واشنطن بوست: بوتين حصل على مصادقة من واشنطن تعتبر المعارضة لا النظام السوري المشكلة وبعد 20 عاما من الإهانة روسيا تدخل منطقة تأثير واشنطن وتقوم بتشكيلها عسكريا وسياسيا

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: ما هي الدروس التي يجب أن يتعلمها الرئيس الأمريكي باراك أوباما من بوتين في سوريا؟ يجيب المعلق الأمريكي جاكسون ديهيل في صحيفة «واشنطن بوست» قائلا: «في النقاش الأمريكي الكبير حول سوريا هناك تدخل من فلاديمير بوتين وهو ما يجعل باراك أوباما خاسرا».
وأضاف «منذ عام 2012 ظل اوباما يجادل وبدون شك أن لا خيار عمليا حتى ولو كان تدخلا محدودا في الحرب الأهلية السورية.
ودفع جون كيري وهيلاري كلينتون وديفيد بترايوس وليون بانيتا من بين آخرين الرئيس كي يأمر باستخدام الطيران الأمريكي أو يزيد من دعم المعارضة لحرف ميزان القوة لصالحها مما يفتح المجال أما تسوية سياسية محببة للولايات المتحدة وحلفائها.
ورفض أوباما وبشكل متكرر، قائلا «لا توجد سبل بعد للتدخل بدون أن دفع الجيش الأمريكي إلى منحدر مما سيقود إلى مستنقع آخر، مثل العراق وأفغانستان. وعلى أية حال فالتدخل الأمريكي سيزيد من تدهور الحرب ويشجع المتطرفين ويفاقم الأزمة الإنسانية».
ويعلق ديهيل «لقد حدثت كل هذه الأشياء وفي غياب أي فعل أمريكي. وأثبت الآن بوتين المفهوم الذي رفضه اوباما- إن استخدام القوة بشكل محدود يمكن أن يغير النتائج السياسية بدون دفع ثمن كبير- وكان هذا صحيحا طوال الوقت. والفرق، بالطبع هي أن النتيجة كانت نصرا لروسيا وإيران وحزب الله على حساب الولايات المتحدة والأصدقاء العرب والإسرائيليين والأتراك».
ويرى ديهيل أن الصفقة التي وقعها كيري مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قدمت لبوتين كل شيء كان يرغبه في سوريا.
وسيتحصن نظام الأسد بالهدنة التي ستترك قواته في مواقع قيادية حول حلب، كبرى المدن السورية. ولو استمرت الهدنة لثمانية أيام فهي تفوض الانضمام للروس للقيام بعمليات مشتركة ضد القوى المعادية لنظام الأسد والتي تعتبر متطرفة وتقاتل في حلب ومناطق اخرى- وهو ما يرضي رغبة بوتين الطويلة التي تطالب الغرب بالانضمام له في قتال «الإرهابيين» بدلا من محاربة الأسد.
وتم تجاوز اعتراضات البنتاغون الحادة لهذا التعاون. ويعلق ديهيل قائلا إنه حتى لو فشلت الهدنة كما أصبح واضحا يوم الأحد فإن بوتين حصل على مصادقة مبدئية من الولايات المتحدة وهي أن المعارضة لا النظام هم المشكلة الرئيسية في سوريا.
وفي الوقت الذي صور فيه جون كيري الاتفاق بأنه مفتاح لإيصال المساعدات الإنسانية للمدنيين السوريين فإن الأسد يقوم بتعويق إيصالها للمناطق المحاصرة من قواته.
ويعلق الكاتب هنا قائلا إنه «لو كان الماضي لنا دليل فلو حصلت انتهاكات من هذا النوع، فسيذهب كيري إلى بوتين طالبا منه حل المشكلة».

تذكروا

وكتب ديهيل قائلا «تذكروا: أمر بوتين التدخل في سوريا قبل عام، بعد قيام قائد العمليات الخارجية الإيراني قاسم سليماني بتحذير موسكو من أن الأسد يواجه هزيمة محتومة. وعندما بدأت المقاتلات الروسية بالظهور في سوريا- بشكل فاجأ واشنطن- أعلن أوباما سريعا أن روسيا ستجد نفسها في مستنقع، وكان هذا متوقعا. وما تحدث عنه الرئيس هو ما أكده مرارا من أن التدخل الأمريكي سيواجهه».
وفي النهاية لم يكن هناك مستنقع للروس. بل على العكس، فقد قام بوتين باستعراض للانسحاب قبل ستة أشهر لم يواجه إلا خسائر قليلة، وحرف ميزان الحرب لصالح الأسد وحصل نتيجة لهذا على الشروط السياسية التي يريدها من الولايات المتحدة. وفعل هذا وهو يتدخل بجرأة وبطريقة غير مسبوقة في الحملات الرئاسية الأمريكية». في إشارة لعمليات القرصنة على اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي في الوقت الذي كان يجلس فيه كيري مع لافروف «لا يهم، فقد ضغط كيري باتجاه إنجاز الصفقة وبناء على شروط موسكو. وأصبح المدافعون عنه في وضع قالوا فيه إن التدخل العسكري الروسي ورفض أوباما للتدخل لم يترك لكيري أي خيار سوى لعب الورقة الدبلوماسية الضعيفة».

انتقام

ويقول ديهيل إن بوتين سيشعر بالتأكيد بالرضى لأنه استطاع قلب الطاولة الجيوسياسية ضد الولايات المتحدة. ففي التسعينات من القرن الماضي راقب هو وزملاؤه في كي جي بي بفزع إدارة كلينتون وهي تشن حملات عسكرية في مناطق اعتبرت مرة جزءا من فضاء التأثير لموسكو مثل صربيا والبوسنة حيث فرضت الحل السياسي، وأجبرت حكومة بوريس يلتسين على ابتلاع الإهانة بعد إعلان استقلال كوسوفو.
وكل هذا اعتبره بوتين تدخلا في الشؤون الداخلية لروسيا ودعم منظمات العمل المدني التي تطالب بالديمقراطية وتدافع عن حقوق الإنسان.
والآن يقوم بوتين بفرض حلول سياسية على منطقة تسيدتها الولايات المتحدة وفي الوقت نفسه تشويش النظام السياسي الأمريكي.
والفرق في الوضع اليوم عن سنوات التسعينيات من القرن الماضي أن الولايات المتحدة وعلى خلاف روسيا ليست ضعيفة، بل أقوى بكثير وضعفها هو بالاختيار.
ويعلق الكاتب أن إدارة أوباما لا تتعامل مع هذا الوضع بهذه الصورة، ويحلو للمسؤولين في البيت الأبيض عقد مقارنة بينه وبين الرئيس بيل كلينتون. إلا أن من خدموا في ظل إدارة كلينتون يعتقدون أن الإدارة الحالية لا تفهم كيف تراجعت قوة أمريكا وقدرتها لفرض إرادتها على المسرح الدولي خلال العشرين عاما الماضية.
وربما كان تقييم المسؤولين من ناحية المقارنة صحيحا إلا أنه لا يفسر الوضع في سوريا «فقد حقق بوتين ما اعتقد أوباما أنه مستحيل». وتظل مسألة التأثير على الساحة السورية والتي يتحدث عنها الكاتب نسبية.

هدنة على صفيح ساخن

ويرى باتريك كوكبيرن في تحليل نشرته صحيفة «إندبندنت» أن الولايات المتحدة وروسيا تتمتعان بتأثير أقل مما تعتقدان.
وقال إن ضرب الطيران الأمريكي لجنود النظام في منطقة دير الزور في شرق سوريا هو فعل رمزي بأن الهدنة لا تطبق.
ورغم أن الاتفاق رعته أكبر قوة عظمى في العالم مع قوة تطمح في لعب دور القوة العظمى، روسيا إلا أنها تفتقد الآلية للتطبيق. وليس هناك إلا موافقة الطرفين وحسن نية الأطراف المشاركة في النزاع.
وحسن النية هو أمر يفتقده النزاع السوري خاصة أن هناك مصلحة للجميع سواء كان طرفا محليا أم خارجيا في استمرار الحرب وحتى لو تظاهرا بنفاق غير ذلك. كما أنه ليس من الواضح المدى الذي ستذهب فيه الولايات المتحدة وروسيا لدفع حلفائهما على الالتزام بالهدنة.
فقد تميل الولايات المتحدة إلى داعمي المعارضة السورية من تركيا والسعودية وقطر كي تجبرها على تطبيق بنود المعاهدة ولكن هل سيكون هذا الضغط كافيا؟
ففي أقل من شهر ستعقد الانتخابات الرئاسية والتي قد تؤدي لدخول رئيس جديد إلى البيت الأبيض وربما كانت لديه سياسة مختلفة نحو سوريا. فالإدارة الحالية ليست بطة عرجاء فقط ولكنها بطريقة أو بأخرى منقسمة حول مزايا التعاون مع روسيا. مع أن من مصلحة الأخيرة نجاح الاتفاق ولكنها ستجد صعوبة لدفع الأسد كي يفعل ما تريد حتى ولو اعتمد عليها.
وعلى المدى البعيد لا تعرف في الشرق الأوسط قوة الأطراف المتنافسة. فقبل حرب أفغانستان 2001 والعراق 2003 كان الحضور الأمريكي في المنطقة قويا.
ولكن فشل أمريكا بتحقيق ما تريد أدى إلى ظهور فكرة عن ضعفها. وبالمقابل فقد تحولت روسيا التي اعتبرها حكام الخليج منتهية أصبحت الداعم الرئيسي للأسد وبدأت بالتصرف كقوة عظمى. وبناء على هذا التحليل يرى كوكبيرن أنه من المبكر الحديث عن فشل الهدنة، ففي نزاع طويل كسوريا من الصعب وضع حد للحرب أو تخفيف المواجهة.
ومن هنا يظل الاتفاق الأمريكي- الروسي أول محاولة لوضع حد للحرب وبين لاعبين مهمين. والخيار الوحيد الباقي حالة عدم نجاح الاتفاق هو مزيد من الموت والدمار الذي سيغمر سوريا والمنطقة.

ساعة القرار لأوباما

وفي هذا السياق كتب بول سوندرز، المدير التنفيذي في المركز للمصلحة الوطنية، مقالا على موقع مجلة «ناشونال إنترست» حول الهدنة الأخيرة. وأشار فيه للجهود التي يجب ان تثمن لوزير الخارجية جون كيري و»شجاعته» السياسية للتفاوض مع موسكو إلا أن «السياسة الأمريكية السورية تواصل تجميع جراح تسببت بها بشكل يعقد حل مشكلة صعبة» ومن هنا يرى سوندرز أن أوباما الذي لم يتبق أمامه سوى أربعة أشهر في المكتب البيضاوي سيورث، على أكبر احتمال، خلفه هذه الفوضى السورية، على الرغم من تسامحه المتردد لجهود كيري كي ينقذ إرثه.
ويعتقد الكاتب أن شجاعة وتصميم كيري في هذه المرحلة ليست كافية. ويجب على أوباما اتخاذ قرارات صعبة حول الوضع قبل مغادرته في 20 كانون الثاني/يناير 2017.
ويرى أن الغارات الجوية التي قتلت عددا من الجنود السوريين واعتراف الولايات المتحدة بالخطأ تجعل من تطبيق الهدنة الحالية أمرا صعبا. فهي تزيد من التوتر في العلاقة المسمومة بين الولايات المتحدة وروسيا، الطرفين المهمين في أية تسوية للأزمة السورية.
ويشير للرد القاسي الذي بدا من وزير الخارجية الروسي حيث اتهم الطيارين الأمريكيين بالقيام بعمل «يقترب من الفعل الإجرامي والإهمال والتآمر مع إرهابيي الدولة الإسلامية». واشار الكاتب إلى التراشق في الكلام بين المسؤولين الروس والأمريكيين خاصة في مجلس الأمن حيث وجد فيتالي تشيركين، المبعوث الروسي الدائم في الأمم المتحدة في الغارة الأمريكية مثارا للشك.
في تلميح إلى أن الأمريكيين يعملون على إحباط الاتفاق الذي يدعو للتعاون بين الطرفين في ضرب تنظيم الدولة والجماعات المتشددة الأخرى مثل جبهة النصرة.
ويتساءل سوندرز عن قيام أوباما بتوقيع اتفاق مع روسيا ومن ثم تقوم بتخريبه، وانتقد الكاتب موقف سامنثا باور، مندوبة الولايات المتحدة الدائمة في الأمم المتحدة حيث وصفه بالنرجسية واللاعملية. فالنرجسية تعكس الطريقة التي تتجاهل بها الولايات المتحدة موقف الآخرين منها.
فقبل أيام من الغارة ذكرت الصحافة الأمريكية أن البنتاغون تعارض التعاون العسكري مع روسيا. ومن هنا فالتعامل مع الهجوم على أنه محاولة من وزارة الدفاع لقتل الاتفاق يدور في إطار نظريات المؤامرة.
ولكن التفكير هذا ليس غريبا على طرف يدور في إطار نظام سياسي مختلف «عنا» أي الأمريكيين. ومن ناحية أخرى فالفشل في معالجة مظاهر القلق الروسية يظل تصرفا غير عملي من أي شخص يطمح لوضع حد للحرب في سوريا.
فالحروب الأهلية، مثل السورية، عادة ما تطول وتتسم بالدموية إذا اشتركت فيها أطراف من الخارج.
ومن هنا فأول خطوة لوقف هذه الحروب وانقاذ أرواح المدنيين هي وقف الدعم الخارجي عنها.
ويتم هذا من خلال التركيز على العدو المشترك. وفي هذه الحالة تنظيم الدولة البربري الذي استفاد من الفوضى السورية وأقام نفسه كحكومة إقليمية فعلية.
وانتقد الكاتب موقف السفيرة باور متسائلا: كم من الناس ستنقذ من خلال موقفها؟ وهي تعرف أن الرئيس أوباما لن يقوم بإصدار أوامر للبدء بعملية عسكرية كبيرة والتي ستترك آثارا على المدنيين السوريين. وتساءل سوندرز عما تفكر به السفيرة من ناحية إنهاء المعاناة السورية المتمددة.
ويقول الكاتب إن الهجمات ستترك أثرها على العلاقات بين الولايات المتحدة وحكومة النظام السوري. ومع أن البعض سيرد أن علاقة من هذا القبيل ليست مهمة.
ويقول الكاتب إن الأسد جزار ويقف على الجانب الخطأ من التاريخ، إلا أن أي شخص يبحث عن حل للأزمة السورية بدون تدخل عسكري أمريكي يحتاج للتعاون مع الأسد بطريقة أو بأخرى. وهو أمر تعول فيه الولايات المتحدة على روسيا من خلال إقناعه «بضرورة الرحيل».
ويقول الكاتب إن الأثر السلبي للهجوم على قوات النظام يأتي بعد أشهر من ممارسة الضغط على الروس وخلال أشهر عدة كي يمتنعوا عن ضرب «جبهة النصرة»، (جبهة فتح الشام حاليا) خشية أن يطال الطيران الروسي الجماعات السورية المسلحة التي تحظى بدعم من الولايات المتحدة.
ورغم التحفظات من جانب وزارة الدفاع على التعاون مع الروس، وهو تحفظ معقول من ناحية فعاليتها والآثار التي ستتركها إلا أن الهجوم على جنود النظام يذكر بأهمية التعاون الأمريكي- الروسي لمواجهة تنظيم الدولة.
ويعتقد الكاتب أن أوباما بحاجة لاتخاذ قرارات مهمة – سواء عمل مع الروس أم لا.
ولاحظ أن الرئيس كما فعل في ليبيا وأوكرانيا يريد أن يكون رابحا على كلا الجهتين والحصول على ما يستطيع بدون أن يكشف نفسه ويخسر. وما لا يفهمه الرئيس أن أنصاف الحلول في سوريا وغير ذلك أدت لإنتاج حلول تحمل أسوأ ما في العالم بدلا من أن تقدم الأفضل. ولهذا السبب لن يسلم اوباما من النقد بسبب تعامله مع موسكو فيما تبقى له من وقت بالرئاسة. وفي ضوء مظاهر القصور لدى الروس فلن يسلم الرئيس من الأحكام القاسية في الأيام المقبلة وبعد 40 عاما.

واشنطن بوست: بوتين حصل على مصادقة من واشنطن تعتبر المعارضة لا النظام السوري المشكلة وبعد 20 عاما من الإهانة روسيا تدخل منطقة تأثير واشنطن وتقوم بتشكيلها عسكريا وسياسيا

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية