هَوايَ هذا اليــوم فـيروزي

حجم الخط
2

لا تلمن/تلومـوا هوايَ إن أتممتن/ـم قراءة المقال،
لُمْن/لوموا الأحرف التي أغوتكن/ـم بالمتابعة نحو الأسفل،
حيث توقيعي يعلو بي وبفيروز فوق اللوم بكثير من شدو الكلام

«أمس.. انْتَـهَـيْنا…»

بالأمس القريب كانت كل الكلمات التي يغصُّ بها القلب تبحث لها عن مُتَنَفَّس ما حَسَب قدرات الإنسان على التنفيس والتنفس. كان الإبداع أو الكتابة شأنا محصورا في قلة تلوك حقها في «أن تكونَ» بما تمتاز به عن الآخرين. وكانت اللغة / النغم/ اللون/الطين أداة طيعة تمنح تلك القلة القوةَ والسلطة والفسحات الممتدة. وكان على السواد الأعظم أن يبدِع مسالكَه في دفع تلك الغُصص عن القلب والحنجرة والروح. اليوم تغيَّـر الحال غَدَتِ الجدرانُ الزرقاء (باختيار مارك زوكربيرغ) فسحةً متاحة لا تشملها الضريبة على القيمة المضافة، ولا يلحقها موسم التخفيضات، ولا تكبِّلها تعاريف أو قيود أو جمارك.
«هي رحلة في مدى النسيان» لا تبحث في عمق الذاكرة وإن أصرَّ «صاحبُ الوَعد» على التذكُّر والتذكير، بل تصْنَع ذاكرة مغايرة من كيـبورد وإنـترنت وشاشات وتحديثات وإيقونات لا حد لتحليقها. فعلى تخوم الواقع تُـشيِّد حياةٌ جديدة وجودَها. لكنها لا تكتفي بمفاصل الأمس القديم. إنها تترك ذلك الأمس جانبا وتُحـكِمُ على العُـشّـاق/الكُـتَّـاب الجدد عُرى حاضر يعيش الغـد قبل الـيوم، افـتراضاً وواقعاً.

«الله معـك يا هَوَانا…»

تتعدد سموات أهل السَّهَر. ولا تسقط النُّجوم، تظل هناك لكي يبقى الكلامُ عطرَ كلامٍ، يغازل الذاكرة ويستجدي الشِّعر وينبِـتُ بين مَفارق أهل الهوى أسماء عشق جديدة.
تكتب صديقـتي على جدارها:
«كما ينبت العشب بين مفاصل صخرة
وجدنا غريبين يوما.
وكانت سماء الربيع تؤلف نجما… ونجما
وكنت أؤلف فقرة حب..
لعينيك.. غنيتها!
أتعلم عيناك أني انتظرت طويلا
كما انتظر الصيفَ طائر
ونمت.. كنوم المهاجر
فعين تنام لتصحو عين.. طويلا
وتبكي على أختها،
حبيبان نحن، إلى أن ينام القمر
ونعلم أن العناق، وأن القبل
طعام ليالي الغزل
وأن الصباح ينادي خطاي لكي تستمرّ
على الدرب يوما جديداً
صديقان نحن، فسيري بقربي كفا بكف
معا نصنع الخبر والأغنيات
لماذا نسائل هذا الطريق.. لأي مصير
يسير بنا؟
ومن أين لملم أقدامنا؟
فحسبي، وحسبك أنا نسير…
معا، للأبد
لماذا نفتش عن أغنيات البكاء
بديوان شعر قديم؟
ونسأل يا حبنا! هل تدوم؟
أحبك حب القوافل واحة عشب وماء
وحب الفقير الرغيف
كما ينبت العشب بين مفاصل صخرة
وجدنا غريبين يوما
ونبقى رفيقين دوما»
محمود درويش
فينشر صديقي إياه، وأنا أعلم المياه التي تجري في الجداول بعيدا عن الجدران الزرقاء:
«أتراها تحبني ميسون… أم توهمت والنساء ظنون»
ويوقع البيت: نزار قباني.

«بَـيْتِي أنا بَـيْتك…»

بالأمس كان النص يأتي من دون مواعدة مسبقة مع الجدران الزرقاء. لم يكن يختار عتبات محدَّدة. كان يكتفي بالأوراق بيضاء صافية أو هوامش هنا أو هناك ليعلن حضوره. أحيانا كانت مناديل المَطعم في ذلك الفندق المطل على البحر المتوسط كافية لانتشال قصيدة كانت على وشك الغرق بين تحيات وزكيات اللـقاءات المُفْحِمة. وأحيانا كان الموعد مُـبَـيَّت النية والخطة سلفاً؛ كان لابد لنقرات الراقصين العشرة على المفاتيح ولنغمات موسيقى ما توشِّح صمت الفضاء كي يُطلَّ النص من حيث تدري الكلماتُ وحدها أصلَ الحكاية ومنتهاها. اليوم قد يأتي النص بسابق موعد وقد لا يأتي.
في زمن بين الأمس واليوم ترفَّـقْـتُ بالكذب المغموس بالكثير من البياض، وشيَّدْتُ لخطيئة اللقاء بالنص المُنتَظَـر مدونةً سميتها «في حضرة الغياب». كانت عتبةً لاحتضانه، لكنه ظل غائبا ذلك النص الذي انتظرتُه. وصار الكذبُ خطيئةَ خيانةِ النص الموعود.. كانت الخيانة قـدرَ الوفاء المُـشتهى للكـتابة. فالكـتابة وحدها أصدق من كل الخُطط الملوَّنة. وعبَـرَتِ المدونةِ نصوصٌ أخرى ولحظات افتتان مارقة من أزمنة أخرى غير الزمن الموكول للقاء النص الموعود.

«تعا ولا تِجي…»

اليوم نص آخر يحضُر، في انتظار ذلك الجمـيل الأنـيـق المتـرَيِّث الذي تـلزَمه مواعيدُ وطقوس واحتفالات للقاء. لا يحتاج النص الآخر استعداداً أو إعدادا مطوَّلا. كبساتُ أزرار سريعة على لوحة مضيئة ورُبَّ نص سريع القذف سريع الانتشاء سريع الاستقبال، جاهز للاستدعاء من دون حاجة إلى شبكة أو ربط أو فواتير شهرية، تكفي تطبيقاتُ الهاتف المحمول مشقة التحضيرات المبالغ في سيرتها وسريرتها ومسايراتها.
قد يأتي النص المارق في أي لحظة، لذلك الفضاء الأزرق فضاء ملائما لملاقاته أو لإعلانه، أو لتخزينه قصد استعادته لاحقا وترويضه وتغييره.
العالم الأزرق ليس للنصوص السريعة فحسب، لكن بين جدرانه ورواده ومراوديه تكمن احتمالات عديدة لاقتناص نصوص/شذرات لم يكن القلم وبياض الورقة على كامل الأهبة لاقتناصها. ولم تكن مفاتيح النقر وخطوات الراقصين العشرة أو السبعة أو الخمسة بقادرة على احتساب توقُّعات المروق النَّافِـر.
بين الجدران الزرق يفي النص بوعده ويأتي من دون ارتكاب خطيئة الكذب. يأتي من دون سابق إعلان أو موعد أو تحضير. يتفتَّق بين يدي اليوم بلون فيروزي مثل هذا اليوم، أو بألوان أخرى تشذِّب جنوح الجدران إلى الكثير من الزرقة.

«شُو بيْـبَقَى من الرواية…»

كنا نلتقي النصَّ سابقا من دون أصداء واسعة، من دون أن يتلصَّص على المنشأ أحد. اليوم للنص بداية ومآل. له صدى وللصدى رجعه وآثاره. اللقاء بالنص الموعود لا يمر صامتا. في العالم الأزرق للنص الموعود المقـتَـنَص عنوة ـ بعيدا عن القلم وبياض الورقة ونقرات الراقصين على المفاتيح ـ بدوره عشاق ومتابعون ومعجبون. لكن مثلما تقدح الجذوة سريعاً ذات اشتعال، تنطفئ بهدوء وتذر الريح بقايا الرماد. سريعا يأتي النص المَوعود وسريعا يطويه النسيان. «هي رحلة في مدى النسيان» من جديد رغم ذاكرة «صاحب الوعد». هل من الضروري لما يأتي بسهولة أن يذهب بسهولة، أم في عمق الوفرة والكثرة تضيع التفاصيل؟

«إذا رجعْـت بجن.. وإذا تركتكَ بشْقى…»

نسق الكتابة تغيَّر اليوم مثلما تغيَّرت الحياة، أو مثلما تحاول الحياة أو تسعى إلى أن تصل في تغيُّرها. لكن «الجديد له جِدة والبالي لا تفرط فيه». فلا الجديد شمس دائمة لا أفول لها، ولا المعتاد قمر كامن في انتظار ما سيستعيره من ضوء الشمس.
قد تكون الطفرة التي ولَّـدتْـها عوالمُ الـوسائط المـتعددة وانفتاح فضاءات النشر والكتابة والتدوين، مرتبطة أساسا بفكرة الحـرية وما تمنحه من قدرة فردية على التحكم والتسيير والتوجيه من دون «رقيب» أو استعلاء أشخاص آخرين. بيد أن ذلك لا يعني أن كل ما يُكتَب يستحق القراءة أو قد ينالها بالفعل إن استحقَّها. مثلما لا يعني أن النصوص التي تُنتَج بُذورها بين الجدران الزرقاء لا يتعسَّر مخاضها في هدأة العزلة بعيدا عن أعين الجدران قبل النشر الأزرق أو بعده.
الكتابة كل كتابة هي طور لاحق لامتلاء سابق. والكتابة يلين وُسعها أو يصلب وفق ما عركتْـه من امتلاء وتخصيب. لأجل ذلك النص المعرَّف بهويته النصية، في العالَم وليس بين دفتي كتاب فحسب، لابد له من مسالك دربة ومحن اختبار ومدارج تطويع.
النصوص التي نكتبها تكتبنا إذ نكتبها على الجدران الزرق أو بين جدران أخرى بألوان مغايرة. فالنص بالتأكيد روح الذات الكاتبة وهي «توجَد» على قيد الكتابة. إننا نحـيا الحـياة داخل النـصوص، وتحيا النـصوص كذلك عبْرنا الحياةَ التي نرتضيها لها ونرتضيها لذواتنا الكاتبة ونحن نضعها قيد «الحياة» و»الكتابة» و»الوجود».
هل بإمكاننا في هذا اليوم الفيروزي أن نكتفي بـالشدو: «أنـا عندي حنين»؟

٭ روائية من المغرب

هَوايَ هذا اليــوم فـيروزي

سعيدة تاقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية