ليبيا.. ضرورة الإعتماد على الذات

حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي»: يتفق جل الخبراء والمحللين والمختصين في الشؤون الليبية على أن اتفاق الصخيرات الذي اعتقد في وقت ما أنه سينهي الأزمة الليبية، قد فشل فشلا ذريعا في تحقيق الوفاق المنشود. ولعل ما يحول دون الإعلان الرسمي عن هذا الفشل هو الدعم الكبير الذي يلقاه فائز السراج وفريقه من قبل القوى الأطلسية وبعض دول الجوار الليبي التي رأت في هذه الحكومة خلاصا للشعب الليبي سينعكس إيجابا على استقرارها نظرا للترابط الوثيق بين هذه الدول وليبيا فيما يتعلق بالأمن القومي. فلا يخفى على عاقل أن حكومة الوفاق لم تلق القبول الحسن في البداية لدى فريق طرابلس المتمثل في فجر ليبيا والموالين لها والمؤتمر الوطني العام، وأن القبول تطلب بعض الوقت لإقناع بعض الأطراف الفاعلة في المشهد السياسي في العاصمة الليبية بضرورة القبول بالسراج ومن معه. وإلى اليوم لم تحظ هذه الحكومة بتزكية البرلمان الليبي في طبرق، وليست محل إجماع من قبل عموم الليبيين، باعتبار أن جلسات الحوار التي تمخض عنها اتفاق الصخيرات لم تُدع إليها كل أطياف الشعب الليبي وبقيت التمثيلية تشمل أطرافا دون أخرى.

البرق الخاطف

ولعل مازاد طين المشهد الليبي بلة هو سيطرة خليفة حفتر على الموانئ النفطية وافتكاكها دون قتال من جماعة الجضران أو ما يسمى بـ«حرس المنشآت النفطية»، وذلك بخلاف إرادة ما تسمى بـ«حكومة الوفاق». هذه الخطوة التي أقدم عليها حفتر لم تكن مفاجئة للمتابعين وتم الإعلان عنها في وقت سابق من قبل موالين لحفتر وتناولتها وسائل الإعلام بالمتابعة والتحليل.
ويفسر البعض نجاح عملية «البرق الخاطف» التي سيطر من خلالها اللواء المتفاعد على موانئ النفط بسرعة البرق، وبخلاف ما كان متوقعا، ودون قتال، بحصول صفقة بين الطرفين (حفتر وجماعة الجضران) برعاية أطراف خارجية. كما يذهب البعض الآخر إلى اتهام فرنسا مباشرة بالتدخل مساندة لحفتر يدعمها حليفها الإفريقي وأحد وكلائها الرئيس التشادي إدريس ديبي من خلال ميليشيات سودانية دارفورية موالية لنجامينا يدعي البعض أنها تشارك مع خليفة حفتر في هذه العملية.

دور القبائل

ويرى محللون بأن الوقت قد حان ليبادر الليبيون لحل أزمتهم بأنفسهم ودون انتظار الوساطات الخارجية التي أثبتت تجربة اتفاق الصخيرات عجز الأطراف المبادرة لهذه الوساطات عن الوصول إلى الحل. ولا بد في هذا الإطار أن تتوفر في ليبيا جهة ما تحظى بالمصداقية تثق فيها كل الأطراف تتولى رعاية حوار وطني يضم الجميع ولا يقصي أحدا، فقد أثبتت تجارب الإقصاء والإجتثاث فشلها الذريع في الوصول بالدول إلى بر الأمان.
وفي هذا الإطار يمكن لذوي السطوة والنفوذ في القبائل الليبية التي ينتمي إليها فرقاء السياسية أن يبادروا إلى لم الشمل والدفع باتجاه تشكيل طاولة حوار يمثل فيها كل الليبيين. ويمكن في هذا الإطار الإقتباس من التجربة التونسية التي رعت فيها الحوار منظمات المجتمع المدني الوطنية وعلى رأسها الإتحاد العام التونسي للشغل ودون الحاجة لوساطات خارجية أو أراض محايدة لأن أهل مكة بالنهاية أدرى بشعابها.

عراقيل خارجية

ويتفق جل العارفين بخبايا الشأن الليبي على أن أي دور للقبائل في جمع الفرقاء سيصطدم بمصالح قوى دولية وإقليمية تدين لها كثير من أطراف الصراع الليبي بالولاء وتتلقى منها التعليمات. فقد تمكنت هذه القوى من التغلغل في الجسم الليبي طيلة السنوات الماضية وبات لها لاعبون على الساحة ومصالح كبرى في بلد غني يعج بالثروات الطبيعية من المحروقات على وجه الخصوص ويسيل اللعاب لأخذ نصيب من كعكة هذه الثروة.
لذلك تبدو القبائل الليبية التي بدأت بعد بالتحرك بحاجة إلى التواصل مع هذه الأطراف والتنسيق معها إلى أن تتغير الظروف فتتخلص من هيمنتها يوما ما. وما لم يتم ذلك فإن أي مبادرة للصلح والحل لن يكتب لها النجاح وستصطدم بعراقيل خارجية لأن المرحلة صعبة وتقتضي التعامل بكثير من الواقعية مع المحيطين الإقليمي والدولي.

الحسم المؤجل

في المقابل ترى أطراف عديدة أن الملف الليبي سيراوح مكانه ولن يحصل فيه أي تقدم إلا بعد الإنتخابات الأمريكية وتوضح الرؤية للإدارة الجديدة وأن أي خطوة سيتم القيام بها من أجل الحل ستكون مضيعة للوقت. لكن هل ستقبل الدول الغربية الكبرى المتدخلة في الشأن الليبي ببقاء موانئ تصدير النفط بقبضة حفتر إلى ذلك الحين؟ أم أن هناك اتفاقا حصل مع هذا الأخير سيؤمن من خلاله احتياجات هذه البلدان من النفط الليبي، وأن المواقف المنتقدة لحفتر من هذه الأطراف الخارجية على عملية البرق الخاطف هي مجرد ذر رماد على العيون؟
ويربط البعض بين الإتصالات التي قام بها المبعوث الأممي كوبلر مع الجضران وجماعته في وقت سابق، وبين ما حصل من تسليم غريب للموانئ النفطية دون قتال. لا يبدو المرء قادرا على الجزم بصحة هذه الفرضية أو تلك في الوقت الراهن لأن الأيام القادمة وحدها الكفيلة بإماطة اللثام على حقيقة ما دبر بليل.

ليبيا.. ضرورة الإعتماد على الذات

روعة قاسم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية