طريق الآباء

حجم الخط
0

منذ اتخاذ قرار المحكمة العليا هدم المنازل في بؤرة طريق الآباء، يسيطر علي حزن شديد. «يوجد قضاة في القدس»، أعلن رئيس الحكومة مناحيم بيغن في حينه. وأنا جئت من اجل الحاق الضرر باحترام المحكمة ـ لكن مسموح تفسير سبب الندبة التي خلفها القرار. أولا، يجب القول لشعب إسرائيل ماذا تعني «بؤرة غير قانونية» وما الذي يجعلها غير قانونية، لأنه حينما يتم الاعلان عن عمل ما غير قانوني، فإن شعب إسرائيل الذي يحافظ على القانون، يتحفظ من عمل كهذا.
في كل ما يتعلق بمشروع الاستيطان في ارض إسرائيل، منذ بدايته كان مقرونا بصعوبات كثيرة، منها صعوبات الاجراءات الادارية والقانونية. تقرير تاليا ساسون معروف كوثيقة لعدم قانونية البؤر الاستيطانية التي أقيمت في يهودا والسامرة. الخلاف الاهم مع المحامية ساسون لا ينبع فقط من سؤال التحفظ أو التأييد لمشروع البؤر، بل يذهب أبعد من ذلك، ويصل إلى خلاف في القناعات المبدئية حول مبدأ التوقعات من الاستيطان في «الدولة السليمة».
إن هذا ليس خلافا قانونيا فقط، بل هو اختلاف في المواقف في العلوم السياسية. أنا ايضا أريد حكم سليم. إلا أن طريقنا تنفصل في السؤال الاساسي هل يمكن الطلب من السلطة بأن تتصرف بشكل علني وبشكل ملائم بالكامل، بالسلوك الصحيح. ويشير تقريرها إلى عدم الملاءمة بين التصريح العلني لرئيس الحكومة اريئيل شارون حول التزامه بوقف البناء في المستوطنات وبين السلوك الخفي الذي بنيت فيه بؤر قام مكتبه بدعمها.
يوجد سؤال أساسي ـ كيف يجب أن تتصرف الدولة السليمة؟ هل مسموح لها أن تخادع وأن تتصرف باتجاهين متناقضين، أحدهما علني والآخر مخفي؟ واحد «فوق الطاولة» والآخر «تحت الطاولة»، تحت الرادار.
الخلاف هنا يتعلق بطبيعة فكرة الدولة السليمة. بالنسبة لها فإن السلوك المزدوج مرفوض. وبالنسبة لي فإن سلوك كهذا مطلوب وضروري. حين تعكس نمط الحياة السلطوي كما هو في عالمنا المعقد، لا تستطيع أي دولة أن تدير شؤونها بشكل ناجع عندما تتصرف فقط بشكل علني. إن الاعمال السلطوية التي تُدار تحت الرادار هي ضرورة شرعية. هكذا تتصرف اغلبية الدول السليمة.
أكثر من حكومة واحدة، ايضا من بين الدول الأوروبية، تتحفظ من إسرائيل بشكل علني، وفي المقابل، بشكل خفي تتعاون اجهزة الاستخبارات السرية مع بعضها. هذه اللعبة المزدوجة هو إسم اللعبة. ومثال آخر: الدول الأوروبية لا يحق لها العمل في صالح الفلسطينيين في مناطق يهودا والسامرة من خلال قوات عسكرية علنية، لكن عشرات المنظمات المدنية وتحت شعار النضال من اجل حقوق الانسان، تعمل هناك بتأييد وتوجيه مباشر.
هذا المنطق يؤدي إلى أن ما لا يمكن فعله «من فوق الطاولة» يتم استكماله بشكل خفي دون التوقيع على المسؤولية المباشرة. هكذا ايضا كان منطق شارون: انطلاقا من تفهم الضغط الدولي، اضطر إلى الاعلان عن عدم البناء في المستوطنات، لكنه في المقابل طلب العمل على البناء بشكل خفي. هذا ملخص المنطق الذي يفسر كيف أن حاضرات بنيت بتوجيه مباشر، بقيت من الناحية القانونية والرسمية «غير قانونية».

سؤال أساسي وجودي

إن انكار خبراء الحكم السليم للتعقيد الذي يتعلق بالاستيطان، لا يقتصر فقط على يهودا والسامرة. إن سكن عدد قليل في النقب يعاني من صعوبات قانونية وادارية مشابهة. وخلال سنوات عملت النيابة العامة في الجنوب ضد هذا المشروع.
وحسب القانون والادارة السليمة كان من المفروض اعطاء الارض لمن يسكن في واحة القلائل، في عطاء مفتوح ومساواة كاملة لجميع المواطنين.
عمليا، السكان حصلوا على الارض بدون عطاء، لذلك طلبت النيابة في الدولة اخلاء السكان، حتى لو كانت لديهم وثائق عمرها 15 سنة، وبالتالي اعادة الاراضي لدائرة اراضي إسرائيل واجراء عطاء سليم.
سألت موظفة رفيعة في النيابة في منطقة الجنوب ما الذي سيحدث إذا فاز البدو في العطاء بأغلبية الاراضي؟ وأجابت: «هذه هي الاجراءات». وسألت: «الاجراءات حسب الجوهر؟». فقالت: «هكذا بالضبط». ويمكن القول إن جوهر الادارة السليمة، حسب الشكل الذي تُفسر به من قبل اصحاب الصلاحية، هو الجوهر.
يمكن القول إن ايام «الجدار والبرج» قد زالت ومنذ لحظة اقامة الدولة من المفروض التصرف بشكل مختلف. إلا أن المكان لا ينتظر الترتيب القانوني. والى أن يتم استكمال العمليات التخطيطية التي تستمر كما هو معروف سنوات طويلة، فإن شخص آخر يسيطر. هكذا هي حياتنا في إسرائيل.
حول جوهر موضوع بؤرة «طريق الآباء»، لا داعي للقول إن الحديث لا يقتصر على الصراع على الارض وقرار المحكمة حول الملكية. الحديث يدور عن صراع بين قوميتين حول تواصل السيطرة في المنطقة. وهذه هي الحال ايضا في غوش عصيون التي تفصل بين الخليل وبيت لحم وتلغي امكانية التواصل بين الخليل والقدس. ومن اجل ذلك يتم النضال: من يجد نفسه معزولا ومحاطا ومن ينجح في خلق التواصل الجغرافي.
هذا الوضع وهذا المنطق يفهمه الفلسطينيون بشكل جيد، وايضا ممثلو الاتحاد الأوروبي والأمريكيين الذين يطلبون من حكومة إسرائيل تجميد البناء. وحسب هذا المنطق بنيت بؤرة «طريق الآباء» في ذروة الحرب في 2001 كضرورة أمنية، في الايام التي كانت فيها الطريق من غوش عصيون إلى القدس تتسبب بالضحايا. هل من غير المعقول أن نتوقع من قضاة محكمة العدل العليا أخذ هذه الجوانب في الحسبان، خصوصا عندما يطلب ممثلو الدولة من المحكمة السماح بطرح موضوع الملكية وترتيبها؟ في العادة تتم العودة والتأكيد على متخذي القرارات تفهم قيود القوة. أليس ضروريا مراعاة قيود قوة الاجهزة الأمنية والعسكرية، حيث يتم ارسالهم للعمل مرة تلو الاخرى ضد اخوانهم وهدم منازلهم؟.
إن الحسم القضائي في جوهره يتعلق بالتقديرات، وهو دائما يتم من خلال التوجيه القيمي الشخصي. وقد كتب القاضي حشين: «كل قاض هو قائم بذاته، وقراره أُخذ من قلبه وضميره». الخلاف بين تقرير المحامية ساسون وبين تقرير القاضي ادموند ليفي ليس خلافا مهنيا فقط بين قانونيين، بل هو يكمن ايضا في الاختلاف القيمي حول حقنا في هذه البلاد. ويتوقع أن يتم حسم هذا الموضوع الوجودي بشكل سياسي ديمقراطي وليس بشكل قانوني.
تقرير تاليا ساسون معروف كوثيقة لعدم قانونية البؤر الاستيطانية التي أقيمت في يهودا والسامرة

إسرائيل اليوم 16/9/2016

طريق الآباء
يجب حسم موضوع البؤر الاستيطانية في يهودا والسامرة بشكل سياسي وليس بشكل قانوني
غرشون هكوهين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية