إذا كانت رواية العراقي حامد فاضل “بلدة في علبة” الصادرة عن دار سطور للنشر والتوزيع ـ بغداد 2015 قد قدّمت سيرة مدينة السماوة من خلال استنطاق مجموعة من الصور الفوتوغرافية التي ورثها الراوي عن والده مصوّر المدينة، بمعونة ساردين اثنين يتوليان التعليق، أو الإضافة، أو الكشف عن مضامين الصور التي تحيل على سيرة المدينة، أو تاريخ الحياة فيها، فإنّها في الوقت نفسه واجهت المتلقي بدءا من صفحتها الأولى بمستوى لغويّ لا يمتّ إلى المدنيّة بصلة ينفتح على ثقافة الأمكنة الصحراويّة، ليشير إلى طبيعة وظائفيّة تأخذ نسقها من السياق العام للسرد، لتشكل في النهاية مجموعة دلالات تأخذ على عاتقها تقديم المضامين في الرواية وكأنها منفصلة عن غيرها، ومتّصلة بالهيكل العام للمادّة المسرودة، وقد استمدّت صورتها من فضاءات الصحراء، فهي علامة فارقة من علامات تشكيل الرواية الذي يحيل على ثقافة مجلوبة من جغرافية البادية العراقيّة الجنوبيّة التي تحيط بالسماوة من جهاتها الأربع.
يحلو للراوي أن يسرد بلغة تردّ أصولها إلى نظام اجتماعي قولي مختلف يأخذ بالسرد إلى واقع سبق للروائي أن عاشه، يهمنا منه الخطاب لا الجملة، أي علاقة المستوى الثقافي باللغة الحاضنة الأكثر سعة من الصحراء، لنتأمل بعض تفوّهات الراوي وهو يسرد لنا كيف أن عائلته انتقلت من مدينة “الشاميّة” إلى مدينة “السماوة” وهي تستأجر عجلة من عجلات ذلك الزمن، فلم يجد سوى عبارة تنتمي إلى ثقافة الصحراء، مع أنّ العجلة تنتمي إلى ثقافة القرن العشرين “سيارة خنساء استعار محركها رغاء جمل” العبارة لا يمكن فصلها عن نتاج الحكي الصحراوي، فالسيارة خنساء، والخنساء عن العرب من الخنس: تأخر الأرنبة في الوجه وقصر الأنف، أو ارتفاع قليل في الأرنبة، والرجل أخنس والمرأة خنساء، والعبارة كناية عن صغر مقدمة السيارة وتأخرها كونها من سيارات الحرب العالميّة الثانية، وأنّ لها صوتا يشبه صوت الجمل، وهذه كناية أخرى أخذها الراوي من ثقافة الصحراء وهو يعاين نتاج حضارة القرن العشرين.
ولم تغب عن ذاكرة الراوي حكايات الصحراء المفعمة بالغرائبيّة، وهو يستحضر صورتها في نص الرواية ولاسيّما حكاية “الجن” الصحراوي التي التقطها يوما من أفواه الصحراويين ليعمد إلى إدخالها في الرواية “عندما يدرك الرجل أنّ الذي يحمله على كتفه ليس تيسا صغيرا إنّما هو «الطنطل» لا الذي تراءى له على هيئة تيس.. «فثقافة الصحراء تضع بصمتها الأولى السائرة نحو الأسطرة على متن الروائي بامتياز.
وفي الرواية عبارات وظيفتها تأثيث المكان الصحراوي كي تفيض منها رائحة الطبيعة نحو قوله «حلّت الليلة الثانية فواصلنا المسير حتى إذا أوشكت تلك الليلة على ضبّ خيمتها والرحيل بشّرنا القواف…»، فحلول الليلة يعني بدء المسير، وقد أدرك الجميع الصباح، وليس السماء في لغة الصحراء سوى “خيمة الله المطرز سقفها بالنجوم».
وقد يستعير الراوي لمظاهر الطبيعة أسماء، وصفات مصدرها الصحراء، وهدفه نقل حال المتلقي إلى ثقافة يريدها، فيستعير مثلا للتراب دثارا، وللنخلة هودجا، ولك أن تقرأ «أخلّي زمام فرس الذاكرة، وأتركها تخب في واحة الصورة الأولى»، ويقول «شاهدت فيه فيلما صامتا حُفر على جذع الذاكرة»… إنّ ألفاظ «الدثار» و«والهودج» و«زمام الفرس» و«الخب» و«الواحة» و«الجذع» من معجم ألفاظ الصحراء، وثقافتها المكينة التي لا علاقة لها بالمدينة وفضاءاتها ولكنها نتاج ثقافة اجتماعية تتغلغل في فكر الروائي وذاكرته لتمتد إلى متنه السردي.
ولعل الاستعارة بوصفها مظهرا من مظاهر البلاغة العربيّة التقليديّة بعيدة عن لغة السرد بسبب شعريتها العالية، وجنوح نصوصها نحو الانزياح إلا أن الراوي يلح في استحضارها رغبة منه في إضفاء أجواء حلميّة على سرد منفلت من عقال التحضّر نحو تخيّلات بيئيّة غير آبهة بالتحديد المنطقي، يقول الراوي في بعض سرده “التهمت نيران الكوانين عباءة الليل، وأتلقت للسمار فوانيس الدواوين، والرواة اعتلوا صهوات الليل، لسان يرث لسانا، وحكاية تلد حكاية، والبلدة تتناسل في مخيّلة الحكّائين”، لقد جعل لليل عباءة وهي من مستلزمات الصحراء، وللّيل صهوات تشبه صهوات الخيل، والحكايات عنده تلد كما النساء، والبلدة تتناسل، والاستعارة تشقّ المعنى للوصول إلى معنى المعنى الذي يحصل عادة عن طريق انزياح الدلالة نحو جماليّة الالتذاذ النصّي، والتذوق المرافق للتخييل، ليسهم في تقديم متعة أدبيّة مقرونة بالإدهاش والجمال وشعريّة التشكيل المفارق للأصل.
وتحضر الصحراء بمخيالها الجماعي في الرواية «جَمِحَتْ بمهماز صورة الوركاء ذاكرتي، فتركتها لتخب في أثر لم يمحه الدهر، بحوافر المخيال تحفر دروبها لتداهم الزمن المخبوء في علبة»، ويقول «أوشكت أن أنتزع فكرة الرؤيا من رأسي لولا الليلة الفائتة ليلة جمعت صهد الصيف وزمهرير الشتاء وزرعتهما في جسدي و«يتنحنح جدي يفتل شاربه المستباح بخيل المشيب» و«أيّ يد خفية كانت تدفعني نحو هذيانها الذي يلقي بدلائه في بئر الخوف؟» و«وأنا في الغرفة مثل صياد كامن لقنص الظباء، أمنّي الذاكرة باصطياد ذلك اليوم الذي شغف فيه أبي بتراث عروس البادية». و«تشبّثتُ بحبل سؤال الشيخ المباغت لأخرج من بئر الذاكرة».
ويجد المتلقي وهو يديم الصلة مع الرواية مقتضيات السرد الصحراوي وقد نهضت بها نصوص كثيرة: ”لم أكن أدري فيه أني أقف قدام زير حكايات، واحتجت لمساء آخر لأكتشف أن الطارمة التي أعدها جدي كمضيف هي خيمة حكايات مأهولة بمخلوقات المخيال الساحر»، فزير الحكايات وخيمتها من علامات الحكي الصحراوي، و«وخيمة جدي خيمة ساحر يخبئ في كمه ألف حكاية وحكاية، وكأن خرج مخيلته مترع بالحكايات». و«فيرفع زير الحكايات رأسه، وينهمر غيث الحكي … كنت مشدودا بحبل انبهار، ودلو اندهاش إلى بئر جدي الذي ينز بماء قراح»، و«كان نهر الحكايات يسير الهوينا يرسّب ما يحمله من لقى فتركد في قاع ذاكرتي»، و«ملح الحكايات في خيمة جدي كانت حكايات الحاج ذياب»، و«فتمترست خيمة الحكايات خلف درقتها خشية أن تداهمها خيول المطر» ، و«تركني في بادية المخيال أتبع أثر قافلة أفكاري»، وهي جميعا تعدل بالنص من مستواه اللفظي إلى مستوى الدلالة الكلي المنفتح على أصول السرد الصحراوي الشفاهي.
ترى ما سرّ حضور الثقافة الصحراوية في لغة رواية تدور أحداثها في مدينة عراقية تتمتع بمزايا المدن الأخرى؟ لا شك أن ذلك يردّ إلى سببين: الأول يتعلق بالمؤلف نفسه سليل فضاء الصحراء الذي تعتّقت ذاكرته بثقافتها ولمّا تزل، فهو ابن الصحراء بوصفها مكانا متعيّنا في المنطقة الفاصلة بين العراق والسعوديّة، وقد لفت النظر إلى حيّز مكانيّ كان ولمّا يزل يشغل الذاكرة اليقظة بما فيها من أرث، وتحولات حضاريّة بطلها الإنسان، والطبيعة القاسية، والآخر أنّ مدينة «السماوة» تقع على طرف البادية العراقية المتاخمة للبادية فهي من مدن الصحراء التي حافظت على ثقافاتها عبر التاريخ.
من مجمل ما مضى يتراءى لنا أنّ اللغة السرديّة في مستواها الثقافي الصحراوي هي جزء من مقام المنتج الذي يحيل على حقيقة أن لا ثبات في اللغة الروائية التي تنزاح أبدا نحو جماليّة التنوع الدلالي، والشكلي بسبب تعدّد الأصوات فيها.
٭ ناقد عراقي
فاضل عبود التميمي