«فرانتز» للفرنسي فرانسوا أوزون: الحب والأمل في زمن الحرب

حجم الخط
0

باريس ـ «القدس العربي» من سليم البيك هنالك أفلام عن الحروب، وهنالك عن الحب، وهنالك ما يجمع بينهما، كما أن هنالك أفلاما ملوّنة وهنالك أبيض وأسود، لكن فيلم المخرج الفرنسي فرانسوا أوزون الأخير «Frantz» لم يكن تحديداً أياً من هذه، فهو فيلم عن «التروما» ما بعد الحرب، أو الآثار النفسية للحرب المنتهية حديثاً على الشخصيات، وبذلك تكون الحرب العالمية الأولى حاضرة وغائبة في آن، وهنالك علاقة الحب المترددة بالنشوء بين الشخصيتين الرئيسيتين، وإن بدت ملامحها باكراً من المشاهد الأولى. وهنالك التداخل بين المشاهد الملونة وتلك التي بالأبيض والأسود.
يذكّر هذا اللااستقرار بسيرة أوزون الفيلميّة، وهو غزير الإنتاج رغم صغر سنّه نسبياً (48 عاماً)، ففيلمه ما قبل الأخير «الصديقة الجديدة» يتناول الهويّة الجنسية، وقبله «شابة وجميلة» يتناول الدعارة، وفي كليهما تشويق، وهنالك أفلام غموض كـما في «في المنزل»، وكوميديا كما في «مزهرية»، وموسيقية كما في «ثماني نساء»، وهنالك السيكولوجيا كما في «المسبح»، وغيرها حيث تتباعد الأفلام عن بعضها شكلاً ومضموناً.
فيلمه الأخير «فرانتز»، شارك قبل أيام في مهرجان فينيسيا السينمائي وبدأت عروضه في الصالات الفرنسية، وقد استوحاه من فيلم للمخرج الألماني الأمريكي المعروف إرنست لوبيتش «تهليلة مكسورة» في 1932، معطياً الدّور الأساسي فيه للمرأة، كما معظم أفلام أوزون، وقد نالت فيه الألمانية باولا بير جائزة مارتشيلو ماستروياني في المهرجان الإيطالي كأفضل ممثلة صاعدة. في فيلمه هذا يصوّر أوزون حياة آنا (باولا بير) وأدريان (الفرنسي بيير نيني) في مرحلة ما بعد الحرب وما قبل الحب، فيعيشان على تخوم الاثنين، من دون الحرب إنما مع ثقلها على كل تفصيل في حياتهما، ومن دون الحب إنما مع عبئه وهو يحوم حولهما.
يبدأ الفيلم في بلدة ألمانية، آنا تضع الورود على قبر فرانتز، خطيبها الذي استُدعي إلى الجبهة لقتال الفرنسيين وقُتل هناك. يزور أدريان أهل فرانتز ويقدّم نفسه كصديق لابنهم الذي كان في باريس قبل الحرب، يتردّد على قبر فرانتز ليضع الورود ويبكي، وعلى بيت أهله ويخبرهم قصصاً عنه هو وابنهم في باريس. ثم يُظهر كل من آنا وأدريان إعجابه بالآخر. أما الانعطافة الأولى في الحكاية فهي حين يخبرها بأن كل ما قاله لهم كذب وأنّه الذي قتل فرانتز وأنه لم يعرفه أبداً، تواجد الاثنان في خندق، جندي ألماني وآخر فرنسي، وكان عليه هو أن يطلق النار أولاً، وأخبرها أنه أخيراً أتى كي يطلب السماح من أهل فرانتز.
يعود إلى باريس، تفكّر هي به وتقرّر أن ترد على رسائله التي تجاهلتها، ثم تلحقه بعدما عادت إليها رسالتها بسبب تغيير عنوانه، وهنا انعطافة أخرى في الحكاية، تلحقه وتبحث عنه في باريس، تجده بعد أيام، ويبدأ الفيلم بالاقتراب من نهايته هنا.
التنقلات بين الأبيض والأسود وبين الملوّن تعلّق أكثر بالحالة التي تعيشها الشخصيات لحظتها، ففي حالة الحزن والحداد كان التصوير بالأبيض والأسود، ومعظم مدة الفيلم كانت كذلك، في المَشاهد القليلة حيث تنتقل الحالة من ما بعد الحرب إلى ما قبل الحب، أو حتى الذكريات الجميلة التي رواها كذباً أدريان عنه وعن فرانتز، تبدأ الصورة بالتّلون، إنّما ألوان باهتة تحافظ على أجواء تلك الأزمنة، وذلك حتى اللقطة الأخيرة، الثواني القليلة الأخيرة، حيث ينتقل الأبيض والأسود إلى الألوان بشدّة قوية لم توجد في باقي مَشاهد الفيلم، مع أمل تحمله آنا التي بدأت تعيش حياة بعيدة عن الحرب والحداد وظلالهما، جالسة أمام لوحة «المنتحر» لإدوارد مانيه في متحف اللوفر، تبتسم وتتحدث عن الأمل.
قد تقول اللقطة الأخيرة ما أراد الفيلم كلّه أن يقوله، ففيه رسالة واضحة من خلال الحوارات ومجمل الحكاية، عن الحرب كمسبّب للعبث والانتحار في حياة المتأثرين بها، وعن السلم بما يحويه من الحب والغفران والموسيقى، فقد عزف أدريان وآنا في بيتين في ألمانيا وفرنسا، وفي الفيلم رسالة أمل جعلت آنا تظهر بذلك الزّهو في الأوان وتحكي، وقد قررت أن تبقى في باريس ما بعد الحرب، وهي الألمانية، تحكي عن الأمل.

«فرانتز» للفرنسي فرانسوا أوزون: الحب والأمل في زمن الحرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية