في الرؤية الفنية للمخرج السوري محمد ملص نوع من ترتيب الصور والذكريات، مع موسيقى خفيفة بالكاد تسمعها من وراء حركة الصور. لكن لا توجد حركة كاميرا سريعة، بل هو يتأنى في متابعة ذكرياته بتفاصيلها وكأنه يعيد كتابة الماضي، ذلك إن الحبكة غير موجودة، ولو لا بد من التصنيفات الكلاسيكية أرى أنه يكتب نصا بالصور ولا يصنع فيلما له حكاية. أما أسلوبه فهو أقرب ما يكون لتيار الشعور والرواية الفرنسية الجديدة. لا يمكننا أن ننظر إلى محمد ملص على أنه ضمن المشهد العام للسينما في دمشق، فمن سبقه لا يخرج على واحد من ثلاثة:
1 ـ مدرسة أفلام الأكشن المعتدلة التي يمثلها محمد شاهين، فقد كان مولعا بالحركة والألعاب البهلوانية بالكاميرا، وحتى إذا حول رواية لحنا مينة بجهازها الأيديولوجي المعروف، غالبا ما يلجأ للحذف والتفصيل، بمعنى أنه يحذف المشاهد البطيئة ويقفز من فوق بعض الفقرات التأملية ويركز على مفاجآت القصة والجانب الميلودرامي منها. إنه مولع مثلا بتصوير ثورة البحر وردّة فعل الصيادين لضربات الأمواج. ولا يفوته أن يصطنع مشاجرات بطولية تتخللها المطاردات والعراك بالأيدي وإطلاق الرصاص.
2 ـ مدرسة الدراما الاجتماعية ذات الإطار السياسي، وأهم روادها نبيل المالح، وإذا تخصص شاهين في عالم الحدود (الساحل، الأحياء الشعبية في المدينة، الغابات والمرتفعات) فإن المالح كان متخصصا بالفضاء النفسي. وهو مثل أقرانه رموز سينما السبعينيات يقدم تصورات أكثر مما يتابع حالات واقعية، واهتمامه بالواقع لا يرتبط ببيئة معينة، ولذلك لا توجد خطوط للعزل، وإنما يفترض المواجهة، سواء بين الفساد والضمير «السيد التقدمي أو بين المرأة والمجتمع القهري كما في «بقايا صور» المأخوذ عن حنا مينة .
وهنا تستطيع أن تلمس الفرق مع من قبله.
شاهين يحول أعمال مينة إلى حكايات تشويق لها غايتان: التطهير والتهذيب، ثم الإمتاع والمؤانسة (بمعنى التسلية من دون التضحية بضرورات التصعيد الفني مع الابتعاد عن الغرائز ما أمكن) في حين يركز المالح على طريقة التلقي، وكيف يمكن للشخصية أن تفهم الوضع الوجودي والإنساني الذي تتورط فيه.
3- المدرسة الثالثة والأخيرة هي السينما الروسية، وغالبا تتحرك بين الريف والمدينة، وتقسم الخلفيات الفنية للقصة بالتساوي بين الطبيعة المعذبة في الريف والطبيعة الإنسانية المحرومة في المدينة، ويأتي في مقدمة هؤلاء عبد اللطيف عبد الحميد الذي يعيد كل شيء إلى جذوره، الحرمان إلى التابو، والرغبات المؤجلة إلى صراع الغرائز.
في هذا الجو يبني محمد ملص رؤية إخراجية هي نسيج وحدها، فهو يستفيد من التراكم المعرفي في مجال الإخراج ولكن يحوله بالإسقاط على الذات، وذات محمد ملص عصابية وتدل على المجتمع، بمعنى أنها عصاب جماعي، ويعبر عن هذه الرؤية تغليب الألوان الداكنة على المشاهد، حتى السماء حين يحاول تصويرها، بواسطة المسح بالكاميرا، وببطء شديد، تكون موشاة بالغيوم الرصاصية.
وكل أعماله الأولى تشير إلى هذه الدائرة الخامدة، فـ«أحلام المدينة» 1984 أول أعماله، متابعة لتفكك المجتمع المدني تحت قهر وضغط الانقلابات المتتالية بعد الاستقلال، وهنا لا يفوته أن يقدم عدة إشارات ذات معنى عن أثر النكبة في تاريخنا النفسي المعاصر. ويبدو أن ذاكرته محكومة بطريقة سقوط السلطات المحلية وتنمية الحس الثوري الصامت عند الأفراد. فالمجتمع في «أحلام المدينة» هو عالم نراه من خلال عيون شخص واحد، وربما هو البديل عن ضمير المخرج.
لقد كان فيلم «أحلام المدينة» مغامرة بكل المقاييس لأنه تحرش بالممنوع السياسي، كما فعل نبيل سليمان في رواية «جرماتي».
غير أن «أحلام المدينة» نص يعرف كيف يضبط حساسية الممانعة، فقد وضع التصوير أمامنا غلالة رقيقة من العواطف والذكريات، وعن طريق التأمل كان بمقدور المشاهد أن يستمع لصوت الضمـــــير الشخصي وهو يزجر النقائص والهزيمة والخطيئة والسقوط بلا مواعظ ولا عنتريات. لقد كان ضمير المخرج وأبطاله في حالة انتباه ولكن ليس في وضع اهتياج. في حين أن رواية «جرماتي» دخلت في المنطقة المكشوفة، ووقعت في المحظور، واستعملت لغة بلا كنايات ولا مجاز، وغلب عليها صوت الواعظ الاجتماعي، ولذلك لقيت الحظر بقرار من اتحاد الكتاب في دمشق سنة صدورها، ثم طرد الاتحاد الكاتب من صفوفه.
لقد عرف محمد ملص كيف يحتفظ بمسافة لائقة بينه وبين موضوعاته، وعمد لتشخيصها وتجريدها، وهذا أوضح ما يكون في فيلمه الطويل «الليل» 1992. الذي يبدأ بمأساة وينتهي بنوع من التفاؤل أو الأمل، ويرمز لذلك بنظرة بطل الفيلم في المشهد الافتتاحي وهو ينظر إلى النجوم في سماء مكفهرة، ثم بنظرة البطل نفسه إلى القمر وهو يبزغ من خلف طبقات الغيوم، وكان معه ابنه الصغير. بطل منفرد في البداية، وبطل في النهاية مع برعم أو زهرة لها معنى أو قيمة: الاستمرار، المستقبل، الهم المشترك، العودة إلى القضية.
يمكنك أن تقول ما شئت لكنها إضافة بسيطة تخفف من صور الدمار والخراب والعنف، وهو ما سيفعله أيضا لاحقا في فيلمه «سلم إلى دمشق» 2013 مــــن خلال عيون ونظرات بطلة الفيلم، البنت اللطــيفة والمهذبة، التي تختلف مع واقعها، بمعنى أنها تستهجنه ولكن لا تقوضه.
هل هذا إرهاص بربيع سوري معدل يدعو إلى التغيير بلغة المنطق؟ ربما
ولهذا السبب لا يمكنني أن أرى أنه متأثر بيوسف شاهين أو غوستا غافراس كما تذهب بعض الآراء (انظر مقالة قصي الشيخ عسكر: رأي عن «سلم إلى دمشق» حيث يرى أن بصمات العصفور وآثار الروح الملحمية لفيلم «زد» الذي أنتجه غافراس واضحة وتقيد توجهات محمد ملص).
في الواقع إن (زد) فيلم عن الصراع بين النخبة أو الأنتلجنسيا وبين الشارع أو الحشود، وهو هجوم على النبرة الشعبوية التي تغلب على قاع المجتمع في لحظة الأزمات ويستغلها الاقتصاديون لتجييش السلع وليس في عملية الإنتاج، بمعنى أنها طريقة لاستغلال العواطف بأبشع طرق التراكم الرأسمالي. وهو ما عاد إليه لاحقا في فيلم «حالة حصار» والذي لعب دور البطولة فيه إيف مونتان. و»حالة حصار» نسخة مطورة من «زد»، مع تبديل مكان الأحداث من اليونان إلى أمريكا اللاتينية، فالمواجهة كانت بين وعي فردي ودهماء تحركهم الشركات الاستغلالية. كذلك إن «العصفور» مثل كل أعمال يوسف شاهين يعتمد على الإسقاط والتماهي بين الفرد والجماعة، فهو غير قادر على رؤية المنعطفات التاريخية الحاسمة إلا من خلال عيون أفراد استثنائيين، مثل عبد الناصر ونابليون وابن رشد، ولا يفوته أن يضع نفسه بينهم كما فعل في «حدوتة مصرية» مثلا، فكل شيء يراه من خلال أزمته الصحية وعملية القلب المفتوح. لكن شخصيات محمد ملص عادية بلا علامات فارقة وتحترق ببطء مع بقية أفراد المجتمع، يقول في آخر لحظة من سيناريو المدينة (بالمناسبة كتبه بين دمشق وموسكو): «توقف الباص في محضنه الأخير، نزل الدرجة الفاصلة بين الأرض والباص. ثم عاكس اتجاهه. وسار إلى المدينة المزدحمة بالناس». ومن الواضح أن كل مشهد وكلمة في أعمال يوسف شاهين وغافراس تصعد من الأرض إلى ما فوق الواقع، ولا تميل، مثل محمد ملص، للهبوط من أعلى إلى أسفل.
٭ كاتب سوري
صالح الرزوق