهام والترصيف في لوحات العراقي شاكر خالد خالد

حجم الخط
0

الرباط – من لحسن ملواني: من مواليد بغداد، مطلع الخمسينيات، عضو فاعل في جمعيات ونقابات الفنانين والصحافيين، له مشاركات نوعية داخل العراق وخارجه عبر معارض تشهد على تميزه وروعة إنجازاته الإبداعية، عمل صحافيا في جريدة «الجمهورية» وجريدة «العراق»، وعمل مديرا للمعارض والقاعات الفنية، كما كان مدرسا في الجامعة المستنصرية سابقا… سيرته الإبداعية ثرية وغنية تحتاج إلى صفحات، إنه المبدع والتشكيلي شاكر خالد خالد.
مفعم الرؤية بجمال التراث وعراقته، مسكون به، يستخدم طاقته وتقنياته الفنية ليخَلّد نظرتَه الجماليّة فتحكي ألق الحضارة العراقية والعربية والتراث الإسلامي. يراهن على تجربته الثرية بُغية المساهمة في تعزيز التشبث بالهوية عبر الإبداع، باعتباراته التأثيرية على القلوب والعقول، وباعتبار فعاليته في تخليد ما يمكن أن ينفلت من الذاكرة فيطاله النسيان.
أعماله المرصوفة بعناية الخبير بأدواته وبأبعاد العملية الفنية تحيل على العشق للمكان والصومعة والجدار، واللون والخط حين يصير حيا يعقد بينه وبين الرائين تواصلا حميميا صبغة الجمال وعمق الرؤية، فيدهشك باختياراته اللونية والتصميمية لمفردات أعماله الدالة على لامحدودية منتجه ومنجزه الإبداعي. وتبدو عنايته ودقة هندسته لمحتوى اللوحة موزعا بين الشكل الصارم والاختيار المواتي لفكرته النابعة من شعوره أو لاشعوره… فتجريدياته بعيدة عن العفوية السهلة المبنية على العبثية في التوزيعات اللونية، لتبقى اختياراته الموضوعاتية والإخراجية الجمالية أهم سمة تتصف به رؤيته الإبداعية بغض الطرف عن تقنياته المتنوعة في التناول.
هاجسُ الموت والرعب منه، هاجسُ الرغبة في معانقة الحياة عبر فضاءات يبدو عليها الثراء والتبجيل والجمال ، هاجسُ خلق الصلة بين الماضي والحاضر، هاجسُ الدعوة إلى الإقبال على تأمل الجمال في اللون راسما أبعاد وعمق الفضاء، هاجس العودة والاقتراب إلى جلال القباب والأماكن العبقة بأريج حضارة عظيمة استقت منها أمم وأمم… كلها هواجس نجد لها التواجد البارز في أعمال هذا المبدع العراقي المتميز. حتى في تجريدياته نجد هذا الاهتمام والتأثيث الجمالي بعناصر تراثية مختلفة من عمل إلى آخر.
قوة أعماله تكمن في العناية الفائقة بإكمال اللمسة الجمالية بالدقة المطلوبة لتشعر إزاءها بهذا التمام الذي يحبوها الجمالية التي تملأ العين فلا تشعر إزاءها لا باعوجاج ولا نقصان. الحيوية والحركية في أعماله الفنية تتجلى في تشكيلاته اللونية المنجزة بعناية، أو في وضعيات الأشخاص التي تحملها فضاءات الأعمال. وبصدد اهتماماته بتجسيد التراث في لوحاته نجده يزود المعطى التراثي بما يجعله مختلفا يحمل جمالية وإبداعية إضافية، معتبرا ذلك ضمن غايات الإبداع. إذ يعتبر هذا الأخير استحداثا وابتكارا لشيء جديد، فهو إنتاج لعمل غير مألوف، ضمن شروط وسياقات اجتماعية وذاتية تجعله ذا قيمة من قبل صاحبه ومن قبل المتلقين له. ولا شك أن الإبداع عملية ليست هينة الإنجاز، ويدل على ذلك نسبة المبدعين في كل المجتمعات مقارنة بغيرهم، فخصائص الإبداع تقتضي من المبدع صفات ومواصفات لا يمتلكها غيره. وطبيعته الخاصة تجعله يقتضي التخطيط والتركيب عبر رؤية بها من شخصية وقدرات المبدع ما يعطيها تميزها عن غيرها من الإبداعات، فهو المالك للقدرة على إعادة بناء علاقات في قالب مستحدث مخالف مُبتَكر.
شاكر خالد يقتبس من ذاكرة تربطه بماض لا شك في كونه يحمل ما يجب ألا يمحى، وما يجب أن يخلد في النفوس، يقدم ذلك في مشاهد ساحرة جدا، تجعلك فعلا مأخوذا إليها بقلب محب، وبعين عاشقة وتأمل عميق لما بناه الأجداد، وما ينبغي أن يعرفه الأحفاد للبناء وِفْقَهُ وبإضافات نوعية تزيده ألقا.
يستلهم التراث وفق رؤية انتقائية معززة بالقدرة الإخراجية، ووفق هندسة إبداعية مبنية على تجربة طويلة ومثمرة، على أنه لا تكاد تخلو لوحاته من الموضوعات والرموز التراثية، سواء من حيث خلفياتها أو من حيث عناصر تحيط بموضوعها الأساس من أشرطة زخرفية، وأدوات وأفرشة وغيرها…
في الوقت ذاته لا بد من ربط الفنان بمآسي بلده الجريح الساعي إلى النهوض من كبوته متخطيا الصراعات الضيقة التي لا نتيجة منها سوى مزيد من الدمار، فهو في منجزه الإبداعي يحاول أن يعقد مقارنة ما بين عهد ماض هادئ ينعم بأمن الأخوة والوئام وبين حاضر تغتاله النزاعات بوحشية وعنف.
إنها رسالة الفنان الملتزم بهموم الإنسانية ساعيا في الوقت ذاته للتأسيس أو المساهمة في استنبات رونق جمالي يحدوه الغير ويضيف إليه.
في نسيج أعماله الفنية بصمته البارزة، فتقنياته وتركيباته تتخذ المنحى نفسه، لكن في موضوعات مختلفة ومتنوعة، ما يؤشر إلى كفاءته وسعة مهاراته الإبداعية. وهو في ذلك فنان أصيل يحذر السقوط في العبثية والتجريد غير المعترف بالحدود والمعقولية للرونق الإبداعي، مع ما يقتضيه ذلك من إضافات نوعية مبنية على أسس فنية تنسجم والثقافة العربية.
لوحات خالد تضج بالحركة، تضج بالثيمات المتعانقة لتجسيد مشهد تراجيدي أو لتخلد فرحة في أعماق الوجدان، أو لتحيل إلى تاريخ جميل راسخ في ذاكرته يذَكِّره بما كان مقارنة بما صار ويصير في حاضر تعتريه التقلبات والتحولات بلا هوادة ولا استكانة، تحولات تنعكس على التجارب الإبداعية بشكل فلسفي عميق يدعو للقراءة وإعادة القراءة للواقع الذي تتضمنه. وفي اللوحة ذاتها تجد موضوعات متشابكة وجامعة لعدة أوجه حياتية. فهذه لوحة تبدو فيها يدان متشادتان ترميزا إلى المودة والوحدة، وفي ناحية منها تبدو يد بأصبعين يرسمان إشارة الانتصار، وفي ناحية جندي يعانق طفلا ليبدد رعبا استبد به فرَاحَ يطلب النجاة، ورجلان متعانقان، وطائرات وقطارات وقباب، ونهر أو بحر لجي… إضافة إلى بورتريهات تعود بنا إلى شخصيات لها وقعها ووزنها في التاريخ العربي والبشري بصفة عامة، مع الإشارة إلى كون بورتريهاته لا تأتي إلا وهي مشفوعة بقوالب ومؤثثات فنية نعتبرها إضافات إبداعية نوعية لتجربته الفنية.. ويخلص المتأمل لعموم أعماله إلى قدرته الفائقة على العملية التركيبية بين معطيات أعماله الفنية بشكل يبدي انسجامها الجمالي الرائق. لوحات بهذه الصيغة تحاول أن تقول وتعبر دفعة واحدة عن كل الهواجس وعن كل ما يملأ العين والسمع في عالم حربائي يتأرجح بين ذل الانكسار وفرحة الانتصار، ودمعة الفراق وبسمة العودة.
يرتبط مساره الإبداعي بفترات متعددة من تاريخ العراق والأمة العربية، ولعل ذلك ما يتجسد في كثير من رؤاه المصوغة بعناية المتمكن من أدواته بجدارة وبتحكم تجعله يستطيع إبراز ما يستهدفه بالتشكيل إبرازا تام الجمالية، تام البناء منظورا وتصميما وتوازنا وانسجاما، تجعلك تتشوق إلى السير ببصرك متقصيا فحوى مفردات المشهد واستعادة للمشاهد الممثلة بتكاملها أو بتمايزاتها.. لوحات تقدم متعة بجمالية أخاذة وتقدم لمحة تاريخية لشخصية أو لمكان.
كل ذلك يتبدَّى لمتذوقي الفنون التشكيلية بأبعادها الفنية والإبداعية في أعمال هذا الفنان الذي ما كان ليبلغ ذاك المقام لولا ممارسته للفن إبداعا وتدريسا ومناقشة عشرات الأعوام (40 عاما) مدة طويلة في الاحتكاك بأدوات التشكيل وتجاربه ومدارسه ومستجداته محتفظا بنهجه وأسلوبه المتميز.

الاستلهام والترصيف في لوحات العراقي شاكر خالد خالد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية