قطاع الطاقة والمناجم في تونس: ثروة مهدورة وسط تصاعد الاحتجاجات

حجم الخط
1

تونس ـ «القدس العربي»: يحتل قطاع الطاقة والمناجم في تونس حيزا هاما من ثروات البلاد الاقتصادية والطبيعية وكان الفوسفات يساهم بنحو 9 في المئة من اجمالي عائدات الصادرات التونسية قبل سنة 2011 ما جعل البلاد تحتل المرتبة الخامسة عالميا من حيث إنتاج الفوسفات، كما انها تضم موارد طاقية لا بأس بها من الغاز والنفط وغيرها. لكن تصاعد نسق الاحتجاجات المطالبة بالتشغيل في هذه القطاعات وبتحسين أوضاع العاملين فيها، بعد «الثورة» جعل تونس تتراجع من حيث الأرقام المتعلقة بإنتاج وتصدير الفوسفات وغيره وباتت عجلة الاقتصاد أمام تحديات عديدة تعيق مسيرتها. ويرى عماد درويش الخبير في الطاقة ومدير عام شركة بتروفاك في تونس (وهي الشركة المكلفة باستخراج الغاز في جزر قرقنة) ان الوضع الاقتصادي في البلاد صعب جدا ولأسباب عديدة لعل أهمها المديونية العالية التي وصلت إلى حدود 61 في المئة من الناتج الخام، إضافة إلى انحدار سعر الدينار التونسي أمام الدولار إذ وصل إلى أدنى مستوياته منذ عام 2011 وأيضا ارتفاع نسبة البطالة لتصل إلى حدود 15.6 في المئة. وأضاف الخبير في الطاقة انه لم يقع دعم تونس خارجيا بالسيولة المالية التي تنعش السوق وكل ما قدمه صندوق النقد الدولي هو عبارة عن قروض تصرف في الغالب لسد رواتب الموظفين في القطاع العام. واعتبر ان كل هذه التحديات – إضافة إلى تصاعد المطلبية الاجتماعية في ظل وضع هش وفقدان هيبة الدولة – تولد وضعا اقتصاديا صعبا.

تراجع نسق الإنتاج

تصنع تونس نحو 85٪ من إجمالي إنتاجها من الفوسفات المستخرج من محافظة قفصة الواقعة على بعد نحو 350 كيلومترا جنوب غرب العاصمة وتحديدا بمدن الرديف والمتلوي وأم العرايس والمظيلة وهي المنطقة المسماة «الحوض المنجمي» وأظهرت البيانات الأخيرة تراجعا بنسبة 60 ٪ من إنتاج شركة فوسفات قفصة في سابقة خطيرة لم تشهدها البلاد منذ انشاء الشركة سنة 1897. في هذا السياق يوضح ان «تونس كانت تنتج حوالي 8 مليون طن سنويا من الفوسفات، أما اليوم فالإنتاج لا يتجاوز المليون طن. وإذا عدنا إلى سنة 2010 نجد ان تونس كانت تنتج 83 ألف برميل يومي من النفط أما اليوم فتنتج فقط 46 ألف برميل أي بتراجع نحو 50 في المئة». وأشار درويش إلى ان حقل بتروفاك في جزر قرقنة الذي يوفر 12.5 في المئة من حاجيات الغاز المحلية يواجه تحديات عديدة وصعبة وهو مغلق منذ ثمانية أشهر بسبب الاحتجاجات الاجتماعية ومطالب التشغيل. وأضاف ان ذلك يؤثر بشكل خطير على الاقتصاد باعتبار ان هذا يحتم على الدولة اللجوء إلى توريد الغاز من الجزائر عوضا عن استغلاله من ثروتها الباطنية. وأضاف ان المشكلة في قرقنة تعود إلى قيام بعض الجماعات بالضغط لإيقاف إنتاج الغاز في مقابل تلبية مطالبهم الاجتماعية.

ثروة ضائعة

أما عن قطاع الفوسفات ومشاكله فيؤكد درويش لـ «القدس العربي» ان هذه الاشكالية لم تبدأ الآن بل تعود إلى سنة 2008 عندما وقعت احتجاجات في قفصة (التي تضم المخزون الأهم من الفوسفات في البلاد) وتابع قائلا :» ان الاشكال لم يحل من حينها وهو باعتقادي لا علاقة له بالتنمية..وفي رأيي فان التوصيف الجيد للمشكلة هو الذي يساعد على ايجاد الحل الملائم. فأهالي تلك المناطق التي تضم مخزون البلاد من الطاقة والمناجم يعتبرون ان لهم حقا مكتسبا في هذه الثروة وان من واجب الحكومات ان تقوم بانتداب أبنائهم في هذه الشركات التي توفر رواتب وظروف عمل مغرية. وأضاف:»في اعتقادي ان شركة فوسفات قفصة تضم اليوم ضعفي حاجتها من اليد العاملة ومنذ سنة 2012 إلى الآن تم انتداب أكثر 17 ألف شخص وبهذا الشكل أصبحت قيمة طن الفوسفات التونسي الأغلى في العالم بسبب تكلفته الباهظة. إذ أن عملية تحويل الفوسفات الموجود في قفصة إلى أسمدة بعد نقله من مناطق الاستخراج إلى منشآت التحويل في الصخيرة تتطلب كلفة كبيرة أعلى من الإنتاج وأمام هذا الوضع يصبح توريده من الخارج أرخص كلفة على حد قول محدثنا.

الحلول

وقال درويش ان هناك جملة من الإجراءات يمكن القيام بها لتأمين عودة الإنتاج ووقف الاضرابات لعل أهمها اللجوء إلى إجراءات احالة العمال في هذه الشركات على التقاعد المبكر من أجل فسح المجال لانتداب عمال جدد وتقليص قيمة البطالة. ومن جانب آخر يمكن للدولة ان تسهل في اعطاء قروض لهؤلاء المحالين على التقاعد لاحداث مشاريع تؤمن تشغيل اليد العاملة وتقليص البطالة. وقال ان هذا الحل يوفر على الشركة كلفة الرواتب: «فمنذ خمس سنوات ونحن نعاني سنويا بالمليارات بسب توقف الإنتاج لذلك فان فتح الباب أمام انتدابات جديدة مع احالة العمال في عمر معين على التقاعد من شأنه ان يحل هذه المشكلة بأقل الأضرار كما ان عودة النسق الطبيعي لإانتاج خلال عام واحد فقط يمكن ان يغطي عجز الصناديق الاجتماعية في البلاد».

«وينو البترول؟»

وتذكر أطراف عديدة أن الأرقام المصرح بها من الإنتاج الطاقي والمنجمي غير صحيحة وأن الإنتاج يفوق بكثير ما هو مصرح به. فهناك من يتحدث عن إنتاج يومي من النفط يفوق 423 ألف برميل ولكن هذه الكميات يتم نهبها من أطراف داخلية وأخرى خارجية أمام عجز الدولة ماضيا وحاضرا على محاربة الفساد.
ويشار إلى أن النفط التونسي هو من النوع الرفيع الذي يستخدم كوقود للطائرات ويباع في الأسواق العالمية بسعر مرتفع مقارنة بالنفط العادي. وقد أطلق نشطاء تونسيون في وقت سابق حملة اطلقوا عليها تسمية «وينو البترول؟» (أين هو البترول) والهدف منها كان الكشف عن الفساد الذي يطال هذا القطاع ومحاربة الفاسدين، واتهم أنصار الرئيس السابق المنصف المرزوقي بتحريك هذه الحملة.
وتزامن هذا الحراك مع اكتشاف شركة تنقيب هولندية لحقل نفطي جديد في الجنوب التونسي بمنطقة دوز من ولاية قبلي الصحراوية. وتوقع يومها المختصون أن ينتج هذا الحقل 4300 برميلا من النفط يوميا وقرابة 400 ألف متر مكعب من الغاز الطبيعي.

حينما تأكل الثورة أبناءها

هل يمكن أن تأكل «الثورة» أبناءها في تونس؟ سؤال يطرح نفسه بقوة مع تراجع الوضع الاقتصادي وإهدار الثروة الطاقية في خضم الأوضاع الأمنية والاجتماعية الصعبة التي شهدتها البلاد على مدى الأعوام الماضية. حتى أن البعض تحدث عما أسماه «الإطناب والمبالغة في الاحتجاجات الثورية من قبل البعض إلى الحد الذي جعل الثروات تهدر والاقتصاد يدمر والبلد يسير نحو المجهول خاصة مع حديث البعض عن سيطرة جماعات متطرفة وتجار مخدرات على أرخبيل جزر قرقنة المتاخم لولاية صفاقس ثاني أكبر المدن التونسية.

 قطاع الطاقة والمناجم في تونس: ثروة مهدورة وسط تصاعد الاحتجاجات

روعة قاسم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية