عن «قانون مورفي» العرب

رغم صحة ما ذكره الكاتب المصري عبد الوهاب المسيري رحمه الله من أنه لا معنى للتفاؤل والتشاؤم في فهم الواقع، أي أن القدرة على الفهم ينبغي أن تكون متحررة من الحالة النفسية وإسقاطاتها الشعورية، فإن التجربة كثيرا ما تنتهي بتوجيه المرء لا إراديا إما نحو توقع الأفضل أو نحو توقع الأسوأ. ولا يلزم أن يكون ذلك ناجما عن تشاؤم أو تفاؤل، أو مبنيا على يأس أو أمل. بل كثيرا ما يدرك المرء توقعاته هذه، أيا كان اتجاهها، على أنها ثمرة الواقعية المكتسبة بدقة الملاحظة وطول الخبرة. ولهذا شاعت في اللغة الانكليزية منذ منتصف القرن العشرين عبارة طريفة، هي «قانون مورفي». يكفي أن يقول أحدهم «إنه قانون مورفي» حتى يفهم الجميع أن المقصود هو أن «كل ما يمكن أن يسوء (أو ينعطب) سوف يسوء (أو ينعطب)».
ورغم أن التذمر من ميل الأمور إلى العطب والفساد والسوء والهلاك قديم قدم البشرية، فإن صياغته في «قانون» هو من أثر روح الدعابة في الثقافة الأنغلوساكسونية. أما التسمية فهي نسبة إلى العقيد ادوارد مورفي الذي كان مهندسا في سلاح الجو الأمريكي في أربعينيات القرن العشرين، والذي يقال إنه كان يتذمر من ميكانيكي لا يفعل شيئا على الوجه الصحيح أبدا، أي أنه لا «يترك طريقة من الطرق الخاطئة إلا أتاها».
ومن طريف قصص تطبيق «قانون مورفي» في فهم السياسة الدولية أن أحد أهم الدبلوماسيين الأمريكيين السابقين في الشرق الأوسط ألقى محاضرة في المعهد الملكي للشؤون الدولية (تشاتهام هاوس) في لندن قبل سنوات، وعندما فتح باب النقاش سئل عن إمكانية اتجاه الأمور نحو حكم أقل استبدادا في الدول العربية ونحو إمكانية إحلال السلام مع دولة إسرائيل، فأجاب: لا بد أن تتذكروا أن القانون الذي ينطبق على الشرق الأوسط أكثر من انطباقه على أي منطقة أخرى هو قانون مورفي، ولوأنه ليس بخاف عليكم أن لي مصلحة شخصية في التذكير بهذا الأمر! وفعلا، فقد كان في المسألة زاوية شخصية. ذلك أن هذا الدبلوماسي هو ريتشارد مورفي الذي مثل بلادهسفيرا في موريتانيا وسوريا في السبعينيات وفي السعودية أوائل الثمانينيات، قبل توليه منصب وزير الخارجية المساعد لشؤون الشرق الأدنى وجنوب آسيا من 1983 حتى 1989.
ورغم أننا نتعامل مع مجموعة محددة من سائقي التاكسي، فقد شاء «قانون مورفي» يوم أن استضفنا ريتشارد مورفي ذاته في أحد البرامج التلفزيونية في لندن أن يضل السائق الطريق، فيصل السفير متأخرا إلى استوديو البث. أمر نادر الحدوث، ولكنه حدث. وبعد سنوات من ذلك لقيت السيد مورفي وزوجته في بيت السفير اللبناني لدى الأمم المتحدة في نيويورك، فذكّرني بالحادثة وقال مازحا: لم يكن الوصول إليكم من أسهل مهماتي في لندن!
ولا عجب في أن تكون الدبلوماسيات الغربية راسخة في علم «قانون مورفي»، طاعنة في حكمة توقع الأسوأ والأدهى. فأعرق مدارس العلاقات الدولية هي المدرسة الواقعية بدءا من مكيافللي، وهوبز، وكلاوسفيتز، حتى مورغنثاو، وآرون وهوفمان. ولم تكن نظرة ابن خلدون للدول، علاقات ومصائر، واقعية فحسب، بل إنها كانت في المجمل نظرة كوارثية قيامية. أما حكمه على الذين «إذا تغلبوا على الأوطان أسرع إليها الخراب» فإني أرى أنه لا يمكن أن يكون، في عالم اليوم، إلا امتيازا حصريا للحكام العرب!
إذ لا شك أن «قانون مورفي العرب» هو نظام الحكم السائد عندنا، بل إنه مستأثر ببلادنا في علاقة استيطانية. ولكن المؤسي أن نكتشف اليوم أنه قد كان بنا، حتى قبل بضعة أعوام، رفيقا رحيما. أي أنه لم يكن يمارس علينا كل سلطاته. ذلك أن هذا القانون قد أثبت في الأعوام القليلة الماضية أن في وسعه أن يجدد نفسه في صيغة عربدة إباديّة لا تكتفي بإفساد ما هو قابل للفساد، بل تقضي بأن كل شيء، بدون استثناء، لا بد أن يؤول إلى سوء العاقبة وإظلام المصير. ولهذا صار من شبه المستحيل علينا تصور مجرد إمكان العودة إلى انحطاط الأمس. صار «الارتقاء»إلى انحطاط الماضي القريب مهمة نهضوية بعيدة المنال!

٭ كاتب تونسي

عن «قانون مورفي» العرب

مالك التريكي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية