خدعوك فقالوا: الهند تعبد البقر!

حجم الخط
1

نيودلهي- مهدي مبارك: لا يتوقَّف الهندوس عن الصلاة، والذِكر. طوال الطريق من أي مدينة إلى أخرى مجموعات ترتدي زيًّا واحدًا تسعى حاملة تابوتًا زجاجيًا بداخله تمثال يرمز إلى الإله، أو يرمز إلى حيوان مقدَّس من حيواناته، ولكل إله طريقة «كما أنّ لكل شيخ طريقة في الإسلام»، فالهندوسية مقسومة بين طوائف وطرق وجماعات، وينتمي لها صوفيون، وكهنة ماتت قلوبهم عن العالم يعيش أغلبهم في «فاراناسي»، مكة الهندوس، حيث منبع نهر «الجانج»، الذي يحجّ إليه جميع الهنود، ويحرقون فيه موتاهم، ويغسلون آثامهم بمياهه «القذرة»، ولكل جماعة احتفالات وصلوات ومهرجانات وأعياد ورقصات وموسيقى خاصة.. وكلهم – في النهاية –يعبدون الإله الأكبر، اللورد كريشنا.
لكن.. لا أحد يعبد البقر.
في الطريق إلى «نيودلهي» من القاهرة حملت سؤالي إلى كثيرين: هل يعبد الهندوس البقر؟.. فالأسطورة – التي انتقلت إلى القاهرة – تقول إنه في زمن المجاعة في الهند خاف الحكماء من أن ينقرض بسبب كثرة ذبحه فأمروا الناس بعبادته حتى لا يذبحوه، فعبدوه، ومنذ ذلك الوقت صار البقر مقدَّسًا، تقف الطرق حين يمر، ويخرّ الجميع خشوعًا راكعين حتى يختفي.. فكانت الإجابة سريعة وضاحكة: «لا».
والحقيقة إن الهندوسية كأي دين لها إله واحد.. وعشرات أو مئات الرسل والأنبياء والقديسين والأولياء الصالحين، والمريدين.. والمجموعات التي تخرج حاملة تابوتًا بين المدن فيما يشبه السعي بين الصفا والمروة.. لكنها تسعى بين معبدين أو جبلين.. ولا تتجمَّل إذا سألتها: «لماذا تحملون إلهكم هكذا؟».. فتقول: «بنفسَّح الإله»!
وداخل المعابد إلى جانب التمثال طعام كثير وعصائر ولبن.. يعتقد من يدخل إنه للفقراء والمساكين، زوَّار الإله، الذين جاءوا يلتمسون البركة، لكن التفسير الوحيد له – على لسان المريدين – إن «الإله جائع.. ولا بد أن يأكل، ويشرب اللبن لأنه حليب البقرة.. أمنا جميعًا».
وعلى أشهر تماثيل «غاندي» في «نيودلهي» كتبت جملته الشهيرة «حماية البقرة التي فرضتها الهندوسية هدية الهند للعالم، فالبقرة أم الإنسان الحقيقية.. وأمي البقرة أفضل من أمي الحقيقية لأكثر من سبب، أولها إنها تمنحنا اللبن دائمًا وليس سنتين فقط قبل الفطام، وعندما تموت الأم الحقيقية تتكلَّف جنازتها مبالغ ضخمة.. بينما عندما تموت البقرة نستفيد من جلدها وقرونها وعظامها».
ما يقوله «غاندي» يعني إن العلاقة مصلحة متبادلة، البقرة تمنح كل شيء ولا بد أن تأخذ حقها مقابل ذلك، والمقابل ليس طلبًا لرضا البقرة فهي لا تملك ضرًا ولا نفعًا لا نفسها ولا لغيرها، ولكي تمدّ خط المصلحة لآخره، فالهنود يتقرَّبون إلى الإله بتقديم وجبة الإفطار إلى بقرة، وإشعال النار تحت رأسها، وهناك من يقدّسونها بصورة أقل، وتحديدًا فى مدينة «كيرلا»، التى تشحن إليها لتذبح لأن قوانين العاصمة، نيودلهى، تمنع ذبح البقر.
ولمصلحة أخرى.. يقدس إقليم «راجستان» 20 ألف فأر تجمعوا في معبد.. تحج إليه طائفة هندوسية وتصلي له وتأكل من أكله تقرّبًا للإله أيضًا.
وعلى بعد ألف كيلو متر يقع معبد الإله الأكبر، كريشنا، في «مومباي»، مدينة صناعة سينما«بوليوود»، ومقر إقامة مفضَّل سيف الدين، أمير «البهرة الشيعة»، وأميتابباتشانوشاروخان.
يزور أغلب الهندوس ضريح «كريشنا» في يوم ميلاده بعد منتصف آب/أغسطس من كل عام، ويتباكون على سيرته، فقد ولد سرًّا وبقي ميلاده سرًا، وتعذب في حياته، ومات بسهم مسموم رشق في قدمه على طريقة أسطورة «كعب أخيل» الإغريقية.. وقصته تشبه آلام المسيح.. فالحضارات والأساطير تسرق من بعضها.. والآلهة أيضًا.
ورغم إن «كريشنا»، الذي أوصى بالبقر خيرًا يسكن «مومباي» بروحه وضريحه ومعبده الكبير وعيده لا يحمي قطعانها من الذبح على أيدي المسلمين الشيعة سرًا، خاصة صباح عيد الأضحى، فقبل أيام كنت هناك في مغامرة البحث عن قطعة لحم في مدينة يقال إنها تعبد البقر.. وأكلت وجبة «موزة» دسمة لأول وآخر مرة في بيت أمير البهرة!

خدعوك فقالوا: الهند تعبد البقر!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية