الغيرة؟ نعم. أعترف بغيرتي أمام المهارة الإعلامية في تسخير كل ما في تاريخ الصهيونية من حقائق وأكاذيب لتبرير وجود إسرائيل، على أرض مغتصبة ليست لها، على حساب شعب فلسطيني تمت ممارسة (هولوكوست) إسرائيلية عليه تفوق ببشاعتها (هولوكوست) هتلر ضد اليهود.
ولكن الصمت العربي في الغرب عن تلك الأهوال هو من بعض انشغالنا بالتهام لحم أخينا العربي في حروب سنية/ شيعية داعشية/ مسيحية الى آخر قائمة حروبنا الأهلية والعالمية التي لا يجهلها أحد. وهكذا سقطنا في بئر اللاوعي حين أضعنا البوصلة القومية، وتطاولت الدولة العنصرية إسرائيل على كنيسة القيامة والمسجد الاقصى وتمادت في سياسة الاستيطان وإلغاء (الحضور) الفلسطيني في أرضه فلسطين.. والهمجية الصهيونية تتقن فن تسول الشفقة هذا بينما تغتال الآخر!
(اليهودي التائه) أم (العربي التائه)؟
أكتب ما تقدم لأنني عدت للتو من زيارة «متحف تاريخ اليهودية وفنها» في شارع (تامبل) في باريس. ما الذي كنت افعله هناك؟ كنت أتعارف مع هزيمتي الإعلامية كعربية أمام المهارة الإسرائيلية في توظيف التاريخ الحقيقي والمزعوم لخدمتها إعلامياً، وحرصت على مشاهدة المعارض (الفنية) الدورية التي تقام في هذا المتحف الباريسي والتي يصب معظمها في نهر دعم إسرائيل (الديمقراطية المتحضرة) ضد الحضارة (الإسلامية الداعشية) الخطيرة على العالم المتمدن، وتقطع الرؤوس في مشاهد متلفزة تليق بأفلام الرعب المبتذلة، وتتم ممارسة تلك الهمجية تحت شعار الدين الاسلامي الحنيف، في اساءة لروحه ولقضايانا وعلى رأسها في نظري القضية المحورية العربية فلسطين.
شاهدت في المتحف اليهودي (إلى جانب المجموعة الفنية الدائمة) أعمالاً لادوارد مويز حول الحياة اليهودية في القرن التاسع عشر، ومعرضاً من لور كروغر حول «صور المنفى 1934 – 1944» كما لميشيل نجار بعنوان «حضور» .
نشاط إعلامي كبير يمارسه هذا المتحف مقابل غياب كلي فلسطيني / عربي، فلماذا، والمال لا ينقص بعض الاثرياء الفلسطينيين والعرب لشراء مبنى يليق بأن يصير متحفاً فلسطينياً يرسم مأساة شعب تشرد هو الشعب الفلسطيني تمت محاولة إذلاله وسرقة وطنه، والإذلال لنا جميعاً كعرب.
يصرخ غسان: إقرعوا جدران الخزان
ولم نعد نقرع جدران الخزان كما نصحنا الشهيد المبدع غسان كنفاني في روايته «رجال تحت الشمس».. ولم نعد تحت الشمس بل في كهوف المؤامرات والاغتيالات والانفجارات، نتفنن في اختراع الاساليب لتكريه العالم الغربي بنا ولإيذاء بعضنا بعضاً كأن لعنة شكسبيرية مسرحية أصابتنا..
نعم أنا أكتب بغضب لأن المتحف اليهودي في باريس ذكرني بالشبكة الصهيونية الإعلامية العنكبوتية المسمومة التي لامستها بهلع في رحلاتي الكثيرة في الغرب.
وحين أصل الى مدينة غربية للمرة الأولى استقل الباص السياحي التقليدي لاكتشاف أحيائها قبل التسكع في المناخات القريبة من قلبي.
وفي امستردام مثلاً فرضوا علينا زيارة منزل آن فرانك بعدما زرنا متحف المبدع الكبير فان غوخ.
من هي آن فرانك؟ من المفترض انها بنت يهودية صغيرة اختبأت في هذا البيت بمفردها وكتبت مذكراتها يوماً بيوم خوفاً من الاضطهاد الهتلري لليهود.
من كتب المذكرات؟ أهي البنت الصغيرة التي كتبتها حقاً أم الدعاية الاسرائيلية؟ لن نعرف يوماً، لكن ملايين السياح من كل مكان يزورون منزل آن فرانك وبالاحرى (يتعرضون) مثلي لتلك الزيارة «شبه الإرغامية»..
وفي السياحات المنظمة (دسائس) سياسية ومالية!
صناعة تسول الشفقة في (الأندلس)
في إسبانيا ايضاً التي زرتها مرات وترك فيها اجدادي من بني أمية حضارة لا يمكن إنكارها لاحظت تسلل أخطبوط الاعلام الاسرائيلي الى الأماكن السياحية… (الإرغامية) والمجال لا يتسع لتعدادها، حيث تم اقتيادنا من «سيناغوغ» الى آخر مع شرح عن اضطهاد اليهود من دون الاشارة الى ان ذلك لم يتم أيام الحكم الإسلامي، وذلك ما عشته في كل بلد سياحي غربي زرته. وجوهره: تسول الشفقة للتعاطف مع اليهودي (الإسرائيلي) المسكين الذي صار له وطن لتعمية العيون عن إذلال مركب يمارسه ضد الفلسطيني في حقول حياته كلها وبوسع المرء تأليف كتاب حول (الدعاية) التي تشجع نتنياهو على الاعلان ان السلام مع العرب يجب ان يسبق التسوية مع الفلسطينيين فهل يرضى العرب بالتخلي عن بوصلة العروبة والقضية الفلسطينية ويلعقون يد العدو ككلب ضال؟
دونوا شهاداتهم قبل موتهم
نحن لسنا في حاجة الى اختلاق المذكرات والشهادات على الطريقة الصهيونية.. والمطلوب ذهاب المبدعة/المبدع الفلسطيني والصحافي الى الذين ما زالوا أحياء وعايشوا كارثة طردهم من بيوتهم في فلسطين عام 1948 ثم عام 1967.. وعلقوا مفاتيح بيوتهم على جدران المنفى وعلى جدران قلوبنا.. لتدوين شهاداتهم، والذهاب الى الناجين من المذابح الاسرائيلية لتدوين حكايات اغتصاب الارض، والى الذين تهدم اسرائيل بيوتهم في الارض المحتلة، والذين تحرق حقولهم ومحاصيلهم وأهل الأطفال المعتقلين (12 سنة) في محاولة لتدجينهم والقائمة تطول وتصلح مادة لأفلام تعري الهمجية الاسرائيلية. والصور التي أراها وسواي في الصحف عن الإذلال الاسرائيلي لفلسطينيي 1948 ايضاً تكفي وحدها نواة لمعرض فلسطيني عن «الهولوكوست الفلسطيني» وجدار المبكى العربي فهل من يستجيب؟
وبدلاً من الاعتداء على المتحف اليهودي في بروكسل بلجيكا، (الذي يزيد في نقمة الغرب على «المسلم الهمجي») أليس من الأفضل الانتقال من «الإلغاء» الى «البناء» أي بناء متحف فلسطيني يحاور حضارياً الهجمة الاسرائيلية؟
ألم يحن وقت الانتقال من مرحلة ذبح الاعناق الى لغة حضارية لتعريف العالم بالمأساة الفلسطينية وبالحضارة العريقة للفلسطيني من فولكلور يسرقه الإسرائيلي إلى فني تراثي معاصر أو تاريخي أو تسجيلي؟ والفلسطيني العريق إنسانياً لن تعوزه الابداعات في أي معرض له في الغرب.
تكذيب
تناقلت مواقع التواصل الاجتماعي رسالة موجهة الى الشعب السوري من المفترض انها ل منشورة مع صورة لها، وغادة نفت هذا التصريح جملة وتفصيلا وستكتب حول ذلك في عمودها الأسبوعي «لحظة حرية» في السبت المقبل (24 أيلول / سبتمبر).
غادة السمان