صورة الطفل اليمني سالم مصبح ابن السنوات الست وما تبقى من عظامه البارزة تشير إلى بقايا طفل يموت ببطء بسبب نقص التغذية الحاد، هزت كيان كل ضمير حي في هذا الكون على طريقة الطفل الكردي إيلان، الذي رمته أمواج البحر غريقا على أحد الشواطئ التركية أو الطفل السوري عمران الذي نجا دون أهله من برميل متفجر سقط فوق رؤوس العائلة شرق حلب أو الطفلة الفلسطينية هدى غالية التي صرخت صرخة هزت أركان الأرض عندما شاهدت جميع أفراد عائلتها تقطعهم الصواريخ الإسرائيلية على شاطئ غزة.
هذه الصور ستبقى عالقة في أذهان أصحاب الضمائر في هذا العالم كشاهد حي لضحايا الحرب من الأطفال الذين يقتلون بدون أن يعرفوا لماذا يقتلون وتذكرنا بصورة الطفلة الفيتنامية كيم فوك (8 سنوات) التي غيرت صورتها وهي تركض عارية مسار الحرب بسبب تغيير اتجاه الرأي العام في الولايات المتحدة.
في حالة أطفال اليمن الكل مذنب. لا أحد بريء. كاذب من يدعي أنه حريص على الشعب اليمني. حماية شعب اليمن لا يكون بقتلهم وإنقاذ اليمن لا يكون بتدميره. اليمن وقع بين فكي كماشة قاتلة فعلى أي جانبيه يميل؟ ميليشيات الطاغية علي عبد الله صالح وحلفائه من أنصار الله أم وطائرات التحالف الخليجي التي تدك المدارس والمستشفيات والموانئ والآبار ومواكب الأعراس. ولنتوقف عند محطات ثلاث لنحاول أن نفهم ما يجري في اليمن الضحية.
المحطة الأولى: ثورة الشباب اليمني العظيمة عام 2011
لم يتوحد الشعب اليمني في العصر الحديث أكثر مما توحد في ثورته العظيمة ضد الطاغية علي عبد الله صالح الذي اغتصب السلطة عام 1978 وسام البلاد كل أنواع القهر والظلم والفساد والمحسوبيات وضرب مكونات الشعب الواحد ولعب على ورقة «القاعدة» لاستدراج الولايات المتحدة لدعمه وكون جيشا موازيا لجيش اليمن تحت اسم الحرس الجمهوري يضم 37 لواء سلمه لابنه أحمد، ووضع أقاربه وإخوته وأولاد إخوته في مناصب مفصلية. أما الوحدة مع الجنوب التي يدعي أنها من إنجازاته العظيمة عاد ودكها بالمدافع وأباح الجنوب للجيش بفتوى شرعية من عبد المجيد الزنداني كما كدس ثروة تزيد عن 60 مليارا، في بلد يعتبر من بين الدول العشرين الأقل نموا في العالم. حارب الحوثيين في الشمال وطلب مساعدة السعودية في قصفهم بالطيران عام 2004 و 2009 ثم عاد وتحالف معهم. وانقلب على القبائل وغدر بالحزب الاشتراكي اليمني ولعب بكافة الأوراق التي تبقيه في السلطة حتى لو على جثة اليمن. لذلك قام الشعب اليمني بكامله ضد هذا الطاغية. وقد تميزت الثورة اليمينة بمزايا لم تتوفر في غيرها:
– تجاوزت المسألة القبلية وانضمت كافة التشكيلات القبلية في الثورة وخيام الاعتصام والمسيرات؛
– حافظت الثورة على سلميتها رغم استفزازات صالح وميليشياته وبلطجيته؛
– تجاوزت مسألة المجتمع المحافظ، خاصة بالنسبة للنساء حيث انضممن إلى صفوف الثورة لدرجة أن جائزة نوبل للسلام لعام 2011 منحت لتوكل كرمان مكافأة للمرأة اليمنية على دورها في الثورة؛
– بينما كانت تتركز معظم المسيرات والمظاهرات في مدينة أو مدينتين في معظم الدول العربية ظلت المسيرات والاعتصامات في اليمن متواصلة في نحو 17 محافظة.
ثورة اليمن أطلقت صرخة إنذار مبكر لدول الجيران بأن ثورة كهذه ستترك أثرها العظيم في الدولة الأكثر التصاقا باليمن، لذلك جاءت المبادرة الخليجية لحل الأزمة اليمنية أساسا لإجهاض الثورة وحماية الطاغية من أي مساءلة وإبقاء الوضع كما هو عليه واستبدال الرئيس بنائبه، الأمر الذي لم يرق كثيرا لا لصالح ولا لابنه أحمد وقررا أن يعاقبا الشعب اليمني برمته لأنه كان مصمما على إسقاط النظام بعد 33 سنة من الفوضى والحروب والفساد.
المحطة الثانية – مؤتمر الحوار الوطني والتمدد الحوثي
مع بداية مؤتمر المصالحة الوطنية في مارس 2013 بدأ اليمن يسير بطيئا نحو التعافي. وكان هناك دعم دولي وإقليمي ومحلي، خاصة بعد تثبيت عبد ربه منصور هادي رئيسا مؤقتا لغاية كتابة دستور جديد واعتماده عن طريق الاستفتاء والاتفاق على انتخابات تشريعية ورئاسية. إلا أن الذي حدث من وراء ظهر الـ 560 مندوبا المجتمعين في صنعاء أن أبرم اتفاق بين علي عبد الله صالح وجماعة الحوثيين رغم مشاركتهم في المؤتمر. لقد جمعت المصالح بين الرئيس المخلوع الذي رفض هذا الخلع المهذب وجماعة الحوثيين الذين كانوا يعانون من التهميش في ولاية صعدة أساسا وانتفضوا ضد الحكومة المركزية عدة مرات لأسباب مطلبية لا انفصالية. وكان أحمد ابن الرئيس المخلوع قد رفض التخلي عن وحدات الصواريخ في الحرس الجمهوري وضمها للجيش الذي أصبح عبد ربه منصور هادي قائدا أعلى له. هذا التوتر كان سببا في التقارب الحوثي مع جماعة صالح. من جهة أخرى يبدو أن الحوثيين أقاموا علاقات سرية مع إيران حيث ضبطت سفينة «جيهان» لأول مرة محملة بالأسلحة والصواريخ قبل بدء مؤتمر الحوار بقليل.
بدأ الحوثيون يتمددون خارج صعدة وسيطروا على محافظة عمران ثم اجتاحوا معسكر اللواء 310 وقتلوا قائده حميد القشيبي ثم تقدموا نحو العاصمة فاجتاحوها وحجزوا الرئيس وعددا من الوزراء واحتلوا جميع المؤسسات وألغوا العمل بالدستور وحلوا البرلمان وأطلقوا ما سموه «الإعلان الدستوري» وشكلوا «لجنة ثورية» لقيادة البلاد ثم تمددوا نحو الجنوب وصولا إلى عدن. تمكن الرئيس عبد ربه منصور هادي من الفرار ووصل إلى عدن وأعلنها عاصمة مؤقتة للبلاد، وأعلن بطلان كافة القرارات التي اتخذها تحالف الحوثيين مع صالح.
كان المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة آنذاك جمال بنعمر شاهدا على ما يجري وكان يعرف أن هناك انتهاكا واضحا لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة التي تتعامل مع هادي على أنه الرئيس الشرعي ومع هذا بقي إما صامتا أو قريبا من الموقف الحوثي. ثم فرض مجلس الأمن عقوبات على الرئيس المخلوع وعبد الخالق الحوثي و»أبو علي الحاكم» ثم أضاف فيما بعد نجل الرئيس المخلوع أحمد وعبد الملك الحوثي بسبب «تهديدهم للسلام والاستقرار في اليمن». لم يلتفت الحليفان إلى الموقف الدولي أو قرارات الأمم المتحدة. بسبب غطرسة القوة ظنوا أنهم سيحققون نصرا شاملا عسكرياعلى جميع اليمن، إلا أن المقاومة الشعبية في عدن أوقفت زحف الحوثيين ثم جاء التدخل الخليجي عسكريا بناء على طلب الرئيس الشرعي عبد ربه منصور هادي، حيث بدأ ما سمي حينها «عاصفة الحزم» فماذا حدث؟
المحطة الثالثة – عاصفة الحزم: جاءت تكحلها فقلعت عينها
من ناحية القانون الدولي يجوز لأي حكومة منتخبة شرعيا أن تطلب مساعدة من دولة أخرى في حال تعرضها لعدوان أو خطر داهم يهدد أمن البلاد وسيادتها. وهذا ما قامت به الكويت إثر الاحتلال العراقي أو سوريا عندما طلبت التدخل الروسي أو العراق بعد احتلال تنظيم الدولة «داعش» للموصل.
من ناحية قانونية إذن يجوز للرئيس اليمني، باعتباره الرئيس الشرعي المعترف به دوليا، أن يطلب مساعدة من أي دولة تقدم المساندة لنظامه. ولذلك لم يتعرض التدخل الخليجي في المعركة بقيادة السعودية إلى نقد داخل مجلس الأمن أو الجمعية العامة، لكن النقد تركز على ما سببه هذا التدخل من مآس للشعب اليمني، خاصة للأطفال لدرجة أن اسم التحالف أدرج على قائمة العار التي تضم كافة الدول والجماعات والكيانات التي تنتهك بشكل منهجي ومتواصل ومتعمد حقوق الأطفال. إلا أن الضغط السعودي والتهديد بوقف تمويل العديد من البرامج أدى إلى رضوخ الأمين العام وحذف اسم التحالف من القائمة، لكن الذي حدث هو أن هذا التدخل أضاف إلى معاناة اليمنيين ما لا يمكن وصفه إلا بأنه جرائم ضد الإنسانية.
ينص التقرير السنوي للأطفال والصراعات المسلحة على أن 60 بالمئة من الضحايا من الأطفال قتلوا على أيدي التحالف الذي تقوده السعودية (510 قتيلا و 667 جريحا) ونحو 60 بالمئة من الضحايا سقطوا بسبب الغارات الجوية. كما تم توثيق 101 هجوم على المدارس والمستشفيات دمر منها تماما نحو 90% ويتحمل التحالف مسؤولية 48% منها. وتحققت الأمم المتحدة من 42 هجمة على المدارس معظمها في صنعاء وتعز وصعدة ولحج يتحمل التحالف 57% منها.
بعد انفضاض جلسات الحوار من الكويت اتجه الطرفان إلى التصعيد العسكري. الحوثيون وأنصار صالح وسعوا رقعة الهجمات لتشمل مناطق داخل السعودية. أما طيران التحالف فصعّد من إلقاء حمولاته كيفما اتفق فأصاب الأسواق والمدارس والمستشفيات. وكان آخر ضحايا القصف الجوي في 10 سبتمبر، حيث قتل نحو 30 شخصا كانوا يحفرون بئرا للماء في بيت سعدان في منطقة أرحب. وقد طالب المفوض السامي لحقوق الإنسان زيد رعد الحسين بإجراء تحقيق مستقل في استهداف المدنيين جراء الغارات الجوية وغيرها من الأسلحة.
التصعيد الأخير، كما يقول المبعوث الأممي الخاص باليمن، إسماعيل ولد الشيخ أحمد، سيصب في مصلحة التنظيمين الإرهابيين «القاعدة» و «داعش». وقال: «إن غياب الدولة في أنحاء عديدة من اليمن، بالإضافة إلى حالة الفوضى التي أوجدتها الحرب ستعملان على تسهيل تمدد الجماعات الإرهابية التي تمثل تهديدا حقيقيا لكل المنطقة». اليمن الآن يقف على حافة الانهيار الشامل. فقد قتل في الحرب أكثر من 10000 شخص من بينهم 1121 طفلا وشرد أكثر من ثلاثة ملايين ويعيش نحو 80 بالمئة من السكان دون خط الفقر. كما أن البنى التحتية على ندرتها وبدائيتها قد تعرضت لشبة تدمير شامل. أما الخدمات الصحية والتعليمية فتكاد تتوقف تماما.
محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز
د.عبد الحميد صيام